الخميس، 16 يناير 2014

استخدام الدارجة في التعليم



لسانُ المرءِ يُنبيءُ عن حِجَاهُ
وعَيُّ المرءِ يَسْتُرُهُ السُّكُوتُ
القاضي الفاضل







هناك  من يقدم دعوة ـ  في بعض الدول العربية ـ  على هيئة ( مقترح ) لاستخدام اللهجة  ( الدارجة )  في التعليم ، و رغم أن مقدمو هذا ( المقترح )  يدَّعون أن الفكرة هي وسيلة للتخلص من الأمية ، وأنها فقط ستكون محصورة على مرحلة تعليمية محدودة لأجل إنتاج طبقة من العمال البسطاء القادرين على القراءة و الكتابة ، و غيرها من الإدعاءات ، إلا أن هذا الكلام مرفوض جملةً  و تفصيلاً .

لا أعرف الخلفية الشخصية لمقدم هذا المقترح ، ولا أرغب حقيقة الخوض فيها ، لكن مثل هذه المقترحات ـ رغم ما قدمه من مبررات لتمرير مقترحه ـ  لا تخرج إلا من أحد عقلين :

·       عقل متعصب .
·        أو عقل محدود  الفكر  ضيق  الأفق .

الإبداع ليس مرتبط بلغة دون أخرى ، ولا بلهجة دون أخرى ، لكن ( الفصحى ) هي لغة ( راقية ) جدا ، و كل أمة تهتم بالتعليم و تهتم بتطويره هي أمة ترغب في ( الرقي بأبنائها ) ، و ليس الهبوط بهم . نحن هنا لا نحتقر أي لهجة ، لكن في كل أمة تكون هناك ( لغة علم وثقافة )  وهناك ( لغة عامة و دهماء ) ، وهذه الأخيرة هي ما نصطلح على تسميتها بـ ( الدارجة أو العاميّة ) . فهل يتساوى النور و الديجور ؟

صاحب المقترح يقول أنه يرغب ـ عبر مقترحه هذا ـ بمحو الأمية ، فأين المنطق في كلامه هذا ؟

فأنت أن استخدمت الدارجة أو الفصحى فسوف تضطر في كلا الحالتين أن تعلم هذا الطالب أساسيات الكتابة و القراءة . معناه سوف تضطره لتعلم الحروف ، حسنا ، الآن أخبرني هل الحروف التي سوف تستخدمها في تعليمك له للدارجة تختلف عن الحروف التي تستخدمها في تعليمك له في الفصحى ؟  قطعا ( لا ) .

أن كنت تظن أن الدارجة أسهل في التعليم من حيث القواعد اللغوية و النحوية ، فأنت تتحدث أنك تريد فقط  ( محو الأمية ) ليتم استخدام هذه الفئة في مهن بسيطة جدا ، و ليس لتقوم بتخريج أطباء و مهندسين و علماء وغيره . إذا معنى هذا أنه لا توجد أبدا إشكالية فيما لو علمتهم ( الفصحى ) ، ومحوت أميتهم بها . لأنك كل ما ستقوم به هو تعليمهم القراءة و الكتابة  دون الحاجة  للخوض في القواعد اللغوية  ، و البلاغية  ، و النحوية  ، و الأدبية  و غيرها .


أما مسألة أننا سنقوم بتعليمهم بـ ( الدارجة ) ثم من أراد منهم مواصلة دراسته فإنه ينتقل للتعلم بالفصحى ، فهذا كلام به ( مغالطة ) واقعية :

1.    أن التعلم بالدارجة في المرحلة الأولى  سيؤدي لصعوبة فيما بعد عند تعلم الفصحى ، لأن الأمر سيختلط على كثير من الأفراد المتعلمين .

2.   أنكَ  أن  واصلت معهم  التعليم بالدارجة معناه أنكَ تبترهم عن امتدادهم القومي و تجعلهم يغرقون في ذاتهم و يتقوقعون أكثر .

3.   بل و ستبترهم من انتماءهم الديني و سيؤول الحال عندنا كما آل عند اليهود  و المسيحيين الذين أصبح الكثير الغالب فيهم لا يجيد قراءة كتبه المقدسة بلغتها الأم ، فالعاقل يعلم ماذا تفعل الترجمة بأي نص أن أنت حولته من لغة إلى لغة أو من لهجة إلى لهجة ، و أنت تعلم أنما أعجاز القرآن في لغته بامتياز . و ليس فقط على مستوى قراءة القرآن بل وحتى الكتب المكتوبة  بالفصحى أكانت قديمة أم حديثة .


مشكلة كبيرة  حقا حين يكون المسئول عن التعليم هو ( إنسان سطحي )  و ذا عقل ضعيف  ،  لأنه سوف يقيس الجميع بنفس مستواه . في الواقع أن المناهج الدراسية جدا سطحية ، وخاصة مناهج اللغة العربية ، ودائما العذر ( أننا لا نريد التصعب على الطلاب ) ، أو  ( أن الطلاب لن يستطيعوا فهمه ) . هذا يدل على مستوى المسئولين عن هذه المناهج  و مدى سطحية عقولهم و ضعفها :

1.   فأي علم  سهل ؟!  فأنتم تدرسون للطلاب الرياضيات و الفيزياء فهل هذه مواد سهلة ، مهما حاولت تبسيطها ؟!  إذن هل اللغة العربية ستكون أصعب من الفيزياء ؟!. أن دور التعليم و قطبيه الأساسيين ( المعلم و المُتعلم ) هو التفوق على صعوبة العلم لبلوغ الهدف المنشود منه ، وهو السمو بالعقل .

2.   أنظر الفرق بين المدارس التي يديرها بعض ( شيوخ الدين ) و أهل العلم  أيام العطلة الصيفية ، و التي تستخدم أسلوب ( التعليم التقليدي ) المتوارث منذ عقود ،  و التي تهتم باللغة العربية و العلوم الدينية ، فعلى الرغم من أن فترة التعليم فيها قصيرة جدا مقارنة بالمدارس العصرية إلا أن المحصلة التي يخرج بها الطلاب هي اكبر بكثير من تلك التي يجنيها حتى أفضل الطلاب عقولا في المدارس العصرية . لماذا ؟  لأنها تستخدم أسلوب يؤمن بالعقول العظيمة ، و  رفع شأن البسيطة ، و ليس أنزال العقول العظيمة إلى مستوى البسيطة .

3.  سياسة المناهج التي تراعي و تخدم أصحاب المستويات الدُنيا و التي تؤدي إلى إنزال أصحاب المستويات العليا إلى مستوى الدنيا لا تنتج إلا مجتمع ( بليد ) ، ليس فيه  تقدم  و لا أنتاج ، اللغة ليست فقط مجرد فلسفة و أدب ، بل هي ( هوية ) و هي ( أداة ) أنتاج  و عطاء ، و المستوى اللغوي لأي أمة يعتبر مقياس (حضاري ) لها .


استغرب ممن لا يجد حرجا من حضور ( لغة أجنبية ) ـ كالفرنسية و الإنجليزية و الأسبانية و غيرها ـ  بكل تلك القوة في حياته ولا يراها مسألة تدل على التبعية و الضعف ،  بينما يجد حرجا اتجاه ( الفصحى ) ولا يراها امتداد له رغم أنها  لغة له معها نسبا قويا بل هي ذاته  ، و هويتهُ  ، و تاريخهُ . بل  و استغرب من يدَّعي أنه يريد أصلاح التعليم فيهتم بالشكليات بدلا الاهتمام  بالعمق . ما نحتاجه حقا :

·   بيئة مدرسية تمنح قابلية للطلاب على الإقبال على التعليم ، وهنا لا أعني المباني الفاخرة و الأثاث الفاخر ، بل المباني التي تحترم قيمة الإنسان ، من حيث اتساع الفصول وعدم الازدحام فيها ، ومن حيث توفر الأثاث لكل طالب من الطلاب ، فهذا يساعد الطالب على العمل بأريحية ، ويشعره أنه مهم و ليس عبأ على أحد ، في بعض الدول العربية لا يجد الطلاب مقاعد و لا طاولات للجلوس عليها مما يضطرهم الجلوس على الأرض أو الازدحام على الكراسي المتوفرة .
·   نحتاج مناهج تبني العقول وتسمو بها ، وليس مناهج تزيد العقول تبلدا ، ونحتاج توفر الكتب لجميع الطلاب ، ففي بعض الدول العربية لا يجد الطلاب كتب أو لا يتمكنون من شراءها لضعف أحوالهم المادية .
·   نحتاج كادر تعليمي يؤمن بالمهنية و الأمانة في بناء العقول ، و الإخلاص في ذلك . كذلك نحتاج توفير لذلك الكادر ،  في بعض الدول العربية حتى الكادر هذا غير موجود ، اللهم نجد أحيانا بعض الأفراد يقومون بالتطوع  لتعليم هؤلاء الطلاب ، الأمر الذي يعني عدم التزامهم معهم بشكل نظامي لأن هؤلاء الأفراد عادة مرتبطون بوظائف أخرى .
·   نحتاج مراعاة مدة مكوث الطلاب في المدرسة خلال اليوم الدراسي و مدته ، لأن الإطالة غير المعقولة تجعل الطالب و المعلم يشعران بالتعب و الملل ، فمهنة التعليم مهنة جدا منهكة جسديا وذهنيا . حين تتحدث للمسئولين عن هذا فإنهم يبررون أن الغرب لديه هذا الأمر ، لكن كلمني بالمنطق ، هل أنت في باقي الأمور التي تخص التعليم  تفعل كما يفعل الغرب ، فأي إجابات سطحية هذه التي تعطيني إياها وأي منطق هذا ؟؟! . كذلك أن بقاء الطالب أغلب يومه في البيئة المدرسية ـ و التي يقضي فيها أغلب أيام الأسبوع ـ  مقارنة بما يقضيه في البيت أو البيئة الخارجية تتسبب في حدوث فجوة ثقافية و قيمية  بين ذلك الجيل الذي مازال في مقاعد الدراسة وبين بيئته وعاداتها وقيمها ، فينشأ مشوه القيم و العادات ، فيتلقف من هنا وهناك بعيدا عن رعاية الأهل بشكل دقيق .
·   نحتاج إلى الاهتمام الحقيقي في تنمية العقول و تحفيزها ، و تبني المبدع منها ، في الحقيقة أن ما يقدم من أنشطة ومسابقات في المدارس هي أمور شكلية بامتياز . و غالبا تلك المنافسات غير شريفة و غير جادة ، وهي تنمي النفاق فقط وليس الحماس ولا الإبداع ، كما أن الطلاب لا يُقبلون عليها بحماس بل مُكرهين ، لأنه لا يوجد بها ما يحمسهم أساسا .


الجمعة، 10 يناير 2014

لا تجعلوا سوريا عراقاً ثانٍ




( إنَّ السعيد لمنْ جُنِّبَ الفِتنَ )
النبي محمد صلَّ الله عليه وسلم.





المملكة السعودية تدفع بشبابها للقتال باسم   " الجهاد "  و تُسهل للأهالي جمع التبرعات للمجاهدين ، هي لا تفعل هذا لأجل فلسطين بل لــ ( سوريا ) ليس بدافع الدين ـ كما يعتقد العامة ـ   ولا لرفع الظلم عن السوريين ، و لا لأجل ديمقراطية ، و لكن لأن بينها و بين  "بشار الأسد " عداوة :

 الأولى /  بسبب موت رفيق الحريري ، فهي تحمل بشار قتل الحريري .
 و الثانية /  بسبب علاقة سوريا  الوطيدة بإيران العدو اللدود للسعودية .

عادة ما يتم تبرير الصراعات السياسية بين أقطاب الحكم في البلد الواحد  أو بين بلدين بمبررات ( وطنية  أو  إنسانية  أو دينية )  ، بينما في الحقيقة هو مجرد كذب لخداع العامة من الشعب ، والذي غالبا ما يصدق ما تقوله حكومته . لكن من يتتبع سلوكيات تلك الحكومات بشكل قريب يفهم جيدا معنى كل موقف من مواقفها ، ويعرف جيدا متى تكذب و متى تصدق في إدعاءاتها .

أنَّ السعودية تُخْطِئ في  ( سوريا )  نفس خطأها في ( أفغانستان ) .  هي تخطأ خطأ سبق أن ارتكبته في أفغانستان في أواخر الثمانينات و جنت منه الإرهاب و تنظيم القاعدة  . كل هذا لأنها أرادت إسقاط  ( بشار ) ـ  بنفس حماسها لإسقاط ( صدام حسين )  ـ بدون أن تتدخل بشكل رسمي وبدون أي تورط عسكري أو سياسي مباشر ، الأمر نفسه حدث في ( أفغانستان )  أيام الاحتلال ( السوفيتي )  لها . ولكن ماذا كانت النتيجة ؟

 لماذا نكرر ذات الخطأ ؟ .

إسقاط ( بشار ) الدكتاتور الدموي لن ينتج عنه سوريا ( وردية ) بل سينتج عنه ( عراق )  آخر . نفس الأمر الذي حدث للعراق ومازال إلى يومنا هذا بعد إسقاط صدام حسين . أن التركيبة الاجتماعية و السياسية لـ ( سوريا ) تؤكد هذا[1] ، و هو أمر يعرفه الخبراء في هذا الشأن جيدا ، و هم  يشهدون على كلامي .

( المعارضة الشريفة )  في سوريا ( ضعيفة ) ، لا تملك الإمكانات لتصدح بصوتها و لتكون حاضرة في المشهد السياسي بقوة ـ  حالها حال المعارضة الشريفة في العراق ـ  مقارنة بـ ( الخونة ) الذين لا يختلفون في فسادهم عن ( بشار ) حتى قبل أن يصلوا إلى السلطة ، بل أن بشار ربما أحسن منهم بأنه لم يسلم بلاده للأمريكان و اليهود ، أما هؤلاء فحتى قبل أمساكهم بالحكم قاموا بتسليم كل شيء .

كيف يمكن للشعب أن يثق في هؤلاء ؟

أتمنى من الساسة في  السعودية  و عُمان و  قطر ، أن ينظروا بعدل في هذه المسألة ، و ليتركوا تصفية الحسابات السياسة و التي تتم فوق أجساد المستضعفين وعلى دمائهم ، يكفيهم تشردا و قتلا ، لا تكرروا خطأكم في العراق . كذلك أن تأزم الوضع في ( سوريا ) يعني تأزم الأمن في ( لبنان ) .

بإمكان ( الثقل السياسي السعودي ) و ( الدبلوماسية العُمانية العالية )  أن تحل معاناة  الشعوب العربية  وتحتويها في  مصر  ، و سوريا ،  بل و في اليمن أيضا . و أقولها بكل ثقة .


يا أهل الحُكم  و السياسة  ،،

أن حساب الخلق عليكم  ، و الله سائلكم عنهم  فلا يغرنكم انخداع شعوبكم بخطاباتكم  و مبرراتكم التي تسوقونها لتسوِّقوا قراراتكم  ،  فالله يعلم ما في صدوركم .  فإن استطعتم بمكر السياسة خداع العامة  فإنكم  لن تستطيعوا خداع الله .

الكل صار ـ  في خضم الظروف الراهنة  ـ يبحث عن خائن بين الأفرقة المتناحرة . و الكل يتهم الآخر أنه خائن ،  مازال مقالي ( إلا خيانة الوطن )  هو الأكثر  قراءة منذ أن كتبته في 11 مارس 2011 م ، أغلب الواصلين إليه كانوا عن طريق (  محركات  البحث )  تحت عناوين تدل أنهم يبحثون عن خائن ، أو مقولات عن الخيانة أو أشعار و ما إلى ذلك ، سبحان الله !! .

يا أخي  ،،

لا تبحث عن ( خائن )  بل ابحث عن إصلاح الحال في الوطن ، فالبحث عن الخائن لتبادل التهم فقط  أو من هو المخطئ لا جدوى منه . لأننا بذلك ندور في حلقة مفرغة.

الحماس الذي ينتاب البعض في الدول العربية  لصرع الحكومة السورية و إسقاطها يدفعني للتساؤل :

 ماذا لو حدث في بلادك نفس ما يحدث في ( سوريا ) الآن ؟ و قامت دولة أخرى بدعم الثوار أو المتمردين ـ أيًّا كان مسماهم ـ و مدهم بالمال و الشباب للقتال ؟ و قامت هذه الدولة بتأليب المجتمع الدولي عليكم لقصف بلادكم  بنفس حماس حكوماتكم  الآن ؟ ماذا سيكون موقفكم ؟

سأجيبك :

 سوف تتذمرون وتشتمون هذه الدولة وشعبها ، و ستقولون نحن لا نحتاج لتدخلكم في بلادنا ، وهذا شأن داخلي يخصنا وحدنا ، وأنتم ليس لكم دخل فينا .

أليس كذلك ؟؟

هكذا نحن البشر نحكم دوما بازدواجية معايير و بنظام ( حلال علينا  حرام على غيرنا )  و نسوق المبررات دائما حسب رغباتنا و مصالحنا .  و نبرر لأنفسنا مالا نبرره لغيرنا ، حتى على مستوى حياتنا العادية البسيطة نفعل هذا .

هذه الدول التي تتحدث عن سياسات ( بشار )  اليوم هي نفسها تمارس ما يمارسه ، فقط ما يختلف هو القالب الخارجي لممارساتها فقط .  وحين ثارت شعوبها قمعتها ، وغضبت من تدخل الآخرين  في الوضع حينه . خذ مثلا :  إيران  ، و السعودية .  إيران في حين بررت للشعب ( البحريني) ثورته ضد الحكومة و الملك فإنها استنكرت ثورة الشعب ( السوري ) ، بينما السعودية و التي استنكرت ثورة الشعب ( البحريني) تقوم بدعم الثورة ( السورية ) . وهاتان الدولتان ( إيران و السعودية ) حين ثار الشعب داخلها قامت بنفس ما قامت به كلاًّ من ( سوريا و البحرين )  ضد الشعب المنتفض داخلها . فسبحان الله كيف يحكم البشر ، وكيف يجدون المبررات لإعطاء  شرعية  لمواقفهم .


أخيرا ..

أيها القارىء الكريم لا تجهد نفسك في تصنيفي ، فليس هذا ما أرجوه منك ، أنا لست ( مع )  أو (ضد )  ، أنا مع الوطن مع الحق ما استطعت ، حيثما أبصرته سعيت له  ، و نحوه .

أنا لست ضد دول أو أشخاص أنا ضد قرارات بعينها و مواقف بعينها ،  الوطن يحتاج الآن أن نبصر الأوضاع بحكمة  ،  يحتاج أن نقول الحق و الحكم به ، و أن كان مُـرًّ ،  وليس الحكم بالأهواء ، و التعصبات ، و الحماس الصبياني الذي يثيره فينا هذا الفريق أو ذاك ليحركنا نحو تحقيق مآربه عبر سذاجتنا .

البعض قد يحكم على كلامي بأنه تخاذل أو جبن  و تثبيط و ما إلى ذلك ، لكنك لو رأيت الأمور بعيدا عن أهواء التعصبات   و الحماس المبالغ فيه و الفلسفات الزائدة  لفهمت أني أرى الأمور من زاوية أخرى أوسع من زاويتك الضيقة ،  هدفي بلوغ هدف سامٍ مثلك لكني لا استسيغ الانطلاق المستقيم الذي لا يراعي ظروف الطريق ، لأنني لا أريد أن تكون نهاية مسيرتي الارتطام و التحطم ، ولا السقوط في هاوية ، يكفينا تحطم  و سقوط .  أنا واثق أن معي الكثير من العقلاء يشاركونني رأيي هذا .

أسأل الله العظيم أن يعم السلام وطننا العربي و يعمه الأمن و الأمان ، اللهم أنَّا نسألك بالمستضعفين فينا أن تصلح شأننا كله ، و نبرأ إليك مما يفعل السفهاء باسمك و باسم الوطن من ظلم و اقتراف مظالم ،  أكان جهلا منهم أم عمدا . ربنا فلا تأخذنا بجور المترفين منَّا ، و لا تأخذنا بما فعل السفهاء منَّا ، اللهم آمين .



[1] - أيام انتفاضة الشعب الليبي حذرت من عدة أشياء ومنها عدم السماح لدول أجنبية بالتدخل  ، لكن أحدا لم يلتفت لكلامي ، وفعلا حدث ما توقعته  . و كذلك اليمن ، فقد حذرت من العودة لليمن خطوات واسعة للوراء إلى التفرقة وزيادة حضور القبيلة ـ رغم عدم غيابها التام في عهد علي عبدالله صالح لكم كان هناك نوع من الاحتواء لها  ـ و كذلك مخاوف انفصال الجنوب ، لكنني تعرضت لانتقادات لاذعة ، وهاهو الحال الذي حذرت منه وقع . يجب أن نحكم على الأمور وفق معطياتها لا وفق أحلامنا أو تعصباتنا .

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2013

دعوة للبناء


( العمل و العمل والعمل طالما أن أحد
 لن يمد لك يد العون و المساعدة )

تشيخوف ،  أديب و كاتب روسي .



"الراحمون يرحمهم الله " نرددها ، لكن هل نؤمن بها ؟  ( الإيمان ) بالشيء يقتضي ( العمل به ) ، فأنت أن أحببت شيء ما ، وأمنت به فإنك لا شك ستمارسه ، كذلك الحب و الرحمة ، فأنت أن أحببت إنسان سعيت للوفاء له بالأفعال و ليس بالكلام فقط ، ستسعى لإسعاده بأفعال تنتج حسب مقتضى الموقف ، أن كنت تؤمن بالرحمة فإنك سترحم حتى الدواب وتشفق عليها من موقف قد تتعرض لها تلك الدواب ، فمثلا أن وجدت قط يكاد يغرق فأنك من رحمتك له ستسعى لمساعدته و ليس فقط التفرج و الندب على حالته .

أنظر حولك هناك من يحتاج لك ، هم أخوانك في الوطن و في الدين و في الإنسانية أن لم يكونوا أخوان في الدم ، ضع نفسك مكانهم ، صدقني أن لم تجرب يوما ما ماذا يعني أن تكون جائع و لا تجد ما تأكله فلن تفهم مدى قسوة ما يعانون ، أن لم تجرب سياط البرد القارس  و أنت لا تجد ما تتدفىء به أو تلوذ به عنه فلن تفهم معنى قسوة البرد بلا دفئ ولا ملجأ .

لي مقترح بسيط لكنه فيما لو عملنا به بإخلاص و إجادة فإننا سنحقق نتائج عظيمة ، ستكبر تلك النتائج مع الوقت و تصبح إنجاز يحتسب لنا كأخوة و أحبة في هذا الوطن العظيم ، بعيدا عن المتخاصمين على غنائم الوطن و الذين يسعون دوما لتفريقنا . كل ما نحتاجه هو العمل الصادق و الجاد و المخلص ، العمل ليس لأجل ( التداول الإعلامي ) أو ( تحقيق شهرة ) ، فكم هو قبيح أن تفعل الخير لأجل أن يزداد رصيدك الجماهيري ، أو لأجل ( كسب مصالح ) مادية أو معنوية . عمل الخير لأجل الخير ولأجل الله يجعل البركة تعم الوطن وتعم الأفراد فوق ما تتخيلون .

المقترح ببساطة[1] هو  أن كل قرية مثلا أو كل حي من الأحياء في المدن يتم اجتماع أهلها على اختيار ( شخصية ثقة و  تتصف بالأمانة )  ليكون هو أمين الصندوق ، ويتم جمع التبرعات لدية ، بحيث يتوجب على كل فرد دفع ( دولار أمريكي واحد ) كل شهر للصندوق ، وعليه الالتزام بهذا شهريا .

تخيل لو أن كل قرية بها ( ألف شخص ) ، هذا يعني أن شهريا يمكننا جمع ( ألف دولار شهريا ) و هكذا ، المبلغ زهيد ، و لكن كما تقول العرب ( الذود للذود أبل ) .

يكون دور الأمين على الصندوق ـ ومعه أناس آخرون يتم الاتفاق عليهم ـ اختيار طريقة لتصريف المال ، مثلا :

·       أن وجدت جمعية لرعاية الأيتام أو الفقراء في نفس المدينة ، يتم التبرع بأموال الصندوق لها شهريا .
·   أو العمل على إحصاء الفقراء ونوع احتياجاتهم ، و البحث عن سبل تكون مصدر رزق للفقراء بدلا من الاكتفاء بمدهم بالمعونات الشهرية ، وكما يقال : أن تعلم الإنسان الصيد خير له من أن تعطيه كل يوم سمكة .
·   في بعض الدول العربية يحتاج الأطفال للمال ليستطيعوا مواصلة دراستهم في المدارس ، ويحتاجون لشراء الكتب المدرسية ومستلزمات المدرسة ، نحتاج جدا لدعم هؤلاء الأطفال ؛ لأن الوطن بحاجة لمواطنين أقوياء بالعلم والمعرفة ، وبناء العقول ، كم يؤلمني منظر الأطفال الذين يضطرون للعمل وترك الدراسة ، ليس لأجل نظرية عدم تمتعهم بالطفولة ، فلا يوجد مفهوم محدد للمتعة ، ولكن لأن هؤلاء سينتجون في المستقبل جيلا أميا ، و ربما جيلا من المتسكعين و المتشردين الذين يكونون عبء ثقيل على الوطن من نواحي عديدة .
·   أن كان المبلغ الذي يتم تجميعه جيد لدرجة يمكن معها تأسيس مشاريع وقفية يعود ربحها لصالح الصندوق فهذا سيكون أمر جدا رائع ، لكن المشاريع هنا نحبذ أن تكون مشاريع من النوع المضمون الذي لا يتعرض للمخاطر الاقتصادية الكبيرة ، مثلا المشاريع العقارية ، هي مشاريع آمنة من نواحي كثيرة ، وربحيتها شبه مضمونة . ثم بعد ذلك يتم تحويل عوائد هذه المشاريع للصندوق مع استمرار مساهمة الناس في الصندوق طبعا ، وهكذا نحقق دخل ثابت و مستمر و كبير للصندوق يمكن توجيهه لإصلاح حال فقرائنا بطريقة أكثر مثالية وكفاءة .
·   في بعض الأحياء أو القرى يكون عدد الفقراء قليل جدا ، أو ربما معدوم ، هكذا يتم تحويل أموال الصندوق للأحياء التي بها فقراء ، فلا نقول أن حينا أو قريتنا ليس بها فقراء و نكتفي ، لا ، فإن لم يكن حولك فقراء فإنه يوجد فقراء في مكان أخر في وطنك .
·   أن أمكن البحث عن حلول جيدة لإيواء الأطفال المتشردين و النساء ، وهؤلاء لهم الأولوية في الإيواء ، بأن يتم إنشاء ( دار ) لهم  بدلا من تركهم للنوم في الشوارع أو المقابر. وعندما أقول ( إنشاء دار ) ، أنا هنا لا أتحدث عن أنشاء ( سجون ) تحت أسم ( دار أو مأوى ) ،  فكم هو قبيح التحكم بالإنسان الذي سلبه القدر أمكانية العيش بعزة نفس وكرامة ، نحتاج لمأوى يكون بمثابة ( بيت ) يملئه العزة و الدفء و الكرامة ، هذا ما أعنيه بالضبط . لا استغلال فيه ولا قهر ولا تحكم لؤلئك الذين سلبهم القدر نعمة الحياة الكريمة .
·   في مرحلة متقدمة يمكن صرف هذه الأموال في مساعدة الناس الذين يحتاجون للعلاج  و ليس لديهم إمكانيات مادية كافية .


هذا مقترحي البسيط أحبتي الكرام ، و من له أضافه فمن الجميل تعريفنا بها ، ليعمل كل منَّا عليها من موقعه ، ومن بلده . تخيلوا معي أيها الأحبة لو أن كل قرية و كل حي من الأحياء أو كل مدينة من المدن تفعل هذا الأمر ، سوف نستطيع تقليص ( الفقر و الجهل و التشرد ) من أوطاننا ، و سيستطيع كل منَّا مهما كانت مكانته الاجتماعية أو وضعه المادي في المساهمة في أعمار هذا الوطن عبر ( تعزيز مستوى الإنسان ) فيه . وبهذا نستطيع بناء وطن سليم الجسم .

الجوعى في أفريقيا يحتاجون مساعدة ، و في باكستان وأفغانستان ، لكن علمنا ديننا أن  ( الأقربون أولى بالمعروف ) ثم الأبعد ثم الأبعد . لأننا هكذا سنكون أقوى في منح الخير لأخوتنا في الدول الأخرى . أما غير ذلك فهي كالفاكهة  النضِرة الجميلة المنظر الخارجي لكنها من الداخل خاوية  و جوفاء .

 كثيرا ما أجد أن السعي للأعمال ( التطوعية  و الخير )  يتم الترويج له  وحصره غالبا  لـ ( ذوي الاحتياجات الخاصة )  أو ( المرضى ) ، بينما يترك ( الجوعى ) و ( المشردين ) ، و رغم أيماني بحق  أولئك لكني أيضا أؤكد على حق هؤلاء ومدى خطورة وضعهم الإنساني وكذلك وضع الوطن معهم .

 وأني أدعو أخوتي الذي منحهم الله نعمة المال أو الوجاهة و المشاهير أن تكون لهم زمام المبادرة بين جمهورهم ومريديهم و أتباعهم ليكونوا قدوة خير ، و أتمنى من كل قلبي أن لا يكون فعلهم للخير لأجل زيادة أتباعهم أو لأجل زيادة شهرتهم ، بل لأجل حب الله ، وحب البشرية ، فوالله ليس ( أرقى ) من إنسان يعطي ( لوجه الله ) . و ليس أوفى من الله سبحانه في جزاء الإحسان بالإحسان .

للأسف هناك ( بعض ) من الناس ـ ولا نعمم ـ  لا يعطون إلا ( رياءً ) ، وكم هذا قبيح ، ليس بسبب الرياء وحده ، ولكن لأن هذا الإنسان  ( يقتات على كرامة ) غيره ممن سلبهم الله نعمة العيش بكرامة  و عزة نفس ، وجعل لهم حاجة في أيدي الناس . ولا يعلم هؤلاء أن الله ديان .


أخيرا أيها السادة الكرام ..

لنترك السجالات المذهبية لعلماء الأمة لان دخول العامة فيها تحلق الدين ، و اهتم  أنت  بطاعتك و رفع شأن نفسك من ناحية دينية و تحرى الحق ما استطعت .

لنترك السجالات السياسية فإنها تحرق الوطن ، الحمقى يتقاتلون و اللصوص السياسيون وحدهم ينعمون بالغنائم  و الأمان ، و بين الاثنين وطن يحترق ، و مواطن مشرد ، و جائع  ، و خائف .

دعوا الساسة يصفون حساباتهم بين بعضهم ، فلينزلوا هم وأبنائهم للشوارع ليتقاتلوا بعضهم بعض ، ولينزل أهل الشقاق المذهبي ليناظروا بعضهم بعض إلى أن يتوصلوا لقرار حاسم يؤكد من منهم ستكون له الجنة ومن سيكون في النار .

و تعالوا نحن أبناء هذا الوطن لنبر به ، لـ ( نبني )  بدل من أن ( نبكي ) ، لـ ( نعمل ) بدلا من أن ( نشجب ) ، لـ ( نتعاون ) بدلا من أن ( نتناحر ) . لـ ( نطرح الأفكار )  بدلا من أن ( نتلاسن بالسب و الشتم وحصد الآثام باللسان  ) في جدالات عقيمة ، لا يمارسها إلا الجهلة  ، وصغار العقول .

لأن أولئك الساسة و المتعصبون مذهبيا و سياسيا وطائفيا حالنا معهم مثل الذي نشبت في بيته حريق ، فبدلا من أن يتركوك لتطفىء الحريق فإنهم يقومون بنشب خلاف و شجار  ليشغلوك بفك الشجار بدلا من أن يتركوك  تطفىء النار . و بعد أن تنتهي من فض عراكهم و شجارهم ـ الذي يستمر في التفرع  ـ  ستنتبه أن البيت قد صار رماداً ، و لات حين مندم .


أيها السادة ..

دعونا من النقد لأجل النقد ، فليس أسهل من التفلسف ، و دعونا من التذمر و الشكوى و تحقير الذات و الوطن ، لأنها عادة العاجز الذي يبحث عن ( شماعة ) يعلق عليها فشله ، و دعونا من تأييد أهل الشقاق و النفاق .

 ما نريده حقا هو ( البناء ) . و العمل ، ثم العمل ، ثم العمل ، فالوطن يكون بالمواطن وليس فقط بالحكومات ، وتذكروا أنه ( كما تكونوا يولى عليكم ) .





[1] - لقد سبق أن اقترحت ذات المقترح في مقالات سابقة ، وفي كتابي ( تأملات مواطن عربي .. )  .

الجمعة، 4 أكتوبر 2013

كونوا ضيوف كرام على الحَرَمْ




 ( كان التأمل الروحي يعوز ذلك المكان الذي يتوقع المرء
أن يجده فيه . فكان عليه أن يلتمس ذلك الجو في صميم نفسه )

مهاتما غاندي ، الرئيس الهندي الأسبق .

مكة حماها الله



أن قصدتُ بيتكَ و حللتُ ضيفا عليكَ ، فأنك بلا شك تتوقع مني سلوكيات و آداب معينة ، أحترم فيها ضيافتك ، و أتخلق فيها بآداب الضيافة أو ( الزيارة )  و أخلاقها . و  كل إنسان منَّا يطالب ضيوفه بمثل هذه الأمور . قد لا نطلبها بشكل صريح ، لكن هذا ما نتمناه فعلا ، و ننزعج كثيرا حين يكون الضيف غير مهذب ، أو أنه لا يحافظ على النظافة أو أنه مزعج و غيرها من الأمور .

هذه قواعد عُرفية يتداولها البشر ( ضمنيا ) بدون أتفاق مبرم ، و يسعى كل منَّا لتطبيقها حسب أخلاقه و تربيته التي نشأ عليها ، لأن سلوكنا يعكس ـ بلا شك ـ تربيتنا و أصلنا و أخلاقنا . في المقابل نحن نطالب ضيوفنا أن يمارسوا تلك الآداب .

هذا بيننا نحن الناس ( العاديين ) ..

 لكن كيف لو حللت في ضيافة ( ملك  أو سلطان  أو أمير )  ؟؟

بلا شك فأنت ستنتهج أسلوبا أكثر صرامة لتطبيق تلك الآداب في حضرة ذلك الملك أو ذلك السلطان أو ذلك الأمير .  ستحرص أن لا ترتكب أي إزعاج أو سوء أدب أمامه ، و أن لا تسيء  له ولا للضيوف الذين يحضرون مجلسه معك ، و أن لا تنشغل بالعبث بهاتفك أو بأي شيء آخر . أليس هذا صحيح ؟؟ .

إذن ،، ما بالك بـ ( ملك الملوك )  ، و أنت تحضر ضيفا عليه ؟؟؟

أليس أجدر بك أن تمارس ( آداب الزيارة )  بكل تفاصيلها ، و بصرامة أشد من صرامة ممارستها في ضيافة ( ملوك ) البشر ؟؟

تصبح ( مكة ) ـ حماها الله ـ  في موسم الحج  ممتلئة  بالأوساخ  و القاذورات بسبب مخلفات الحجاج . و في مواقع أداء المناسك  يقوم الحجاج بالتدافع الشديد بينهم ، ورفع الأصوات في الدعاء و التسبيح و التلبية و التهليل ، أو بقراءة القرآن بصوت مرتفع تُفقد الإنسان تركيزه و تجعل ( الخشوع ) مسألة صعبة بعض الشيء .

 كل ذلك هو ( سوء أدب ) في حضرة مُضيفك العظيم . ليس في تلك السلوكيات مراعاة لآداب الزيارة  و الضيافة  أبدا .

تبذل ( الحكومة السعودية ) مساعٍ جبارة لرعاية ( ضيوف الرحمن ) ، و هناك خطوات نتمنى أن تقوم بها مثل إزالة كل متاجر بيع الهدايا التي حول الحرم ، و الاكتفاء فقط بالمطاعم و محلات الحلاقة . و المحلات التي تبيع الاحتياجات الضرورية . لأن وجود تلك المحلات تسبب زحاما كبيرا في الشوارع .

مساعي الدولة و حدها ( لا تكفي ) لجعل موسم الحج موسما ( روحانيا ) بامتياز ، و ليس موسم سياحي أو تجاري . لذا يجب أن يكون ( الحاج مؤدباً ) . و هدفه من سفره هو ( العبادة ) و ليس أي شيء أخر .

أنت لا تسافر من بلدك تاركا أهلك خلفك لتذهب لـ ( مكة ) لتجني ذنوبا ، فهناك الذنب مضاعف و الأجر مضاعف ، أنت تسافر هناك لـ ( ترفع رصيد حسناتك ) ، لتريح روحك من متاعب الدنيا ، للتواصل مع ( ربك ) بعيدا عن المغريات . لتمحوا السيئات التي جنيتها فيما مضى ، أو لترقع ما قصرت فيه في جناب ربك بدون قصد منك .

أجعل سفرك هذا  (  سفرا روحانيا ) ، سفرا للقاء الحبيب العظيم و نبيهِ الكريم ، لتريح روحك بلقائهِ و قربهِ ، لتمحي خطايا جنيتها في ما مضى بقصد أو بغير قصد ، علمتها و لم تعلمها . لتسد خلل تقصيرك في طاعتهِ ، ليكون هدفك السعي بكل ما يمكن لترضي حبيبك .

إلا تخجل حين تلقي القاذورات ، و الأكياس و بقايا الطعام  في الأرض ، ألا تستحي من ربك الذي نزلت ضيفا عليه في أرضه المقدسة ؟؟

ألا تخجل حين تكون أناني تدفع الناس حولك لتبلغ هذا المكان أو ذلك فتسبب أذى لإخوانك المسلمين ؟ وقد حرم الله أذية عباده بأي شكل من الأشكال .

ألا تخجل حين تكون أنانيا فتتعلق بالباب و الملتزم وتمكث متعلقا وقتا طويلا تحرم غيرك من بلوغه ؟ و قد جاء كل منهم في فرصة ربما لا تعوض ليعود لزيارة هذه الأرض الطاهرة مرة أخرى ،

 ألم يعلمنا نبينا الحبيب ( حب لأخيك ما تحب لنفسك ) ؟

إلا تخجل حين تكون أناني وترفع صوتك بغير داعٍ  بالدعاء و العبادة بصوت عالٍ كأنك تنادي أصم بعيدا ، و ليس سميعا قريبا  ؟؟ . فتؤذي أخوانك و تشوش عليهم فلا يستطيعون الخشوع .

إلا تخجل حين تنشغل بالتصوير بهاتفك أو العبث به  أو الحديث و الثرثرة في غير داعٍ  بدلا من استغلال كل دقيقة بل كل ثانية بالخشوع و الصلاة و قراءة القرآن و التأمل و الذكر في تلك الأيام المباركة  ؟؟

ألا تخجل حين تقصد النزول ضيفا على ربك ، بينما قلبك تملئه أوساخ الدنيا ؟ كرها لهذا ، وعداوة لذاك ، و نصبا و احتيال على أولئك ..  أو  أخذ حقوق الناس .

حين تنزل ضيفا على إنسان لابد أن تكون نظيف الثياب ، و حين تنزل ضيفا على ربك لابد ( أن تكون نظيف الثياب و القلب و اللسان ) .

أجعل وقتك في تلك الديار ( كلهُ  ) لله ،  (  كلهُ )  ما استطعت .

يا ضيوف الرحمن ،،

أنتم لا تحتاجون لـ ( كتب الدعاء ) لتقرءوها أنتم و تطوفون و أنتم وتسعون ، بل تحتاجون إلى قلب نقي طاهر ، ( يحب الله ) و في  ( لقاء المحبوب )  نحن ( لا  نحتاج ) أن نقرأ ما يجب أن نقوله له ، بل أن ( القلب ) وحده يأمر اللسان فيلهج بما يُكِنُّهُ ، فيعبر عن حبه لمحبوبهِ ، ويشكوا له همه وحزنه . فتسمو روحك بروحانية متألقة تسمو إلى أن تكاد تلامس السماء ، فتمسح رحمات السماء على قلبك المضني بالحب و الألم و الأحزان ، فتزيح الهموم وترفعك في المنزلة ، و تبلغك مقامات حميدة ، و تحميك من هموم الدنيا وتزيح دخان الهموم العالق بالقلوب ، وتطهر النفوس من رجس الآثام و الخطايا .

سافر ليبت الله ( من أجل الله وحده ) ، فكر فيه هو ( وحده ) ، أشتاق له هو ( وحده ) ، وأزح من خيالك و من تفكيرك كل الدنيا ، ستجد أنك عدت من سفرك غانما بغنائم عظيمة تخص الدنيا و الآخرة .

لا  تسافر ( له ) لأجل الدنيا ، لأنك ستعود خائبا ، كما عاد بخُفيهِ حُنين .

أحترم عباده  و أفسح لهم يفسح الله عليك ، ساعدهم يساعدك ، أنه يحب عباده كثيرا ويحب من يحبهم ، و يرفق بها ، و يرحمهم ، و يساعدهم ، وأنه خير من يكافئ الحسنة بالحسنة . و خير من يحفظ المعروف الذي تقدمه ( لأجله ) و ( فيه ) .

عَبِّر عن ( حبك له ) هناك في كل خطوة تخطوها ، في كل نفسا تتنفسه ، بأفعالك وأقوالك و بالتعامل مع كل ما حولك هناك من بشر ودواب و جمادات ، لأنها ضيفة تحضر معك في حضرة ( ملك الملوك ) ، وعارٌ عليك أن تسيء لها .

أن غفلةَ عن أن الله  ( موجود معك ) ويراك فأنك عندها ـ لاشك ـ ستسيء الأدب في ضيافته ، لكن أن استشعرت وجوده ، وتيقنت أنه يراقبك فستحرص على كل فعل حميد و قول حميد ، بل ستغرق في العبادة و الطاعة  بانتشاء .


طلب ، بل هـو  رجاء ،،

أن كنت سبق لك السفر للحج ، أكتفي بتلك السفرة ، ودع المجال لغيرك ليصل لتلك البقاع الطاهرة ، فهي أمنية يتمناها كل مسلم ، فلا تحرمه .

ولا تسبب الزحام بـ ( تكرار السفر للحج ) ، لأن ذلك الزحام يؤثر على نفسيات الحجاج ، وعلى خشوعهم و على صحتهم ، لأن فيهم العجوز و فيهم النساء .

أن ( صَدَقَتِكَ )  في العشر أيام من ذي الحجة أعظم بكثير من ( تكرار الحج ) بعد الحجة الأولى ، فإن النبي  قال: ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام )  يعني أيام العشر . قالوا: يا رسول الله ! ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ( و لا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك شيء ) ، لذا تصدق بها تنال القربى بفعلك مرتين :

•       مرة لأنك  ( أفسحت ) لغيرك ممن أراد الحج لبيت ربه  .

•       ومرة لأنك ( تصدقت ) على عباده فأدخلت فيهم السعادة و البهجة .


 أحتسبها لله ، و الله ستجدهُ يعبر لك عن امتنانه و حبه فوق ما كنت ستجنيه من حجة ثانية فليس مثله شكور  . أفعلوا كل شيء لأجل الله ، فسيأتيكم بأضعاف ما كنتم تتوقعون و تحتسبون .

أن كنت لن تنزل ضيفا على الديار المقدسة ـ حفظها الله وشرفها ـ هذا العام ، فأنصح بما قرأته هنا من سينزل ضيفا على تلك الديار الطاهرة ، فسيأتيك الله أجرها وأجر من عمل بها بإذن الله .


الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

نقطة تقاطع الفساد في الوطن




( لا تبحث عن عيوب الجيش داخله ،
 و إنما أبحث عنها في المجتمع )

إليكس دي توكفيل ، سياسي و كاتب فرنسي .





ما هو الوطن بالنسبة للكثيرين ؟ للأسف الموضة الحالية تقول : أن الوطن هو دولة تقوم ـ كالأم ـ بكل شيء ، ولا يحق لها أن تفطم أولادها ، ولا تستحق الاحترام منهم ، فقط تستحق التعالي و التطاول عليها . و رفع الصوت .

هذا النوع من المفاهيم لا نريده ، ولتذهب الوطنية للجحيم أن كانت كذلك ، الوطني الصادق هو إنسان صاحب مبادئ و أخلاق رفيعة ، مبادئه هذه ( تبدأ منه هو ) ، يطبقها على نفسه ، يثور ضد نفسه أن قصرت ، يحاسبها أن توانت ، ثم يسعى أن يكون ( قدوة خير) ، و يد بناء في وطنه . يعلم أنه ـ مهما كانت منزلته في وطنه ـ ذا أهمية ، وأنه ذا تأثير في وطنه سواء بالسلب أو الإيجاب في وطنه . ما يطالب به لابد أن يطبقه على نفسه أولا هكذا كان نبينا صل الله عليه و سلم .

 حتى ذلك الهندوسي الشهير  المهاتما ( غاندي ) ، لم يلقبه أتباعه و مريديه باسم ( مهاتما ) إلا لأنه جدير بها ، كان يبدأ بنفسه ليعلم أتباعه ، لأن القضية بالنسبة له كانت أخلاقية وقضية مبادئ ، لأنه إنسان صاحب فكر ، و صاحب ضمير حقيقي . أتته امرأة في أحد المرات ، ومعها أبنها الصغير ، وطلبت من المهاتما أن ينصح أبنها عن أكل الحلوى ، فقال لها غاندي : أرجعي لي بعد شهر . أخذت أبنها وذهبت ، وثم عادت بعد شهر إليه ، فأدني الطفل منه ، وقال : بني لا تأكل الحلوى . فتعجبت المرأة منه و غضبت ، قالت : أنتظر شهر كامل لتقول هذه الكلمات فقط . فأجابها بروحه السمحة الحليمة الحكيمة بأنه كان قبل شهر يحب أكل الحلوى ، وقد توقف خلال هذا الشهر عن أكلها ، ليتسنى له نصح الطفل بصدق .

أرأيت كيف يتعامل هذا ( الهندوسي[1] )  الشريف ، صاحب الروح العظيمة ، لا ينهَ عن ما يفعله ، و يعمل بجهد حتى يكون ( قوله )  متناسب مع ( فعله ) ، مبادئه تبدأ منه ، ولا يبحث عن مبررات لنفسه . أما معلم البشرية العظيم ، محمد ـ  صل الله عليه و سلم ـ  فهو أبلغ و أعظم سموا ، فهو محمد المحمود في السماوات و الأرض وهو قدوة عظيمة في هذا  . يقول أبي الأسود الدُّؤلي :

                                       لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ
عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتُ عَظيمُ

ابدأ بِنَفسِكَ وَانَها عَن غِيِّها
فَإِذا انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيم


أن كنت ( وطنيّ بصدق ) فدعنا نتحدث بصراحة ، الحقيقة تقول أن الحكومة فعلا مقصرة ، ومقصرة كثيرا . لكننا أيضا نساهم في أسلوبها اتجاهنا ، و نساهم في الوضع المزري في الوطن ، أنا لا أدافع عنها لكني أوضح نقطة يحب الغالبية تجاهلها ، و النظر لقضية الوطن بعين واحدة فقط . و الحقيقة أنه يتقاطع الفساد من فوق و من تحت ،  فكيف يزدهر الوطن ؟

من حق المعلمين أو غيرهم أن يقوموا بإضراب أن لم يكن هناك وسيلة أخرى لرفع الظلم عنهم غيرها ، ( مع أني بصراحة ضد الإضرابات و ضد الاعتصامات ، لما لها من ضرر كبير نحن في غنى عنه ) . لكنها حاليا موضة . ومادام أغلب الناس ليسوا أصحاب فكر مستقل ، و هم  مجرد مقلدون ، و مادامت الصفوة قليلة ، فلن تستطيع تغيير الموضة إلا بموضة أخرى تصرفهم عن الأولى .

القضية بطبيعة الحال يشترك فيها طرفين : الحكومة ( ممثلة في وزارة التربية و التعليم ، و مجلس الوزراء ) ، و العاملين في الوزارة ( ممثلة في  موظفي الوزارة الإداريين  و المعلمين ) .

بخصوص الوزارة ، فالحديث يطول وليس هنا مقامه ، و لنا معه وقفة أن شاء الله في وقت آخر . و لكن باختصار نقولها أن الوزارة تحتاج أعادة هيكلة كاملة ، و عمل تصفية لموظفيها ، على الوزارة أن تتخلص من 40% من موظفيها الإداريين الذين لا فائدة منهم وهم نوعين : نوع هم أصحاب عقول جامدة و عقيمة  لا ترقى لما تطمح له البلد ، و الثاني يمثلون بطالة مقنعة . كما أن الوزارة تحتاج للتخلص من 10% من المعلمين المهملين و المستهترين ، و عدد كبير منهم يحصلون على ( أجازات مرضية كاذبة ) باستمرار لذا فمن الجيد أن تريحهم الوزارة من البحث عن الكذب و التزوير . و على الوزارة أن ترسي على بر فيما يخص المنهج ، ويكفي هدرا للأموال في مجال طباعة المناهج .

لنعود الآن للمُضْرِبين عن العمل . أقول مادام هناك مظلوم لا يمكنه بلوغ حقه إلا بهذه الوسيلة فليس إذن أمامه إلا أن يقوم بها ، لكن أتمنى من كل قلبي أن يكون هذا المظلوم من جهته غير ظالم ، و عليه أن يمنح العدالة كما يطالب بها .  بل و قبل أن يطالب بها . فمن يطلب العدل عليه أن يكون هو أيضا عادل .

ليُضْرِب الصادق ، وليبتعد أصحاب الضمير الضعيف ، أولئك الذين يلفقون الأجازات بين أجازة اضطرارية كاذبة ، و أجازات مرضية مزيفة لأنه طفشان من التدريس ، أو لأنه حاب يسافر ، أو لأن زوجها مسافر فهي تحب أن تتبعه ، أو لأن لها أولاد لا أحد عندهم أو لأنها تريد أن تتزوج وتسافر شهر عسل أو أنه يريد أن يتزوج ويذهب لشهر عسل و غيرها من الأسباب التي لا ذنب للطلاب فيها ، كل ذلك لأجل أن يحصلوا على الإجازة دون أن يتم ( خصم الراتب ) أو إيقافه ، فأي معلم هذا ؟ و أي مربي أجيال هذا ؟ الذي يرضى بالحرام . إلا يعلم أن هذا غش و تدليس وسرقة لأموال الدولة و فساد أيضا  .

بعض الناس يظنون أن الفساد هي أن تسرق المبلغ الفلاني وتحوله على رصيدك ، وما عرفوا أن للفساد ( وجوه كثيرة ) ، أين الأمانة و الضمير ؟ تسوقون الكثير من المبررات لتخدعوا أنفسكم و تخدعون الناس ، 

فهل تظنون أنه يمكنكم خداع الله ؟

لا حول ولا قوة إلا بالله .

و ليبتعد المعلمين الذين لا يتمتعون بأخلاق وسلوكيات راقية تليق به كمربي أجيال ، أناس تخجل بصدق من وجودهم في هذه الوظيفة ، و ليبتعد الذي لا يعلم طلابه بأمانة وضمير ويرتقي بعقولهم وفكرهم ، و لا يؤدي وظيفته بضمير و يتهرب من مسؤولياته ، و ليبتعد المعلمين أصحاب الأسلوب السوقي المتدني لأنهم فعلا لا يستحقون هذه المكانة .

عدد كبير من المعلمين يتحايلون الحيل لأجل أن يخرجوا من دوامهم قبل انتهاء وقت الدوام مهملين بذلك حقوق  الطلاب ، و يقصرون  في أداء وظيفتهم ، يكذبون ويزيفون لأجل الحصول على أجازات لا حق لهم فيها ليضمنوا أن لا يتم قطع رواتبهم ، فأين هم من الله ؟ . ( هناك كثير أيضا من الموظفين في مؤسسات  الدولة يفعلون نفس هذا الأمر و ليس فقط المعلمين بينما يطالبون برفع الرواتب وغيره ) .

أعلم أنك ستنبري تدافع عن نفسك ، لكن قف و أنظر نسبة المعلمين الذي لا يليقون بمقام معلم . المعلم الذي ( يفحط ) و الذي يدخن  ، و الذي لا يتمتع بحس مسؤولية في تربية و تنشئة هذه الأجيال ، و المعلم الذي يتحدث عن الضمير متجاهلا أنه أخر شخص يعمل بضمير لكنه ينزه نفسه زورا ، و المعلم صاحب الفكر البسيط جدا ، و الذي لا يرقى لمستوى هذه المكانة الراقية ( مكانة المعلم ) . و المعلم صاحب الأسلوب السوقي ، و اللسان القذر .

 قلة قليلة هم المعلمين الذين يستحقون الاحترام ، الذين يعملون بضمير و أمانة ، و الذي يتمتعون بشخصية حكيمة مثقفة ونفس طاهرة و حس عظيم بالمسؤولية تجدها تتجسد في تصرفاته و في كلامه و في أعماله و في لباسه .

أن كنت أيها المعلم تتعامل مع مهنتك ( الخطيرة ) من منطق ماذا أعطتني الحكومة ؟ و كم سيكون الراتب ؟ و ماذا سيعطوني مقابل عملي ؟ فأنت للأسف لا تصلح أن تكون معلم ، لكن تصلح أن تكون سمسار أو ( دلَّال ) في السوق .

أي جيل هذا الذي سينتجه هذا المعلم ؟

من حقك أن لا يتم بخسك حقك ، و من حقك أن تحرص على رزقك ، لكن ليس بذاك الأسلوب . ليس بأسلوب السماسرة . فمهنة ( التعليم أرقى ) بكثير من السمسرة .

تستطيع أن تسوق لي الأعذار ، لتبرأ نفسك ، لكنك ستكذب على نفسك فقط ، لأن الواقع يعطيني جواب آخر . المصيبة أن عدد ضخم من المعلمين لا يحاسبون أنفسهم ، وأن تحدثت إليهم تجدهم يسوقون المبررات و الأعذار ليبرروا ما يفعلونه ، وفي الحقيقة كلها أعذار أشر من الذنب نفسه . و تجدهم يحولون الكلام لاتجاه أخر و كأنه هو ليس ضمن المجموعة السيئة . للأسف فالذي لا يملك روح نقية لن يحاسب نفسه ، ولن يلتفت لأخطائه ، و  يحب أن يكذب على نفسه بأن تصرفاته الخاطئة هي صواب و مبررة .

هكذا يلقي الشيطان مواعظه على أتباعه .

المعلم مثل شيخ الدين ، أخلاقه هي أساس مهنته ، و حياته الشخصية ترتبط برسالته برابط وثيق ، كل همسه و كل نفس يخرج منه لابد أن يتمتع بحس مسؤولية عظيم ، لأنه تحت أعين الناس و بصرهم ، أن سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها ، وأن سن سنة سيئة فله وزرها و وزر من عمل بها  . أن كنت لست كفئ فدع التدريس عنك ، ولا تلوث هذه المهنة الشريفة . أن كنت تبحث عن راتب بدون جهد فأذهب أبحث عنه بعيدا عن التعليم .

التعليم مهنة خطيرة أخطر من الطب ، لأن الخطأ الطبي قد يتأثر به شخص واحد أو أشخاص محدودين ، بينما خطأ ( المعلم )  يؤثر على وطن و أمة كاملة ، يبقى أثره أجيال . أفلا تتقون الله ؟!.

لو يحاسبون أنفسهم ، لو يعملون بضمير .

صاحب المبادئ يطبقها على نفسه أولا ثم يطالب بها الآخرين ، و إلا كان كالحمار الذي يحمل أسفارا . احترم كثيرا الشخص الذي يعي أهمية ( موقعه في الوطن ) ـ مهما صغر أو كبر ـ فيعمل بضمير و يعلم أن الوطن يبدأ منه .

أكثر من يمكنك أن تشفق عليه هو إنسان يظن أنه لا يخطأ أبدا ، و إنسان لا يحاسب نفسه بضمير صادق ، يرى خطأ الآخرين ولا يرى أخطاءه أبدا . لا يمكن أبدا أن يقتنع أنه على خطأ . غالبا ـ حسب ما رأيت ـ هذا النوع من الناس يقوم بإسقاط أخطاءه على الآخرين .

هذا النوع من الناس لا يتذكرون الأخلاقيات و المثاليات إلا في المواقف التي يكون لهم أهواء و مصالح شخصية  فيها . لأنهم غالبا لا يعملون بضمير ، و أما أن وجدت موقف لهم يعملون بإخلاص فإنك ستفاجأ بعد برهة بأن وراء ذلك الإخلاص مصلحة شخصية هنا أو هناك .

وحين يتوقف دور هذا النوع من الناس على الحياة العادية فالأمر هين ، لكن المصيبة حين يحاولون ممارسة دور الوطنية ، وحين يخرجون لمطالبة الحكومة بحقوق معينة.

و أكبر مصيبة أن هذا الإنسان المطالب بحقوقه لا يفرق بين معنى اعتصام و معنى إضراب .  لماذا ؟ لأن الغالبية  ليسوا أصحاب فكر و مبادئ حقيقية إنما أهواء ومصالح شخصية ، و الغالبية صارت تمشي مع موضة السب و الشتم للحكومة ، و مع موضة المطالبة بالحقوق .

 و تأسف أشد الأسف حين يمارس البعض هذه الأمور لأهواء شخصية ، دون تفكير في العواقب . و أبسط تلك العواقب أنك ( كمعلم ) فأنت قدوة ، و أنت بفعلك هذا تغرس في ( عقول الطلاب ) صفة التمرد و الإضراب ، و الذي قد ينتج في المستقبل صور جديدة ، مثل المظاهرات التي لا شك تتحول إلى تدمير و اقتتال . و فتن .

كثير من الناس يفكرون تفكير سطحي في مثل هذه الأمور ، و لا يحاولون منح أنفسهم بعد نظر في التفكير . و لا يعتبرون مما حل بغيرهم ، يريدون التغير ، ولكن باستخدام عصى موسى ، لأنهم لا يهتمون بالوطن ، و أنما يهتمون بمصالحهم الشخصية .

و لأختصر على البعض المسافة ، فأنا لست مع الحكومة ، حتى لا تضطر لتأويل كلامي  على حسب هواك . و لكني أيضا لست مع كثير من الفوضى التي أراها هنا و هناك بزعم المطالبة بالحقوق .

أنا مع الحق ، مع الإصلاح الصادق ، مع بناء وطن يحتوى أبناءه بالعزة و الأمان و الازدهار .  لكن كيف نبلغ هذا الوطن الذي نريده و نحن نرى أن الشعب لا يختلف عن الحكومة  بل هما ( وجهان لعملة واحدة ) ؟! .

( التعليم أمانة عظيمة ، يسألكم الله عنها ، ليست مجرد وظيفة لكسب المال ) اتقوا الله .

أجعلوا الطلاب بمقام أبناءكم ، هل تقبلون أن يُعَلِّم أبنكم مُعَلِّم مستهتر يحضر يوم و يغيب أيام ؟

هل تقبلون أن يعلم أبناءكم معلم كل ما يهمه هو إنهاء المنهج  و تلقين طلابه فقط ، حتى لا يتم مسائلته من مسئوليه ، ولا يهتم بغرس العلم وحب العلم و تنمية العقول و إلهام الأجيال ليكونوا خير جيل لأمتهم بعقولهم و أخلاقهم ؟ .

هل تقبل أن يعلم أبناءك معلم صاحب سلوك سيء و لسان بذيء ، و عقل طائش ، و فكر سطحي ؟ .

أيها المعلم ،، أخاطب فيك الضمير الصادق ، ضمير المسلم الصادق ،، هذا التلميذ الذي يجلس اليوم أمامك  لتعلمه ، غدا ( سيكبر ) ، و سيكون منهم أطباء ومهندسين ، و مشاهير ، و قد يصبح زميلك أو ربما رئيسك أو موظف ذا شأن أو شخصية مرموقة في المجتمع . و قد تجمعك به الأيام بشكل من الأشكال ، ( فأي صورة ) تريد أن يتذكرك بها هذا التلميذ حين يلتقيك حينها ؟؟. و أي ذكريات تحب أن تسمع منه ؟

( أنت اليوم تسجل ) ما تحب أن يتذكره هذا التلميذ ( عنك غدا ) ، فلا تسجل في عقله ذكريات لك سيئة ، قد تكره سماعها منه في المستقبل . كم من معلم عرفناه سمع من تلاميذه ذكريات في مواقف سببت له الإحراج ، قد نسيها هو ، لكنهم لم ينسوها هم .

مازلت أتذكر الذين علموني رغم انقضاء السنين ، عدد منهم لا يستحق الاحترام لكني أتعامل معه باحترام لأني احترم نفسي و ليس لأنه يستحق  . و بعضهم يستحق تقبيل  رأسه احتراما له على ما قدم لنا ، و ما ألهمنا به لنصبح مواطنون يحبون وطنهم ويسعون لأجله ، و يحبون أبناء وطنهم و يحرصون على مصلحتهم . لأنه غرس فينا السعي لتحقيق الذات ، وليس البكاء و التباكي ، و رفض الفطام من الدولة . ما زلت كلما تذكرت أولئك المعلمين أدعو لهم بالخير .

لا تقل : ( طفل و لن يتذكر ) . فذاكرته ليست ذاكرة عجوز خَرِف . بل هو إنسان يعي و يسجل ، حتى و أن رأيته صامتا ، و سيأتي يوم لن تنتبه إلا و أنت فيه و ستجد هذا الطفل قد صار كبيرا . و ربما  ( أكبر منك مقاما ) . عامل هذا الطالب على أنه إنسان و سيرشدك عقلك حينها كيف تتعامل معه باحترام و تقدير و مسؤولية . علمه حسن السلوك و حب الوطن و الإبداع . علمه التميز . ليشكرك و يدعو لك هو و الوطن لأنك بهذا الإنسان سننت سنة حسنة  سيشكرك الله عليها ، فهذا الإنسان سيكون أيضا قدوة في حياته ، في أي مركز سيتبوؤه  ـ  صغر أم كبر ـ  لأبد أن يكون قدوة لأحدهم .

قبل أن تسعى للبحث عن تبريرات أرجوك ..

فكر بينك و بين نفسك بأمانة ،

 فكر في الوطن ،

فكر في محاسبة الله لك .

فكر في أطفالك كيف تريد أن يكون المجتمع الذي تتمنى أن يعيشون فيه مستقبلا .

أنت المهندس ، و أنت البنَّاء . أظهر لي أبداعك ، أظهر لي عقلك .

لا تظهره بالكلام و المبررات و الثرثرة . أظهره ( في أفعالك ) ، ( في الجيل ) الذي ستنتجه للوطن . لا يمكن لأحد أن يعرف مهارة ( البنَّاء ) أو  أبداع ( المهندس المعماري ) و عبقريته إلا من خلال ( أعماله التي أنتجها ) .

سلاحك ثقافتك ، و أخلاقك ، و وعيك ، و  ضميرك ، و إيمانك ، و مبادئك الصادقة ، و في رقيك  ، و ورقي أخلاقك ، و  ورقي أسلوبك  . و لك في معلمنا العظيم رسول الله خير قدوة . فبهداه أقتده .

أو أترك التعليم و أتق الله

لا تأمن مكر الله .

حاسب نفسك بينك وبين نفسك  .. ليس مطلوب منك أن تفضح نفسك أمام أحد ، وليس مطلوب منك أن توبخ نفسك أمام أحد . ولا تحقر نفسك . أنما أسعى للثورة على نفسك أسعى للإصلاح ، أبرز نفسك من خلال عملك المخلص ، وأجعل الله وكيلك ، و الله أنه لا يخذل أبدا من أخلص بصدق العمل لأجله . و سيأتيك أجرك في الدنيا و الآخرة ، ثق بهذا أن كنت تعبده بصدق .

أنت القادر أن تصنع لنا ( جيلا من الشرفاء العقلاء المثقفين ) ليشكلوا ( حكومة راقية )  ليبنوا دولة مزدهرة .  لا تنتج لي جيلا لا يفهم إلا التمرد وقلة الاحترام و الإضراب .

 الاعتصام و الإضراب و المظاهرات لا تفعل شيء ، ( هي تشفي عرضا ولا تشفي مرضا ) ، وطني تعب من المُسكْنِات ، و يحتاج للدواء الشافي . يحتاج للقليل من ( الشرفاء المثقفين ) ، ( الوطنيين الصادقين ) ، الذين يحبون وطنهم أكثر من مصالحهم ، يتبعون العقل بدلا من الأهواء و المصالح الشخصية التي تأخذ باسم الوطن .

 فقط ( القليل من هؤلاء ) يمكنهم بناء  ( وطن رائع و عظيم ) .

كل ذلك بيدك أيها المعلم ،،

 أن كُنتَ مخلصا  ،،

 أن كنتَ مثقفا ،،

أن كنتَ أمينا ،،

 أن كنتَ حكيما ،،

 أن كنتَ تحب وطنك بصدق .

وطننا العربي ـ و ليس عُمان وحدها فقط ـ  يحتاج للصادقين المخلصين ، عندما ( تحب بصدق )  فأنك ( ستمنح بحب و أخلاص ) . هكذا تفعل ( الأم ) مع أبناءها ، و هكذا يجب أن نفعل مع الوطن .

ليس دورنا هو ( معاداة ) الحكومة وجعلها في الضفة الأخرى ، و نظل نسب و نشتم ، أو نحمل السلاح و نتناحر ، بينما نحن نمارس كل ما نعيبه عليها ، دورنا هو التغيير ، و التغيير للأفضل ، ولن يكون ذلك إلا انطلاقا منَّا نحن  أبناء الوطن .

لا يجب أن تكون الحكومة ( عدو ) .. بل يجب أن تكون الحكومة هي ( الآلية ) التي تحقق مبتغانا نحو ( وطن سامٍ ) ، و لن يكون السمو الذي نريده إذا استمرت الأحوال على هذا المنوال ، فنحن ندور في دائرة مغلقة .

أنظروا ببصائركم .. فنحن نريد وطن عزيز ، لا فتن و ضياع .. نملك بعض النعم ، نريد لها أن تزداد ، لا نريد أن يمحقها الله لنرجع للوراء ..

 أنظروا للصومال كيف كان و كيف صار ..

 أنظروا لليمن أين كان وأين صار ..

أنظروا السودان أين كانت وكيف صارت .

صارت لحال يرثى لأنهم بطروا النعمة ، و لأنهم ما عرفوا كيف الحفاظ عليها ، ولأنهم  اقتلعوا عيونهم حين أرادوا أن يبصروا وطنا أجمل .. وما هكذا تورد الإبل .

أن كنت تكره شخصا في بيتك ، أو كنت تكره أثاث البيت أو طلائه ، فهذا لا يعني أن تحرق البيت أو تدمره ، بل  اصبر عليه ، ورممه و حسنه . فذلك خير من أن تجد نفسك بدون بيت ولا مأوى آمن .

كلامي ليس للمعلمين في سلطنة عُمان وحدها ، فهي حبي ،  لكني لا استطيع إلا أن أعشق كل الوطن العربي . العاقل يعلم أن مصيرنا واحد . وكل ( سقم هناك ) لابد أن ( يوجع هنا ) .


طلبي ..

هو أن  ( لا  ) تقرأ مقالي و أنت قد قررت مسبقا برفض ما فيه .

( لا  )  تقرأ مقالي و كل همك هو تحديد الجبهة التي ستضعني فيها عندما تنتهي من قراءته .

( لا  )  تقرأ مقالي لتبحث عن مبررات أو ثغرات ترد علي من خلالها . فلسنا أعداء.

 فأنا لا أوجه كلامي للسوقة ولا للعامة ولا للدهماء  . لأنه من المفروض أن مقالي موجه لشخص  ( مثقف ) . يقرأ بــ ( حياد ) ،  ثم يفكر بــ ( منطق ) ، ثم يحكم بــ ( عقلانية ) . و من صفات الجاهل :  العناد الأعمى ، و الإصرار على الرأي ، و عمى البصيرة  .

و لا أطلب منك أن تقر بما أقوله ، كل ما أريده هو ( وقفه صادقه مع الذات ) ، و مراعاة  ( صادقة للأمور و الأحداث ) . و الأمانة كل الأمانة في ( التفكير و الاستنتاج )  .

كان المقال طويل لأن الحديث ذو شجون .



[1] - قصة غاندي ملهمة فعلا ، أتمنى أن تقرأ عن أفكاره في كتابه البسيط العميق (  قصة تجاربي مع الحقيقة ) لغاندي  و هو متوفر على النت . صحيح أن في الكتاب بعض الأفكار التي تنطلق من الدين الهندوسي لكنها واضحة ، و يمكن لأبسط إنسان تميزها فلا ضرر في ذلك ، لكن جمال الكتاب هو في روح كاتبه وأيمانه بمبادئه ، وسعيه لأجلها ، وهي تستحق الاحترام .