الثلاثاء، 10 ديسمبر، 2013

دعوة للبناء


( العمل و العمل والعمل طالما أن أحد
 لن يمد لك يد العون و المساعدة )

تشيخوف ،  أديب و كاتب روسي .



"الراحمون يرحمهم الله " نرددها ، لكن هل نؤمن بها ؟  ( الإيمان ) بالشيء يقتضي ( العمل به ) ، فأنت أن أحببت شيء ما ، وأمنت به فإنك لا شك ستمارسه ، كذلك الحب و الرحمة ، فأنت أن أحببت إنسان سعيت للوفاء له بالأفعال و ليس بالكلام فقط ، ستسعى لإسعاده بأفعال تنتج حسب مقتضى الموقف ، أن كنت تؤمن بالرحمة فإنك سترحم حتى الدواب وتشفق عليها من موقف قد تتعرض لها تلك الدواب ، فمثلا أن وجدت قط يكاد يغرق فأنك من رحمتك له ستسعى لمساعدته و ليس فقط التفرج و الندب على حالته .

أنظر حولك هناك من يحتاج لك ، هم أخوانك في الوطن و في الدين و في الإنسانية أن لم يكونوا أخوان في الدم ، ضع نفسك مكانهم ، صدقني أن لم تجرب يوما ما ماذا يعني أن تكون جائع و لا تجد ما تأكله فلن تفهم مدى قسوة ما يعانون ، أن لم تجرب سياط البرد القارس  و أنت لا تجد ما تتدفىء به أو تلوذ به عنه فلن تفهم معنى قسوة البرد بلا دفئ ولا ملجأ .

لي مقترح بسيط لكنه فيما لو عملنا به بإخلاص و إجادة فإننا سنحقق نتائج عظيمة ، ستكبر تلك النتائج مع الوقت و تصبح إنجاز يحتسب لنا كأخوة و أحبة في هذا الوطن العظيم ، بعيدا عن المتخاصمين على غنائم الوطن و الذين يسعون دوما لتفريقنا . كل ما نحتاجه هو العمل الصادق و الجاد و المخلص ، العمل ليس لأجل ( التداول الإعلامي ) أو ( تحقيق شهرة ) ، فكم هو قبيح أن تفعل الخير لأجل أن يزداد رصيدك الجماهيري ، أو لأجل ( كسب مصالح ) مادية أو معنوية . عمل الخير لأجل الخير ولأجل الله يجعل البركة تعم الوطن وتعم الأفراد فوق ما تتخيلون .

المقترح ببساطة[1] هو  أن كل قرية مثلا أو كل حي من الأحياء في المدن يتم اجتماع أهلها على اختيار ( شخصية ثقة و  تتصف بالأمانة )  ليكون هو أمين الصندوق ، ويتم جمع التبرعات لدية ، بحيث يتوجب على كل فرد دفع ( دولار أمريكي واحد ) كل شهر للصندوق ، وعليه الالتزام بهذا شهريا .

تخيل لو أن كل قرية بها ( ألف شخص ) ، هذا يعني أن شهريا يمكننا جمع ( ألف دولار شهريا ) و هكذا ، المبلغ زهيد ، و لكن كما تقول العرب ( الذود للذود أبل ) .

يكون دور الأمين على الصندوق ـ ومعه أناس آخرون يتم الاتفاق عليهم ـ اختيار طريقة لتصريف المال ، مثلا :

·       أن وجدت جمعية لرعاية الأيتام أو الفقراء في نفس المدينة ، يتم التبرع بأموال الصندوق لها شهريا .
·   أو العمل على إحصاء الفقراء ونوع احتياجاتهم ، و البحث عن سبل تكون مصدر رزق للفقراء بدلا من الاكتفاء بمدهم بالمعونات الشهرية ، وكما يقال : أن تعلم الإنسان الصيد خير له من أن تعطيه كل يوم سمكة .
·   في بعض الدول العربية يحتاج الأطفال للمال ليستطيعوا مواصلة دراستهم في المدارس ، ويحتاجون لشراء الكتب المدرسية ومستلزمات المدرسة ، نحتاج جدا لدعم هؤلاء الأطفال ؛ لأن الوطن بحاجة لمواطنين أقوياء بالعلم والمعرفة ، وبناء العقول ، كم يؤلمني منظر الأطفال الذين يضطرون للعمل وترك الدراسة ، ليس لأجل نظرية عدم تمتعهم بالطفولة ، فلا يوجد مفهوم محدد للمتعة ، ولكن لأن هؤلاء سينتجون في المستقبل جيلا أميا ، و ربما جيلا من المتسكعين و المتشردين الذين يكونون عبء ثقيل على الوطن من نواحي عديدة .
·   أن كان المبلغ الذي يتم تجميعه جيد لدرجة يمكن معها تأسيس مشاريع وقفية يعود ربحها لصالح الصندوق فهذا سيكون أمر جدا رائع ، لكن المشاريع هنا نحبذ أن تكون مشاريع من النوع المضمون الذي لا يتعرض للمخاطر الاقتصادية الكبيرة ، مثلا المشاريع العقارية ، هي مشاريع آمنة من نواحي كثيرة ، وربحيتها شبه مضمونة . ثم بعد ذلك يتم تحويل عوائد هذه المشاريع للصندوق مع استمرار مساهمة الناس في الصندوق طبعا ، وهكذا نحقق دخل ثابت و مستمر و كبير للصندوق يمكن توجيهه لإصلاح حال فقرائنا بطريقة أكثر مثالية وكفاءة .
·   في بعض الأحياء أو القرى يكون عدد الفقراء قليل جدا ، أو ربما معدوم ، هكذا يتم تحويل أموال الصندوق للأحياء التي بها فقراء ، فلا نقول أن حينا أو قريتنا ليس بها فقراء و نكتفي ، لا ، فإن لم يكن حولك فقراء فإنه يوجد فقراء في مكان أخر في وطنك .
·   أن أمكن البحث عن حلول جيدة لإيواء الأطفال المتشردين و النساء ، وهؤلاء لهم الأولوية في الإيواء ، بأن يتم إنشاء ( دار ) لهم  بدلا من تركهم للنوم في الشوارع أو المقابر. وعندما أقول ( إنشاء دار ) ، أنا هنا لا أتحدث عن أنشاء ( سجون ) تحت أسم ( دار أو مأوى ) ،  فكم هو قبيح التحكم بالإنسان الذي سلبه القدر أمكانية العيش بعزة نفس وكرامة ، نحتاج لمأوى يكون بمثابة ( بيت ) يملئه العزة و الدفء و الكرامة ، هذا ما أعنيه بالضبط . لا استغلال فيه ولا قهر ولا تحكم لؤلئك الذين سلبهم القدر نعمة الحياة الكريمة .
·   في مرحلة متقدمة يمكن صرف هذه الأموال في مساعدة الناس الذين يحتاجون للعلاج  و ليس لديهم إمكانيات مادية كافية .


هذا مقترحي البسيط أحبتي الكرام ، و من له أضافه فمن الجميل تعريفنا بها ، ليعمل كل منَّا عليها من موقعه ، ومن بلده . تخيلوا معي أيها الأحبة لو أن كل قرية و كل حي من الأحياء أو كل مدينة من المدن تفعل هذا الأمر ، سوف نستطيع تقليص ( الفقر و الجهل و التشرد ) من أوطاننا ، و سيستطيع كل منَّا مهما كانت مكانته الاجتماعية أو وضعه المادي في المساهمة في أعمار هذا الوطن عبر ( تعزيز مستوى الإنسان ) فيه . وبهذا نستطيع بناء وطن سليم الجسم .

الجوعى في أفريقيا يحتاجون مساعدة ، و في باكستان وأفغانستان ، لكن علمنا ديننا أن  ( الأقربون أولى بالمعروف ) ثم الأبعد ثم الأبعد . لأننا هكذا سنكون أقوى في منح الخير لأخوتنا في الدول الأخرى . أما غير ذلك فهي كالفاكهة  النضِرة الجميلة المنظر الخارجي لكنها من الداخل خاوية  و جوفاء .

 كثيرا ما أجد أن السعي للأعمال ( التطوعية  و الخير )  يتم الترويج له  وحصره غالبا  لـ ( ذوي الاحتياجات الخاصة )  أو ( المرضى ) ، بينما يترك ( الجوعى ) و ( المشردين ) ، و رغم أيماني بحق  أولئك لكني أيضا أؤكد على حق هؤلاء ومدى خطورة وضعهم الإنساني وكذلك وضع الوطن معهم .

 وأني أدعو أخوتي الذي منحهم الله نعمة المال أو الوجاهة و المشاهير أن تكون لهم زمام المبادرة بين جمهورهم ومريديهم و أتباعهم ليكونوا قدوة خير ، و أتمنى من كل قلبي أن لا يكون فعلهم للخير لأجل زيادة أتباعهم أو لأجل زيادة شهرتهم ، بل لأجل حب الله ، وحب البشرية ، فوالله ليس ( أرقى ) من إنسان يعطي ( لوجه الله ) . و ليس أوفى من الله سبحانه في جزاء الإحسان بالإحسان .

للأسف هناك ( بعض ) من الناس ـ ولا نعمم ـ  لا يعطون إلا ( رياءً ) ، وكم هذا قبيح ، ليس بسبب الرياء وحده ، ولكن لأن هذا الإنسان  ( يقتات على كرامة ) غيره ممن سلبهم الله نعمة العيش بكرامة  و عزة نفس ، وجعل لهم حاجة في أيدي الناس . ولا يعلم هؤلاء أن الله ديان .


أخيرا أيها السادة الكرام ..

لنترك السجالات المذهبية لعلماء الأمة لان دخول العامة فيها تحلق الدين ، و اهتم  أنت  بطاعتك و رفع شأن نفسك من ناحية دينية و تحرى الحق ما استطعت .

لنترك السجالات السياسية فإنها تحرق الوطن ، الحمقى يتقاتلون و اللصوص السياسيون وحدهم ينعمون بالغنائم  و الأمان ، و بين الاثنين وطن يحترق ، و مواطن مشرد ، و جائع  ، و خائف .

دعوا الساسة يصفون حساباتهم بين بعضهم ، فلينزلوا هم وأبنائهم للشوارع ليتقاتلوا بعضهم بعض ، ولينزل أهل الشقاق المذهبي ليناظروا بعضهم بعض إلى أن يتوصلوا لقرار حاسم يؤكد من منهم ستكون له الجنة ومن سيكون في النار .

و تعالوا نحن أبناء هذا الوطن لنبر به ، لـ ( نبني )  بدل من أن ( نبكي ) ، لـ ( نعمل ) بدلا من أن ( نشجب ) ، لـ ( نتعاون ) بدلا من أن ( نتناحر ) . لـ ( نطرح الأفكار )  بدلا من أن ( نتلاسن بالسب و الشتم وحصد الآثام باللسان  ) في جدالات عقيمة ، لا يمارسها إلا الجهلة  ، وصغار العقول .

لأن أولئك الساسة و المتعصبون مذهبيا و سياسيا وطائفيا حالنا معهم مثل الذي نشبت في بيته حريق ، فبدلا من أن يتركوك لتطفىء الحريق فإنهم يقومون بنشب خلاف و شجار  ليشغلوك بفك الشجار بدلا من أن يتركوك  تطفىء النار . و بعد أن تنتهي من فض عراكهم و شجارهم ـ الذي يستمر في التفرع  ـ  ستنتبه أن البيت قد صار رماداً ، و لات حين مندم .


أيها السادة ..

دعونا من النقد لأجل النقد ، فليس أسهل من التفلسف ، و دعونا من التذمر و الشكوى و تحقير الذات و الوطن ، لأنها عادة العاجز الذي يبحث عن ( شماعة ) يعلق عليها فشله ، و دعونا من تأييد أهل الشقاق و النفاق .

 ما نريده حقا هو ( البناء ) . و العمل ، ثم العمل ، ثم العمل ، فالوطن يكون بالمواطن وليس فقط بالحكومات ، وتذكروا أنه ( كما تكونوا يولى عليكم ) .





[1] - لقد سبق أن اقترحت ذات المقترح في مقالات سابقة ، وفي كتابي ( تأملات مواطن عربي .. )  .

هناك تعليقان (2):

احمد عبد المقصود يقول...

السلام عليكم ورحمة الله
اخى الكريم اريد التواصل معك لامر هام ارجو الرد فى اقرب وقت

أفلح اليعربي يقول...


الأخ الكريم أحمد عبدالمقصود


تحية طيبة

أعتذر أن كان ردي متأخرا.

هذا إيميلي ومرحبا بك


mrabe777@hotmail.com



لك تقديري