الأربعاء، 1 يوليو، 2015

البلوش : ضياع بين وطنين


"أنا ماهجرتك يا موطني
فهجرك في ملتي مستحيل
أنا ما هجرتك حرا
ولكن هجرت الجراد بأرضك يغتال فيك الحقول
هجرت الغرابين تختال مرتاحة
وفوق رباك تموت البلابل كل الفصول"

محمد وليد ، شاعر من سوريا.




حين يكون الوطن محتلا من جهة تعامل أهل الوطن ببطش و إقصاء . وتتعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثالثة بكل عنصرية و إجحاف ، فإن خيار الرحيل عن الوطن هو الحل الأمثل غالبا ، لكن ماذا بعد الرحيل؟ . في بلوشستان المقسمة بين ثلاث دول يعاني كل قسم من صنوف العذاب و الهوان ، فلا يزال الإقليم بكافة أقسامه يعيش في ظروف القرن الخامس عشر أو أبعد من ذلك حيث لا كهرباء ولا ماء نقي ولا بيوت تقيهم الحر والبرد ولا مدارس ناهيك عن عدم توفر الطرق إلا القليل منها ، ولا وسائل النقل العصرية إلا ما ندر ، و عدم توفر سبل الرفاه الأخرى ولو في أبسط صورها .

يعاني القسم الأفغاني من نقص الموارد الطبيعية إضافة للظروف الاقتصادية الصعبة للدولة المحتلة وهي أفغانستان . أما القسمان الإيراني و الباكستاني فإن فيه موارد طبيعية مثل الذهب و أيضا الموقع الجغرافي المهم على المحيط الهندي و خليج عُمان ، ومع هذا فإن الظروف المعيشية قاسية حيث يعيش الناس في فقر مدقع . أضف أليها التنكيل و الوحشية التي يتعرض لها الشعب البلوشي.

كل تلك الأمور دفعت كثير من البلوش للهجرة عن الوطن ، منذ البدايات الأولى للاحتلال . اختار بعضهم دول الجوار بالأخص دول الخليج العربي بحكم العلاقة التاريخية الوطيدة ذات الخصوصية بينهم . وقد كان حظ السابقين أوفر حين استطاعوا الحصول على جنسية هذه البلدان والعيش فيها بحياة كريمة. أما من أتوا متأخرين كانت الأوضاع لهم أكثر صعوبة مقارنة بأقرانهم ممن هاجروا كلاجئين إلى دول الغرب.

كثير من البلوش يحبذون دول الخليج لأسباب يرونها ، لكن ما حدث أن الوافدون من البلوش للخليج في السنوات الأخير يجدون أنفسهم بين نارين نار وطن يحملون جنسيته لكنه يضطهدهم ولا يشعرون بالانتماء له و يحتل أرضهم . و وطن حلوا عليه بعد فرارهم ، وبعضهم ولد فيه حين حل آبائه الذين يحملون جنسية المحتل لوطنهم . فتغدو الحياة صعبة و معقدة لهم .

دول الخليج لم تصادق على الاتفاقية الدولية لحماية اللاجئين ولا على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال الأجانب و أفراد أسرهم . الوضع القانوني للأفراد يعتمد على طبيعة الجنسية التي يحملها الفرد فالقانون يفرق بين الأفراد وفق وضع الإقامة (مواطن أم مقيم) و صلاحية الإقامة ونوعها .، فالاعتماد الأساس إذن هو القانون المحلي لكل دولة من دول الخليج ، وكل دولة لها قانونها الخاص و يتعامل مع كل جنسية حسب وضع العلاقات القائمة بين هذه الدولة الخليجية والدولة الأخرى .

هنا تكمن الإشكالية في قضية إقامة البلوش في الخليج فهم لا يتم احتسابهم كلاجئين بل فقط ك "بدون" في حال عدم احتفاظهم بجنسياتهم السابقة ، وهؤلاء لا يوجد لهم وضع قانوني واضح يضمن الكرامة لإنسانيتهم . البعض من البلوش يفقدون جنسياتهم السابقة ذلك لتعرضهم لمعاملات تعسفية من سفارات بلادهم بسبب ممارستهم لنشاط سياسي في بلدانهم ( البلاد التي يحملون جنسيتها و  المحتلة لوطنهم). و قد يتعرضون لمعاملة تعسفية من دول المهجر ، فمن جهة فأن أغل دول الخليج ـ أن لم يكن جميعها ـ  ترفض ممارسة المهاجرين لأي نشاط سياسي على أراضيها ، ومن جهة أخرى فإن حسب القانون يكون هؤلاء ـ المهاجرون الملغية جنسياتهم ـ إقامتهم غير قانونية في البلاد. مما يجعل وضع هؤلاء المهاجرين حرجا.

 أما من يحملون الجنسية الإيرانية أو الباكستانية فيتم التعامل معهم وفق القانون المنظم لتواجد جاليات تلك الدول . والعلاقة بين الخليج وبين هاتين الدولتين يشوبه كثير من الاضطراب و أن بدا  أن هناك توافق مع باكستان إلا أن العمق الأمني لجالياتها مختلف ، ويشوبه الكثير من التحفظ ، لكن دول الخليج مطالبة باستقدام أبناء هذه الدولة للعمل بها بضغط من الدول الكبرى ، ذلك لامتصاص العمالة الفائضة في تلك الدولة لتخفيف العبء عن حكومتها ، و هذه من ضمن البنود للتعاون مع الدول الغربية.

من جهة أخرى وكما جرت العادة دائما توجد أطراف تحاول استغلال الوضع السياسي لدولة ما للحصول على مكاسب ومن ضمن هؤلاء أفراد عاديون . فلأسباب اقتصادية ومعيشية وإنسانية وسياسية يضطر آلاف البشر لهجر أوطانهم والبحث عن بلد يوفر لهم ما يتمنون . وبما أن نظام الحياة تعقد والقانون أصبح أكثر صرامة في دول كانت حلم للكثير من البائسين فقد صار استغلال الأوضاع المضطربة لبعض الدول وغياب الأمن فيها وسيلة يستغلها أهل تلك البلد للحصول على تأشيرة تخولهم دخول تلك الدول التي يحلمون بها . حتى وأن لم يكونوا من الذين تعرضوا فعليا للتهديد أو التهجير القسري ، وحتى أن لم يكن هناك مجال لتعرضهم له في المستقبل .

إضافة لهؤلاء يوجد أناس ليسوا من أهل هذه الدول لكنهم يسعون لاستغلال ظروف الدولة المجاورة لأجل تحقيق الحلم و الوصول للجنة التي يحلمون بها . فبدلا من دفع الأموال الطائلة للمُهرِّبين الذي يكتنف السفر معهم مخاطر كثيرة ليس أقلها الموت غرقا إضافة  لمشقة الطريق يقومون بدفع المال للمزورين ليزوروا جوازات سفر تظهر أنهم من أبناء ذلك البلد المنتهك ، ليخولهم ذلك الحصول على تأشيرة دخول تلك الجنة التي يحلمون بها بشكل أكثرا ضمانا و أكثر أمنا . هذه الأمور شاهدناها بجلاء بعد الحرب الأمريكية على العراق و بعد الانتفاضة الشعبية في سوريا و ما لحقها من تبعات و دول أخرى  .

 ذات الشيء ولكن بصورة تختلف قليلا حدث لقضية البلوش حيث ادعى بعض أهل السند وبعض الباكستانيين و الإيرانيين وغيرهم ، أنهم بلوش فحصلوا على جنسيات الدول المضيفة ـ ومنها دول الخليج ـ في المرحلة الأولى لاستقبالها للبلوش . وهذا الأمر جعل بعض الدول تتحفظ فيما بعد على استقبال البلوش لتزايد عددهم و لأسباب أخرى.

لا يوجد ما نضيفه ـ بطبيعة الحال ـ حول معاناة البلوش خصوصا في الخليج . اعني أولئك الذين أصبحوا "بدون" أو حتى ممن يملك جنسية إحدى الدول المحتلة لوطنهم  ممن لا يرغبون للعودة لها ويرون في الخليج وطنا بديلا أو ملاذا . فليس من السهل الحصول على عمل لهم وليس من السهل تعليم أبنائهم والاستفادة من خدمات الصحة وغيرها . فوضعهم المادي و الاجتماعي جدا سيء.

نحن نعلم أن دول الخليج تعاني من مشاكل كثير مع الوافدين لها و مع "البدون" وخصوصا السعودية و الكويت حتى ممن هم من أصول عربية عشائرية و ليس فقط من الوافدين لها ـ أضافه إلى الرفض الشعبي لتجنيس هؤلاء البدون لأن وكما ينظر لهم البعض فأنهم سيزاحمونهم في أرزاقهم الشحيحة أصلا ـ الشحيحة بسبب سوء إدارة الحكومات و ليس لسوء الوضع الاقتصادي ـ  لكننا نعلم أن إيجاد حل ليس بالمستحيل أيضا .

وحين نخص البلوش بالحديث فلأن قضيتهم شائكة و معقدة و هم يعانون بين وطن تركوه مرغمين وبين وطن اختاروه ظنا منهم أنه الأقرب رُحْما . تسعى بعض الدول لعلاج أوضاعهم لكننا نتمنى أن ينظر للبلوش كاستثناء يمكن التعاطف معه من الجانب الإنساني على الأقل ، فالعلاقات التاريخية بيننا و بينهم تحملنا مسؤولية اتجاههم ليست بالهينة ولا يمكننا غض الطرف عنها .