الجمعة، 4 أكتوبر، 2013

كونوا ضيوف كرام على الحَرَمْ




 ( كان التأمل الروحي يعوز ذلك المكان الذي يتوقع المرء
أن يجده فيه . فكان عليه أن يلتمس ذلك الجو في صميم نفسه )

مهاتما غاندي ، الرئيس الهندي الأسبق .

مكة حماها الله



أن قصدتُ بيتكَ و حللتُ ضيفا عليكَ ، فأنك بلا شك تتوقع مني سلوكيات و آداب معينة ، أحترم فيها ضيافتك ، و أتخلق فيها بآداب الضيافة أو ( الزيارة )  و أخلاقها . و  كل إنسان منَّا يطالب ضيوفه بمثل هذه الأمور . قد لا نطلبها بشكل صريح ، لكن هذا ما نتمناه فعلا ، و ننزعج كثيرا حين يكون الضيف غير مهذب ، أو أنه لا يحافظ على النظافة أو أنه مزعج و غيرها من الأمور .

هذه قواعد عُرفية يتداولها البشر ( ضمنيا ) بدون أتفاق مبرم ، و يسعى كل منَّا لتطبيقها حسب أخلاقه و تربيته التي نشأ عليها ، لأن سلوكنا يعكس ـ بلا شك ـ تربيتنا و أصلنا و أخلاقنا . في المقابل نحن نطالب ضيوفنا أن يمارسوا تلك الآداب .

هذا بيننا نحن الناس ( العاديين ) ..

 لكن كيف لو حللت في ضيافة ( ملك  أو سلطان  أو أمير )  ؟؟

بلا شك فأنت ستنتهج أسلوبا أكثر صرامة لتطبيق تلك الآداب في حضرة ذلك الملك أو ذلك السلطان أو ذلك الأمير .  ستحرص أن لا ترتكب أي إزعاج أو سوء أدب أمامه ، و أن لا تسيء  له ولا للضيوف الذين يحضرون مجلسه معك ، و أن لا تنشغل بالعبث بهاتفك أو بأي شيء آخر . أليس هذا صحيح ؟؟ .

إذن ،، ما بالك بـ ( ملك الملوك )  ، و أنت تحضر ضيفا عليه ؟؟؟

أليس أجدر بك أن تمارس ( آداب الزيارة )  بكل تفاصيلها ، و بصرامة أشد من صرامة ممارستها في ضيافة ( ملوك ) البشر ؟؟

تصبح ( مكة ) ـ حماها الله ـ  في موسم الحج  ممتلئة  بالأوساخ  و القاذورات بسبب مخلفات الحجاج . و في مواقع أداء المناسك  يقوم الحجاج بالتدافع الشديد بينهم ، ورفع الأصوات في الدعاء و التسبيح و التلبية و التهليل ، أو بقراءة القرآن بصوت مرتفع تُفقد الإنسان تركيزه و تجعل ( الخشوع ) مسألة صعبة بعض الشيء .

 كل ذلك هو ( سوء أدب ) في حضرة مُضيفك العظيم . ليس في تلك السلوكيات مراعاة لآداب الزيارة  و الضيافة  أبدا .

تبذل ( الحكومة السعودية ) مساعٍ جبارة لرعاية ( ضيوف الرحمن ) ، و هناك خطوات نتمنى أن تقوم بها مثل إزالة كل متاجر بيع الهدايا التي حول الحرم ، و الاكتفاء فقط بالمطاعم و محلات الحلاقة . و المحلات التي تبيع الاحتياجات الضرورية . لأن وجود تلك المحلات تسبب زحاما كبيرا في الشوارع .

مساعي الدولة و حدها ( لا تكفي ) لجعل موسم الحج موسما ( روحانيا ) بامتياز ، و ليس موسم سياحي أو تجاري . لذا يجب أن يكون ( الحاج مؤدباً ) . و هدفه من سفره هو ( العبادة ) و ليس أي شيء أخر .

أنت لا تسافر من بلدك تاركا أهلك خلفك لتذهب لـ ( مكة ) لتجني ذنوبا ، فهناك الذنب مضاعف و الأجر مضاعف ، أنت تسافر هناك لـ ( ترفع رصيد حسناتك ) ، لتريح روحك من متاعب الدنيا ، للتواصل مع ( ربك ) بعيدا عن المغريات . لتمحوا السيئات التي جنيتها فيما مضى ، أو لترقع ما قصرت فيه في جناب ربك بدون قصد منك .

أجعل سفرك هذا  (  سفرا روحانيا ) ، سفرا للقاء الحبيب العظيم و نبيهِ الكريم ، لتريح روحك بلقائهِ و قربهِ ، لتمحي خطايا جنيتها في ما مضى بقصد أو بغير قصد ، علمتها و لم تعلمها . لتسد خلل تقصيرك في طاعتهِ ، ليكون هدفك السعي بكل ما يمكن لترضي حبيبك .

إلا تخجل حين تلقي القاذورات ، و الأكياس و بقايا الطعام  في الأرض ، ألا تستحي من ربك الذي نزلت ضيفا عليه في أرضه المقدسة ؟؟

ألا تخجل حين تكون أناني تدفع الناس حولك لتبلغ هذا المكان أو ذلك فتسبب أذى لإخوانك المسلمين ؟ وقد حرم الله أذية عباده بأي شكل من الأشكال .

ألا تخجل حين تكون أنانيا فتتعلق بالباب و الملتزم وتمكث متعلقا وقتا طويلا تحرم غيرك من بلوغه ؟ و قد جاء كل منهم في فرصة ربما لا تعوض ليعود لزيارة هذه الأرض الطاهرة مرة أخرى ،

 ألم يعلمنا نبينا الحبيب ( حب لأخيك ما تحب لنفسك ) ؟

إلا تخجل حين تكون أناني وترفع صوتك بغير داعٍ  بالدعاء و العبادة بصوت عالٍ كأنك تنادي أصم بعيدا ، و ليس سميعا قريبا  ؟؟ . فتؤذي أخوانك و تشوش عليهم فلا يستطيعون الخشوع .

إلا تخجل حين تنشغل بالتصوير بهاتفك أو العبث به  أو الحديث و الثرثرة في غير داعٍ  بدلا من استغلال كل دقيقة بل كل ثانية بالخشوع و الصلاة و قراءة القرآن و التأمل و الذكر في تلك الأيام المباركة  ؟؟

ألا تخجل حين تقصد النزول ضيفا على ربك ، بينما قلبك تملئه أوساخ الدنيا ؟ كرها لهذا ، وعداوة لذاك ، و نصبا و احتيال على أولئك ..  أو  أخذ حقوق الناس .

حين تنزل ضيفا على إنسان لابد أن تكون نظيف الثياب ، و حين تنزل ضيفا على ربك لابد ( أن تكون نظيف الثياب و القلب و اللسان ) .

أجعل وقتك في تلك الديار ( كلهُ  ) لله ،  (  كلهُ )  ما استطعت .

يا ضيوف الرحمن ،،

أنتم لا تحتاجون لـ ( كتب الدعاء ) لتقرءوها أنتم و تطوفون و أنتم وتسعون ، بل تحتاجون إلى قلب نقي طاهر ، ( يحب الله ) و في  ( لقاء المحبوب )  نحن ( لا  نحتاج ) أن نقرأ ما يجب أن نقوله له ، بل أن ( القلب ) وحده يأمر اللسان فيلهج بما يُكِنُّهُ ، فيعبر عن حبه لمحبوبهِ ، ويشكوا له همه وحزنه . فتسمو روحك بروحانية متألقة تسمو إلى أن تكاد تلامس السماء ، فتمسح رحمات السماء على قلبك المضني بالحب و الألم و الأحزان ، فتزيح الهموم وترفعك في المنزلة ، و تبلغك مقامات حميدة ، و تحميك من هموم الدنيا وتزيح دخان الهموم العالق بالقلوب ، وتطهر النفوس من رجس الآثام و الخطايا .

سافر ليبت الله ( من أجل الله وحده ) ، فكر فيه هو ( وحده ) ، أشتاق له هو ( وحده ) ، وأزح من خيالك و من تفكيرك كل الدنيا ، ستجد أنك عدت من سفرك غانما بغنائم عظيمة تخص الدنيا و الآخرة .

لا  تسافر ( له ) لأجل الدنيا ، لأنك ستعود خائبا ، كما عاد بخُفيهِ حُنين .

أحترم عباده  و أفسح لهم يفسح الله عليك ، ساعدهم يساعدك ، أنه يحب عباده كثيرا ويحب من يحبهم ، و يرفق بها ، و يرحمهم ، و يساعدهم ، وأنه خير من يكافئ الحسنة بالحسنة . و خير من يحفظ المعروف الذي تقدمه ( لأجله ) و ( فيه ) .

عَبِّر عن ( حبك له ) هناك في كل خطوة تخطوها ، في كل نفسا تتنفسه ، بأفعالك وأقوالك و بالتعامل مع كل ما حولك هناك من بشر ودواب و جمادات ، لأنها ضيفة تحضر معك في حضرة ( ملك الملوك ) ، وعارٌ عليك أن تسيء لها .

أن غفلةَ عن أن الله  ( موجود معك ) ويراك فأنك عندها ـ لاشك ـ ستسيء الأدب في ضيافته ، لكن أن استشعرت وجوده ، وتيقنت أنه يراقبك فستحرص على كل فعل حميد و قول حميد ، بل ستغرق في العبادة و الطاعة  بانتشاء .


طلب ، بل هـو  رجاء ،،

أن كنت سبق لك السفر للحج ، أكتفي بتلك السفرة ، ودع المجال لغيرك ليصل لتلك البقاع الطاهرة ، فهي أمنية يتمناها كل مسلم ، فلا تحرمه .

ولا تسبب الزحام بـ ( تكرار السفر للحج ) ، لأن ذلك الزحام يؤثر على نفسيات الحجاج ، وعلى خشوعهم و على صحتهم ، لأن فيهم العجوز و فيهم النساء .

أن ( صَدَقَتِكَ )  في العشر أيام من ذي الحجة أعظم بكثير من ( تكرار الحج ) بعد الحجة الأولى ، فإن النبي  قال: ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام )  يعني أيام العشر . قالوا: يا رسول الله ! ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ( و لا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك شيء ) ، لذا تصدق بها تنال القربى بفعلك مرتين :

•       مرة لأنك  ( أفسحت ) لغيرك ممن أراد الحج لبيت ربه  .

•       ومرة لأنك ( تصدقت ) على عباده فأدخلت فيهم السعادة و البهجة .


 أحتسبها لله ، و الله ستجدهُ يعبر لك عن امتنانه و حبه فوق ما كنت ستجنيه من حجة ثانية فليس مثله شكور  . أفعلوا كل شيء لأجل الله ، فسيأتيكم بأضعاف ما كنتم تتوقعون و تحتسبون .

أن كنت لن تنزل ضيفا على الديار المقدسة ـ حفظها الله وشرفها ـ هذا العام ، فأنصح بما قرأته هنا من سينزل ضيفا على تلك الديار الطاهرة ، فسيأتيك الله أجرها وأجر من عمل بها بإذن الله .


ليست هناك تعليقات: