الجمعة، 25 فبراير، 2011

ليس للتاريخ مزبلة




" إنني لم أعكر صفو حياتهم أبدا ، إنني فقط

أخبرهم بالحقيقة فيرونها جحيما "
هاري ترومان ، الرئيس الأمريكي الأسبق





كثيرا ما سمعنا خلال ثورات الشعب العربي الأخيرة وهم يقولون لحُكامهم : ( إلى مزبلة التاريخ )  ، لكن للأسف ( ليس للتاريخ مزبلة ) ، وهذا من سوء حظ هؤلاء الحُكام . لأنه لو كان للتاريخ مزبلة لارتاحوا من محاسبة التاريخ لهم ومحاسبة الأجيال القادمة على فسادهم حتى وأن لم يكونوا على قيد الحياة حينها .

أن للتاريخ صفحات ، فأما ( صفحات مجد ) ، وأما ( صفحات خزي وعار ) . وعلى بني الدنيا أن يختاروا في أي الصفحات يحبوا أن يكونوا . التاريخ عادل لا يمكنك أن تغيره بشطب بعض الأسطر من هذا الكتاب أو ذاك ، ولابد للبراهين أن تظهر مهما حاول البعض ـ لحاجة في نفسه ـ أن يخفيها ، وليس أدل من أحداث ما يُعْرَف بـ ( الهولوكوست ) وكيف هوَّلها اليهود وبالغوا في سردها ليستدروا بذلك عطف الجماهير في العالم ، وكيف حاربوا كل من حاول فضح حقيقتهم بمصادرة كتبه أو بسجنه ولا يتوانون حتى عن اغتياله وتصفيته جسدياً ، ورغم هذا نجد الأدلة تظهر ، وكتب كثيرة تثبت مدى كذب اليهود وتهويلهم لمحرقة ( هتلر )  تلك لهم ، التي طالما سردوها للجماهير مرارا وتكراراً وهم يذرفون دموع التماسيح .

أن التاريخ لا يمكنه أن ينسى الفاسدين ـ كما لم ينسى المخلصين ـ وما ذاك إلا ليقدم العبرة لمن يأتون من بعد أن كانوا يعتبرون ، فلو كان للتاريخ مزبلة فسيسعد الفاسدون والمستبدون والعملاء وسيتطاولون في بغيهم وغيهم ، لأن المزبلة تستدعي النسيان ، والتاريخ لا ينسى ، لأنه لا يمكن لأمة أن تنسى مآسيها ، ليس لتظل تبكي عليها وتتباكى ، و أنما لتشحذ بها عزائمها وهممها لتنطلق نحو مجدها وعزتها وكرامتها . وكما يقول المثل الصيني : ( البكاء ضرورة  و لكنه ليس حلا ) .

إنَّ ما يُسَجْل اليوم كحدثاً ، يصبح في الغَدْ تاريخاً ، وسيذكر التاريخ كيف حطمت إرادة الشعب العربي قيود الذل والهون ، تلك القيود التي لم تكن إلا محض خيوط ـ كخيوط العنكبوت أو هي أوهن ـ كانت تقيد عملاق طالما خضع له الزمان و ركع . وكيف أنها أسست مجدها الجديد ـ  بإذن الله وعونه ـ بسواعد أبنائها وأرادته الحرة وليس بإرادة بعض العسكر ، وليس بإرادة أحزاب أو انقلابات تطالبُ بحقٍ ما أردتْ به إلا باطل .

ما من ثورة أو معارك هدفها بلوغ ذرى المجد والعزة والكرامة إلا ولها ضريبة ، فلابد لكل مجد من ضريبة ، وضريبة مجد الأمة هي دماء أبنائها قُرْبَاناً ليرضخ لهم الزمان ، وما خُلِقَتْ صدور الرجال لعناقِ الغواني و الخُود وإنما لتكونَ درعاً يحمي الوطن من كل معتدٍ غاشم وأن لبس ثوب الوطنية وتشدق بها ، و أنْ أبطنَ فساده حتى تمكن فصار أشر و أعتا على الشعب من عدوهِ وأنَّ ( أشقى الولاة من شقيت به رعيته ) .

و الإرادة الصادقة تُحطم كُلَّ مستحيل ، وتحطم كُلَّ القُيُود ، وتدكُ كُلَّ الأسوار . أنَّ صاحب الحق أن ثار ، فأنه يطلق الرعب في قلب الظالم ، لأن الحق سيف بتار لا ينهزم ولا يفل ولا يلين .

إنْ كانَ للمرءِ عزمٌ في إرادتهِ
فلا  الطبيعةُ  تثنيه و لا  القدرُ


وأخيرا ...

كل إنسان في الوطن عليه أن يكتب تاريخهُ المُشرف ، فالأمر ليس مقصوراً على الحُكام و الساسة والعسكريين ، كل إنسان في الوطن هو ( لبنة مهمة )  في بناء الوطن ، و لابد عليه أن يكون قويا ، حتى لا ينهار بناء الوطن من جانبه . يقول إديسون : ( الآمال العظيمة تصنع الأشخاص العظماء ) .




هناك تعليق واحد:

حكاية قلم ( الكاتبة فاطمة العبيدي ) يقول...

أخي العزيز اليعربي
أعجبني كثيرا هذا المقال ولكن أثار دهشتي انك لا تكتب إلا نادرا في هذه المدونة رغم أنها مدونة متميزة جدا وكتاباتك وموضوعاتك وأسلوبك فيها راقي جدا
على كل حال كان لي وجهة نظر في هذه التدوينة طبعا أنا أؤيد كل حرف ذكرته هنا إلا كلمة واحدة ( إن المزبلة تعني النسييان ) وهذا خطأ فإن مزبلة التاريخ لم يقصد بها أبدا النسيان وإنما كان المقصد هنا هو ( صفحة الخزي والعار ) التي تحدثت عنها لكنها ذكرت على أنها مزبلة لقذارتها التي خلفت ورائها دمار ومرض وخراب
هذا مجرد رأي
والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية
تحياتي