الجمعة، 10 يناير، 2014

لا تجعلوا سوريا عراقاً ثانٍ




( إنَّ السعيد لمنْ جُنِّبَ الفِتنَ )
النبي محمد صلَّ الله عليه وسلم.





المملكة السعودية تدفع بشبابها للقتال باسم   " الجهاد "  و تُسهل للأهالي جمع التبرعات للمجاهدين ، هي لا تفعل هذا لأجل فلسطين بل لــ ( سوريا ) ليس بدافع الدين ـ كما يعتقد العامة ـ   ولا لرفع الظلم عن السوريين ، و لا لأجل ديمقراطية ، و لكن لأن بينها و بين  "بشار الأسد " عداوة :

 الأولى /  بسبب موت رفيق الحريري ، فهي تحمل بشار قتل الحريري .
 و الثانية /  بسبب علاقة سوريا  الوطيدة بإيران العدو اللدود للسعودية .

عادة ما يتم تبرير الصراعات السياسية بين أقطاب الحكم في البلد الواحد  أو بين بلدين بمبررات ( وطنية  أو  إنسانية  أو دينية )  ، بينما في الحقيقة هو مجرد كذب لخداع العامة من الشعب ، والذي غالبا ما يصدق ما تقوله حكومته . لكن من يتتبع سلوكيات تلك الحكومات بشكل قريب يفهم جيدا معنى كل موقف من مواقفها ، ويعرف جيدا متى تكذب و متى تصدق في إدعاءاتها .

أنَّ السعودية تُخْطِئ في  ( سوريا )  نفس خطأها في ( أفغانستان ) .  هي تخطأ خطأ سبق أن ارتكبته في أفغانستان في أواخر الثمانينات و جنت منه الإرهاب و تنظيم القاعدة  . كل هذا لأنها أرادت إسقاط  ( بشار ) ـ  بنفس حماسها لإسقاط ( صدام حسين )  ـ بدون أن تتدخل بشكل رسمي وبدون أي تورط عسكري أو سياسي مباشر ، الأمر نفسه حدث في ( أفغانستان )  أيام الاحتلال ( السوفيتي )  لها . ولكن ماذا كانت النتيجة ؟

 لماذا نكرر ذات الخطأ ؟ .

إسقاط ( بشار ) الدكتاتور الدموي لن ينتج عنه سوريا ( وردية ) بل سينتج عنه ( عراق )  آخر . نفس الأمر الذي حدث للعراق ومازال إلى يومنا هذا بعد إسقاط صدام حسين . أن التركيبة الاجتماعية و السياسية لـ ( سوريا ) تؤكد هذا[1] ، و هو أمر يعرفه الخبراء في هذا الشأن جيدا ، و هم  يشهدون على كلامي .

( المعارضة الشريفة )  في سوريا ( ضعيفة ) ، لا تملك الإمكانات لتصدح بصوتها و لتكون حاضرة في المشهد السياسي بقوة ـ  حالها حال المعارضة الشريفة في العراق ـ  مقارنة بـ ( الخونة ) الذين لا يختلفون في فسادهم عن ( بشار ) حتى قبل أن يصلوا إلى السلطة ، بل أن بشار ربما أحسن منهم بأنه لم يسلم بلاده للأمريكان و اليهود ، أما هؤلاء فحتى قبل أمساكهم بالحكم قاموا بتسليم كل شيء .

كيف يمكن للشعب أن يثق في هؤلاء ؟

أتمنى من الساسة في  السعودية  و عُمان و  قطر ، أن ينظروا بعدل في هذه المسألة ، و ليتركوا تصفية الحسابات السياسة و التي تتم فوق أجساد المستضعفين وعلى دمائهم ، يكفيهم تشردا و قتلا ، لا تكرروا خطأكم في العراق . كذلك أن تأزم الوضع في ( سوريا ) يعني تأزم الأمن في ( لبنان ) .

بإمكان ( الثقل السياسي السعودي ) و ( الدبلوماسية العُمانية العالية )  أن تحل معاناة  الشعوب العربية  وتحتويها في  مصر  ، و سوريا ،  بل و في اليمن أيضا . و أقولها بكل ثقة .


يا أهل الحُكم  و السياسة  ،،

أن حساب الخلق عليكم  ، و الله سائلكم عنهم  فلا يغرنكم انخداع شعوبكم بخطاباتكم  و مبرراتكم التي تسوقونها لتسوِّقوا قراراتكم  ،  فالله يعلم ما في صدوركم .  فإن استطعتم بمكر السياسة خداع العامة  فإنكم  لن تستطيعوا خداع الله .

الكل صار ـ  في خضم الظروف الراهنة  ـ يبحث عن خائن بين الأفرقة المتناحرة . و الكل يتهم الآخر أنه خائن ،  مازال مقالي ( إلا خيانة الوطن )  هو الأكثر  قراءة منذ أن كتبته في 11 مارس 2011 م ، أغلب الواصلين إليه كانوا عن طريق (  محركات  البحث )  تحت عناوين تدل أنهم يبحثون عن خائن ، أو مقولات عن الخيانة أو أشعار و ما إلى ذلك ، سبحان الله !! .

يا أخي  ،،

لا تبحث عن ( خائن )  بل ابحث عن إصلاح الحال في الوطن ، فالبحث عن الخائن لتبادل التهم فقط  أو من هو المخطئ لا جدوى منه . لأننا بذلك ندور في حلقة مفرغة.

الحماس الذي ينتاب البعض في الدول العربية  لصرع الحكومة السورية و إسقاطها يدفعني للتساؤل :

 ماذا لو حدث في بلادك نفس ما يحدث في ( سوريا ) الآن ؟ و قامت دولة أخرى بدعم الثوار أو المتمردين ـ أيًّا كان مسماهم ـ و مدهم بالمال و الشباب للقتال ؟ و قامت هذه الدولة بتأليب المجتمع الدولي عليكم لقصف بلادكم  بنفس حماس حكوماتكم  الآن ؟ ماذا سيكون موقفكم ؟

سأجيبك :

 سوف تتذمرون وتشتمون هذه الدولة وشعبها ، و ستقولون نحن لا نحتاج لتدخلكم في بلادنا ، وهذا شأن داخلي يخصنا وحدنا ، وأنتم ليس لكم دخل فينا .

أليس كذلك ؟؟

هكذا نحن البشر نحكم دوما بازدواجية معايير و بنظام ( حلال علينا  حرام على غيرنا )  و نسوق المبررات دائما حسب رغباتنا و مصالحنا .  و نبرر لأنفسنا مالا نبرره لغيرنا ، حتى على مستوى حياتنا العادية البسيطة نفعل هذا .

هذه الدول التي تتحدث عن سياسات ( بشار )  اليوم هي نفسها تمارس ما يمارسه ، فقط ما يختلف هو القالب الخارجي لممارساتها فقط .  وحين ثارت شعوبها قمعتها ، وغضبت من تدخل الآخرين  في الوضع حينه . خذ مثلا :  إيران  ، و السعودية .  إيران في حين بررت للشعب ( البحريني) ثورته ضد الحكومة و الملك فإنها استنكرت ثورة الشعب ( السوري ) ، بينما السعودية و التي استنكرت ثورة الشعب ( البحريني) تقوم بدعم الثورة ( السورية ) . وهاتان الدولتان ( إيران و السعودية ) حين ثار الشعب داخلها قامت بنفس ما قامت به كلاًّ من ( سوريا و البحرين )  ضد الشعب المنتفض داخلها . فسبحان الله كيف يحكم البشر ، وكيف يجدون المبررات لإعطاء  شرعية  لمواقفهم .


أخيرا ..

أيها القارىء الكريم لا تجهد نفسك في تصنيفي ، فليس هذا ما أرجوه منك ، أنا لست ( مع )  أو (ضد )  ، أنا مع الوطن مع الحق ما استطعت ، حيثما أبصرته سعيت له  ، و نحوه .

أنا لست ضد دول أو أشخاص أنا ضد قرارات بعينها و مواقف بعينها ،  الوطن يحتاج الآن أن نبصر الأوضاع بحكمة  ،  يحتاج أن نقول الحق و الحكم به ، و أن كان مُـرًّ ،  وليس الحكم بالأهواء ، و التعصبات ، و الحماس الصبياني الذي يثيره فينا هذا الفريق أو ذاك ليحركنا نحو تحقيق مآربه عبر سذاجتنا .

البعض قد يحكم على كلامي بأنه تخاذل أو جبن  و تثبيط و ما إلى ذلك ، لكنك لو رأيت الأمور بعيدا عن أهواء التعصبات   و الحماس المبالغ فيه و الفلسفات الزائدة  لفهمت أني أرى الأمور من زاوية أخرى أوسع من زاويتك الضيقة ،  هدفي بلوغ هدف سامٍ مثلك لكني لا استسيغ الانطلاق المستقيم الذي لا يراعي ظروف الطريق ، لأنني لا أريد أن تكون نهاية مسيرتي الارتطام و التحطم ، ولا السقوط في هاوية ، يكفينا تحطم  و سقوط .  أنا واثق أن معي الكثير من العقلاء يشاركونني رأيي هذا .

أسأل الله العظيم أن يعم السلام وطننا العربي و يعمه الأمن و الأمان ، اللهم أنَّا نسألك بالمستضعفين فينا أن تصلح شأننا كله ، و نبرأ إليك مما يفعل السفهاء باسمك و باسم الوطن من ظلم و اقتراف مظالم ،  أكان جهلا منهم أم عمدا . ربنا فلا تأخذنا بجور المترفين منَّا ، و لا تأخذنا بما فعل السفهاء منَّا ، اللهم آمين .



[1] - أيام انتفاضة الشعب الليبي حذرت من عدة أشياء ومنها عدم السماح لدول أجنبية بالتدخل  ، لكن أحدا لم يلتفت لكلامي ، وفعلا حدث ما توقعته  . و كذلك اليمن ، فقد حذرت من العودة لليمن خطوات واسعة للوراء إلى التفرقة وزيادة حضور القبيلة ـ رغم عدم غيابها التام في عهد علي عبدالله صالح لكم كان هناك نوع من الاحتواء لها  ـ و كذلك مخاوف انفصال الجنوب ، لكنني تعرضت لانتقادات لاذعة ، وهاهو الحال الذي حذرت منه وقع . يجب أن نحكم على الأمور وفق معطياتها لا وفق أحلامنا أو تعصباتنا .

ليست هناك تعليقات: