الجمعة، 25 فبراير، 2011

حاكم ظالم خير من مستعمر ياليبيا







لقد سمعنا ما تردد من بعض الدول الغربية من احتمال  ( التدخل العسكري ) لها لأجل ما سمته ( فك معاناة الشعب الليبي ) ، إياكم يا ( شعب ليبيا الحرة  ) أن تقبلوا ، وإلا والذي لا إله إلا هو لن تفلحوا بعدها أبدا .

لا تأمنوا للغرب ، لا تأمنوا لأمريكا ، وإلا لأصبح حالكم كحال العراق ، لو كانوا يحبونكم ويهتمون لأمرك لتحدثوا على الأقل بكلمة حق أول ما بدأ القتل فيكم ، لكنهم صمتوا إلى أن بحثوا و رأوا ما يمكنه (  كسبه ) منكم .

إياكم ثم إياكم ، يا أحفاد الثوار ، يا أبناء المناضلين ضد الاستعمار ، إياكم أن تقبلوا بالمستعمر ، وإلا ستكونوا بهذا قد خنتم دماء شهدائكم ، ليس شهداء الثورة ، و أنما شهدائكم الذين ناضلوا ضد الاستعمار .

والله أن الغرب منافقون كاذبون . ورب الكعبة أنهم منافقون كاذبون .

أثبتوا للعالم أن شباب ليبيا هو من سيحرر ليبيا ، ولا تسمحوا بأي تدخل أين كان هذا التدخل ، ولا يغرنكم كلامهم المعسول ، وما العراق عنكم ببعيد أن كنتم تعقلون .


لا تسمحوا لمتقول كان يقول أن الثوار عملاء بأن يستدل عليكم بقبولكم ، أخرجوا وكما تنددوا بالقذافي أرفضوا تدخل الغرب في بلادكم وشؤونكم الغرب فورب الكعبة ما يريدون لكم أصلاحا ولا يريدون لكم خيرا .

ليس للتاريخ مزبلة




" إنني لم أعكر صفو حياتهم أبدا ، إنني فقط

أخبرهم بالحقيقة فيرونها جحيما "
هاري ترومان ، الرئيس الأمريكي الأسبق





كثيرا ما سمعنا خلال ثورات الشعب العربي الأخيرة وهم يقولون لحُكامهم : ( إلى مزبلة التاريخ )  ، لكن للأسف ( ليس للتاريخ مزبلة ) ، وهذا من سوء حظ هؤلاء الحُكام . لأنه لو كان للتاريخ مزبلة لارتاحوا من محاسبة التاريخ لهم ومحاسبة الأجيال القادمة على فسادهم حتى وأن لم يكونوا على قيد الحياة حينها .

أن للتاريخ صفحات ، فأما ( صفحات مجد ) ، وأما ( صفحات خزي وعار ) . وعلى بني الدنيا أن يختاروا في أي الصفحات يحبوا أن يكونوا . التاريخ عادل لا يمكنك أن تغيره بشطب بعض الأسطر من هذا الكتاب أو ذاك ، ولابد للبراهين أن تظهر مهما حاول البعض ـ لحاجة في نفسه ـ أن يخفيها ، وليس أدل من أحداث ما يُعْرَف بـ ( الهولوكوست ) وكيف هوَّلها اليهود وبالغوا في سردها ليستدروا بذلك عطف الجماهير في العالم ، وكيف حاربوا كل من حاول فضح حقيقتهم بمصادرة كتبه أو بسجنه ولا يتوانون حتى عن اغتياله وتصفيته جسدياً ، ورغم هذا نجد الأدلة تظهر ، وكتب كثيرة تثبت مدى كذب اليهود وتهويلهم لمحرقة ( هتلر )  تلك لهم ، التي طالما سردوها للجماهير مرارا وتكراراً وهم يذرفون دموع التماسيح .

أن التاريخ لا يمكنه أن ينسى الفاسدين ـ كما لم ينسى المخلصين ـ وما ذاك إلا ليقدم العبرة لمن يأتون من بعد أن كانوا يعتبرون ، فلو كان للتاريخ مزبلة فسيسعد الفاسدون والمستبدون والعملاء وسيتطاولون في بغيهم وغيهم ، لأن المزبلة تستدعي النسيان ، والتاريخ لا ينسى ، لأنه لا يمكن لأمة أن تنسى مآسيها ، ليس لتظل تبكي عليها وتتباكى ، و أنما لتشحذ بها عزائمها وهممها لتنطلق نحو مجدها وعزتها وكرامتها . وكما يقول المثل الصيني : ( البكاء ضرورة  و لكنه ليس حلا ) .

إنَّ ما يُسَجْل اليوم كحدثاً ، يصبح في الغَدْ تاريخاً ، وسيذكر التاريخ كيف حطمت إرادة الشعب العربي قيود الذل والهون ، تلك القيود التي لم تكن إلا محض خيوط ـ كخيوط العنكبوت أو هي أوهن ـ كانت تقيد عملاق طالما خضع له الزمان و ركع . وكيف أنها أسست مجدها الجديد ـ  بإذن الله وعونه ـ بسواعد أبنائها وأرادته الحرة وليس بإرادة بعض العسكر ، وليس بإرادة أحزاب أو انقلابات تطالبُ بحقٍ ما أردتْ به إلا باطل .

ما من ثورة أو معارك هدفها بلوغ ذرى المجد والعزة والكرامة إلا ولها ضريبة ، فلابد لكل مجد من ضريبة ، وضريبة مجد الأمة هي دماء أبنائها قُرْبَاناً ليرضخ لهم الزمان ، وما خُلِقَتْ صدور الرجال لعناقِ الغواني و الخُود وإنما لتكونَ درعاً يحمي الوطن من كل معتدٍ غاشم وأن لبس ثوب الوطنية وتشدق بها ، و أنْ أبطنَ فساده حتى تمكن فصار أشر و أعتا على الشعب من عدوهِ وأنَّ ( أشقى الولاة من شقيت به رعيته ) .

و الإرادة الصادقة تُحطم كُلَّ مستحيل ، وتحطم كُلَّ القُيُود ، وتدكُ كُلَّ الأسوار . أنَّ صاحب الحق أن ثار ، فأنه يطلق الرعب في قلب الظالم ، لأن الحق سيف بتار لا ينهزم ولا يفل ولا يلين .

إنْ كانَ للمرءِ عزمٌ في إرادتهِ
فلا  الطبيعةُ  تثنيه و لا  القدرُ


وأخيرا ...

كل إنسان في الوطن عليه أن يكتب تاريخهُ المُشرف ، فالأمر ليس مقصوراً على الحُكام و الساسة والعسكريين ، كل إنسان في الوطن هو ( لبنة مهمة )  في بناء الوطن ، و لابد عليه أن يكون قويا ، حتى لا ينهار بناء الوطن من جانبه . يقول إديسون : ( الآمال العظيمة تصنع الأشخاص العظماء ) .




الحُكام لا يعتبرون



" إنه لم يكن عجيبا أن يعبد المصريون ( القدماء )
 فرعون ، ولكن العجيب أن فرعون آمن حقا أنه إله "

نجيب محفوظ ، روائي من مصر ، ثرثرة فوق النيل .




لله درك يا ( تونس )  يا أرض الإرادة ، هاهي ليبيا الحرة تنفض غبار الهوان عنها ، أحفاد ( عمر المختار )  يحطمون قيود الذل ، ويسحقون الظالم ، أجل أن ليبيا فيها الرجال و ( معمر القذافي ) سيرحل هو وعياله قريبا جدا بعزة الله القوي الجبار.

أتراك سمعت يا أبا القاسم الشابي ؟! الشعب العربي يهتف جميعا بـ:

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد  أن  يستجب  القدر

أظنك فخورا بقومك ، أهل تونس ، أهل الإرادة وشعب الإرادة قد نهض وحطم القيود وقد استجاب القدر يا ( شابيّ ) ، لقد استجاب ، وكيف لا يستجيب أمام إرادة جبارة أنحى لها الكون تقديرا و أجلال ، لله درك يا تونس الإرادة ، ولله درك يا مصر الحرية ، ولله درك يا ليبيا العزة ، ولله درك يا يمن يا منبت العروبة وأصلها ، ولله درك يا جزائر الشهداء .

أن الثورة الليبية هي من أقوى الثورات والتي أظهرت بطولة حقيقة للشعب الليبي ، كيف لا وهم أحفاد عمر المختار ورفاقه ، نذكر عمر المختار ولا نقصد أن نبخس أبطال ليبيا حقهم ، لكن لهذا الرجل مكانة خاصة ليس في قلوب أهل ليبيا الحرة وحدها بل وكل العرب ، أنهم يحبونه وينظرون إليه كما ينظرون لخالد بن الوليد ولصلاح الدين الأيوبي ، أبطال الأمة الذين أصبحوا ببطولتهم وتفانيهم رمزا للشجاعة وحب الوطن والإخلاص للدين والمبدأ والحرية والشجاعة و النزاهة ، الذين بذلك فرضوا الاحترام على عدوهم قبل أبناء أمتهم .


أن ما لفت انتباهي هو توافر العلم الليبي القديم في أيدي أبناء ليبيا ليس في الداخل فحسب بل حتى في الخارج ، الأمر الذي يؤكد بأن الإجماع في ليبيا على أن نظام القذافي لا يمثلهم ، هو أجماع عفوي لكنه صادق ، لأنه ينم عن شعور الانتماء أو اللا انتماء في نفوس أهل ليبيا .

الغريب في هؤلاء الحُكام هو أسلوبهم الممل المترنح بين اتهام الثوار بالعمالة والعمل لأجل أجندة خارجية و تفاهات أخرى ، وكأنهم تركوا للعملاء مكان فيكم الخير والكفاية يا حُكام . والمضحك المبكي فوق كل ذلك هو استخدام السلاح الحي ضد الجماهير المسالمة وكأنهم بذلك يقولون : ( أن كلماتكم يا جماهير شعبنا قوية ) ومن شدة ما أرعبتهم صار يظنونها طلقات كلاشنكوف أو أر بي جي ، فما وجدوا غير الرصاص ليردوا عليهم . ثم يخرج الحاكم بعد أن يقتل جماهيره ـ ويبدو أنه أنتبه أن ما ظنه طلقات نارية ما كانت إلا كلمات حق أصمْت أذنه النتنة ـ فيخرج كالحمل الوديع ليعلن تكوين لجنة تحقق في الأحداث التي جرت ،

تحقق في ماذا ؟

في أوامر أصدرتها بنفسك ؟.

وحتى لو افترضنا جدلا أن أجهزة الأمن تصرفتْ بنفسها فلابد أن يصلك أخبار ما يجري ، فالمفروض أن توقف الأمر ، هذا عدا أنه من المفروض أن تكون الأوامر قد صدرت سلفا بمنع أطلاق النار . لكن لا نملك إلا أن نقول : حبسنا الله ونعم الوكيل .
أي رعونة هي التي يتصف بها هؤلاء ، هم يعترفون بفسادهم وبخيانة أمانتهم في خطاباتهم بشكل ضمني ، وإلا ما معنى أن يقول أحدهم :  سنجري انتخابات نزيهة وحرة ، وسوف نجري تعديلا اقتصادية و سنحقق في الفساد و و و .


أن هؤلاء الحكام يستخدمون نفس المزامير ، وحين لا يعرفون ـ في أول روعتهم من الثورة ـ ما يجيبون تجدهم يفرغون غضبهم في قناة الجزيرة ، كمن يزعجه ذباب مستنقع بجانبه ، فبدل أن يردم المستنقع تجده يلعن الذباب ، وأقصد بالمستنقع هي مفاسد هؤلاء الحكام وأتباعهم .

يمنون علينا بما فعلوه من واجباتهم اتجاه الوطن ، قل لا تمنوا علينا ، أنها واجباتكم و أنتم ملزمون بها ، وأن كنتم لا تقدرون فدعوا مناصبكم لمن يقدر .

 أن أهل ليبيا قوم طيبون قمة في الأخلاق والرزانة والأدب والطيبة ، ودودين إلى أبعد الحدود ، لكنهم مع ذلك لا يرضون بضيم ، أهل عُمان يعرفون جيدا أهل ليبيا ، نعرف ( سليمان باشا الباروني ) كمصلح نهضوي عاش بيننا ، و آثار مدرسته موجود إلي يومنا هذا في مدينة ( سَمَائِل ) العُمانية .

نعرف ( خليفة النامي ) ذلك الرجل العبقري الفذ الذي ما قدره هذا النظام  حق قدره ، فضايقه وحبسه مرارا وتكرارا ثم اختفى في ظروف غامضة رغم أنه أعتزل في الصحراء يأسا من ( القذافي ) ونظامه ، ومع هذا ما سلم من شره ، وكثير كثير . لنا أخوة و أحبة في جبل نفوسه ، و بنغازي ، و طرابلس .


أسأل الله أن ينصرهم  ، ويفرج كربهم ويمدهم بمدد من عنده يزلزل الطاغية وجنوده وأزلامه .

أن هؤلاء الطغاة لن يعتبروا ، فقد تلبسهم شيطان الهوى ، وأعماهم السلطان وجاهه فهم في غيهم يعمهون ، صاروا يتخبطون ، لأن أزلامهم تخلوا عنهم حين حق الحق ، ولأن أسيادهم تخلوا عنهم ، وقد كانوا بآراء أسيادهم يهتدون ، واليوم بعد أن تخلوا عنهم لا هادي لهم ، فطبعي أن تصيب مبارك جلطة وتصيب بن علي جلطة وهلم جر ، لأنهم أدركوا أنهم تمسكوا بقشة لا تقاوم رياح الحق أن هبتْ .

وأخيرا ..

يا أهل ليبيا الأحرار ، لا تتعجبوا من صمت حُكام العرب فهم يخافون أن يصيبهم ما أصاب القذافي وأقرانه في مصر وتونس ، ولا تستغربوا فتور ردت فعل الرأي الرسمي الغربي ، فهم بصمتهم يقولون لباقي الشعب العربي : أنظر ما سيحل بكم أن تمردتم على أعواننا ، ستموتون ، ستدمرون ، ولن يكون أحد لكم عونا . كذلك أن الغرب ينتظر البديل في ليبيا : هل سيكون مثل القذافي الذي حرمهم من ( النفط الليبي ) أم سيكون حملاً وديعا يمنحهم ما يريدون .

أنهم يريدون أن يردعونا بكم ، حتى لا يتم إسقاط  الباقي  في الوطن العربي ، فأنكم ترعبونهم ، وما أتغض هؤلاء الغربيون كما لم يتعظ عبيدهم هنا ، بأن هذا الشعب كالنار ، كلما زدته قدحا زاد اشتعالا . وتوقدا ، كلما أطلقوا الرصاص خرج الناس أكثر و ازدادوا أيمانا بأنهم على حق ، فاتسعت الثورة وعجلوا أكثر بإسقاط الأصنام .

اللهم أنصر أهل ليبيا والجزائر واليمن وكل الأمة نصرا عزيزا ، وحفظهم من كل كيد وشر ، اللهم أنك على كل شيء قدير .


السبت، 12 فبراير، 2011

أن تدبيرَ الإله عجيب


"أهوى الحياة كريمة لا قيد ، لا
 إرهاب ، لا استخفاف بالإنسان
فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزتي
 يغلي دم الأحرار في شرياني"
هاشم الرفاعي . شاعر من  مصر .






سبحان الله كيف يدبر الأمور فلا يقوى البشر على تغير شيء ، وكيف يهيئ للأمور لتصير واقعا دون أن يشعر الإنسان ، أن نجاح الثورة المصرية ( ثورة الكرامة ) حق لأهل ( تونس ) أن يفخروا بنجاحها ، فبعزمهم شتتوا سطوة الطغيان ، وكشفوا عن جبن وضعف الطغاة ، فـقتلوا الخوف في قلوب جماهير الأمة ، فحق لكم يا أهل تونس بأن تحتفلوا بهذا النصر وأن تفخروا ، فأنتم من أشعل فتيله من حيث تدرون ولا تدرون ، وحق لنا في هذه الأمة أن نسعد به أيضا .

كنا نحبس الأنفاس ونرسل الدعاء لله عز وجل فهو ملك الملوك وهو فوقهم والقادر عليهم ، وبيده كل أمر ، وكنا نوقن أنه عز وجل لن يخذلنا ، فحاشاه سبحانه أن يرد أكفنا من سنِّي فضله فارغة ، وحاشاه أن تضيع دماء من قُتلوا ظلما هدرا ، فيقال : ( أن الله يساعد من يساعدون أنفسهم ) وهذا ما كان ، وأنني في هذا الموقف اليوم لا أخفي سعادتي الغامرة .

أنها أمتي أفلا يحق لي أن أسعد ؟ بل أن أنتشي فرحاً .

سجدتُ لله شكرا أنْ استجاب لدعائنا له بأن ينزاح الظلم عن مصر ـ وبعزته تعالى ـ سينزاح عن باقي أمتي ، بالأمس كنت أتابع خطاب مبارك ، خطاب لا يوصف إلا استخفاف بالعقول ـ بالرغم من محاولات التجميل التي حاول أن يقوم بها البعض لذلك الخطاب ـ . ما كان لنا ألا أن نرفع أكف الدعاء في جوف الليل ضارعين لله عز وجل بقوته وسلطانه المكين أن يهز عرش ذلك الطاغية ، فسبحانك يا ذا المجد سبحانك .

اليوم أكتب مقالي في توجه غير معتاد ، فمنذ أن أنشئت مدونتي هذه كان هدفي أن يكون هدفها توعوي وخاصة في المجال السياسي والاجتماعي ـ و والله ما أردت من ذلك جزاء ولا شكورا ولا شهرة ولا مجدا ، بل واجب رأيت أنه ابسط ما يمكن لمثلي أن يقدمه لأمته ، ولأيماني الراسخ أن المعرفة ـ  فالعلم شيء والمعرفة شيء آخر ـ هو سبيل لأمةٍ كريمةٍ ذات أركان ثابتة .

وكنت كلما تأملتُ حولي أحوال أمتي أصابني جزع ويأس فأعزم أن لا أكتب ، ويزين لي الشيطان أن لا فائدة مما تكتب ولا فائدة من القلم ، ثم تستثيرني المواقف فلا أجد إلا قلماً أخط به . لكن حالي كما قال الشاعر :

قيثارتي مُلِئَتْ بأنَّاتِ الجَوُى
لابدَ للمكبوت من فيضانِ


 حين انزاح ذلك الكابوس لا أنكر إني من فرط سعادتي سجدة شكرا لله ، حامدا إياه على فضله ـ سبحانه ـ وعلى عدله ، وهاأنا أسطر سطور مقالتي هذه ليس لأذكر هذه الأمورـ التي هي واجب وأحوال بديهية لمن يحب وطنه ـ ولكن لأشارككم أمرين :

الأول /  عبرة عجيبة نغفل عنها نحن البشر ، فورب الناس طالما استوقفني عجيب تدبير الله ، والله والله أيمانا مغلظة أنه لأعظم ، وأنه أمجد مما يتصوره عقل بشر ، ولكن أنما نحن بشر ، والنسيان طبعنا الأزلي :


وما سُمِّىَ الإنسانُ إلا لنَسْيِه
و ما  القلبُ إلا  لأنه  يتقلّبُ


لكن نسيان البشر سيئ وليس ايجابي في أغلبه ، لأننا ننسى الحسنات ونتذكر السيئات مهما طال عليها الأمد ، لذا دوما نغفل عن عظمة الله ، وننسى فضله وننسى العبرة بعد أن تَمُرَ العبر ، و هذا مغزى ما عناه الشاعر بقوله :

نُراع إذا الجَنَائِز قابلتنا
و يُحزِنُنَا بُكَاءُ البَاكِياتِ

كروعةِ ثُلَّةٍ لمَغَارِ سَبْعٍ
فلما غَاب عَادتْ رَاتِعَاتِ


العبرة في هذه الموجة التي تجتاح الأمة ( موجة الكرامة ) ، نرى كيف أن الله حين أراد أن يزلزل عُرُوش الطغيان استجابة لدعاء المظلومين من أبناء هذه الأمة كيف أنه عز وجل دبر الأمر من حيث لا يدري الطغاة { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }[1] . فما أتتهم إلا بغتة { فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }[2]


أنظروا كيف أذلهم الله بأضعف خلقه ـ سبحانه ـ زلزل عُروشهم بشعوبهم التي أذلوها ونشروا فيها الجهل والأمية والفقر والتضليل ليضمنوا كراسيهم ، ورغم ذلك قام نفس هذا الشعب المقهور المغلوب على أمره لإخراجهم صاغرين . { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }[3]


لا  تحقرنَّ صغير في معاملةٍ
أنَّ البعُوضة أدمتْ مقلة الأسدِ

المتأمل للأحداث يرى كيف ـ فجأة ـ أنقلب الحال في تونس من رجل بسيط ، لم ُيسقط طاغية تونس بل حتى مصر ، من كان يتوقع أن يكون الإعصار الذي يقتلع حسني مبارك سيهب من تونس ، سبحان الله ، وسبحان الله كيف هبَّ الناس من المحيط للخليج مهلليل فرحين مستبشرين بما حدث في تونس متفائلين بأنه بداية خير ، كيف استشعروا ذلك ؟  بل كيف أيقنوه ؟! .

رغم أن سكان القاهرة وحدهم عشرون مليون إلا أن ثلاثة ملايين كانوا بشجاعتهم وعزمهم و وعيهم قادرين على هزيمة الظلم والفساد ، وكم من جالس في بيته وقلبه مع الثوار لكنه لم يكن بشجاعتهم وجرأتهم على الباطل ، رغم أن النظام الفاسد حاول أن يروج إلى أن الصامتين ـ صمت أهل القبور ـ هم مؤيدين لمبارك لذا لم يخرجوا مع الثائرين . ولكن تلك القلة كانت خيرا كثيرا .


أما الأمر الثاني /  فهي الخشية مما سيكون ( بعد رحيل ) الطاغية و طغمة الفساد في مصر ، يقال " الهزيمة يتيمة وللنصر ألف أب " سيلهث كثيرين ـ من أهل النفاق ـ لمحاولة جعل أنفسهم الآباء الشرعيين لانتصار ثورة شباب مصر ، فكم من متربص ليعلم من المنتصر ثم يقول أنا معكم يناله من الغنائم قسطا . وكذلك ستسعى أمريكا والصهاينة لأن يأتوا ( بنسخة لا تختلف ) عن الرئيس المخلوع لحماية مصالحها  ليس في مصر وحدها بل في المنطقة ككل .

ومن كل قلبي أقول يا أهل مصر فيكم مخلصين لا تنكرهم عينٌ صحيحة فإياكم أن تفرطوا في دماء شهدائكم ، و إياكم أن تظنوا إن ثورتكم انتهت بل هي الآن بدأت بتحديات اكبر . وأننا نثق ببصيرتكم ووعيكم فيما رأيناه منكم .

أقول لكم ( أحذروا الجيش )  ولا يغرنكم ماضيه المجيد ، فأن قياداته غير مأمونة ، ولا يغرنكم قول القائل أن الجيش لا يمكن أن يخون ، فإنما الجيش مكون من بشر ، والبشر يستزلهم الشيطان . ففي هذا المقام " حسن الظن ورطة و سوء الظن عصمة " .

وأقول للمخلصين من أهل القيادات والفكر لا يجوز لكم أن تتخلوا عن المسئولية حتى ترسي سفينة الثورة في بر الأمان ، أنتم محاسبون أمام الله أن تهاونتم وخذلتم الناس ليس في مصر و أنما في كل أمتكم ، فأمتنا جسد واحد أن تداعى فيه طرف اهتزت باقي الأطراف وآلت للتداعي ، فاحذروا أن تكونوا خصوم الأمة أمام الله .


في هذه الظروف التي تمر بها أقطار الأمة أتأمل حالة التلاحم الروحي بين أبناء أمتي ، فأُعْجَبُ به أعجَابا ـ والله ـ يثير الفرح في داخلي ، فأقول ( اللهم أدمها علينا من نعمةٍ وأحفظها من الزوال ) ليس الأمر في هذا التلاحم الروحي حالة عابرة نضعها ضمن أطار ( أن المصائب يجمعنَّ المُصَابِينا ) كما يقول أحمد شوقي في شعره ، بل هي حالة طبعية لأمة تُشكل جسداً واحداً ، و تتشارك الدين والدماء ، واللغة و الانتماء . وعندي على ذلك ـ من الأحداث الكثيرة التي مرة بها الأمة مؤخرا ـ شاهدٌ  و دليلُ .


وأخيرا ...


الحمدلله على نصره العزيز وأساله سبحانه أن يتم على الثائرين في مصر وتونس وكل الأمة نصرهم ويشد أزرهم ويعصمهم من زلات الشيطان ، ومن دسائسه . وأدعوه أن يدوم التلاحم الروحي بين جماهير الأمة فمهما فرقت بينهم الحدود والسياسة فهم على قلب واحد ، و همٍّ واحد .

وأتمنى أن أرى العراق وقد نفض الغبار عن  شعث رأسه و رفعه شامخا ، وأن يتقدم أبنائه للنصر شامخين رافعين الرؤوس كما تقدم ( صدام حسين[4] )  للموت شامخا رافع الرأس فأذهل العقول برباطة جأشه وشموخه . فوالله أن الحال فيها محزن كلما شاهدت حالها تذكرت أبياتَ أبي تمام في بغداد إذ يقول :

لقدْ أقـامَ علـى بغـداد ناعيهـا
فليبكها لخـرابِ الدهـرِ باكيهـا

كانَتْ على ما بِها والحَرْبُ مُوقَدَة ٌ
والنّارُ تُطْفِىء ُ حُسْناً في نَوَاحِيهـا

تُرجى لها عودة ٌ في الدهرِ صالحة
فالآنَ اضمرَ منها إلياسَ راجيهـا

مِثْلَ العَجُوزِ التي وَلّـتْ شَبِيبَتُهـا
وبانَ عنها كمالٌ كـانَ يحظيهـا

لَزَّتْ بِها ضَرّة ٌ زَهْراءُ واضِحَـة ُ
كالشمسِ أحسنُ منها عندَ رائيهـا


[1] - آل عمران54
[2] - الأعراف95
[3] - النحل34
[4] - لستُ من أنصار صدام حسين ، لكن وجب لنا أن نذكر محاسن الرجل ، فحقا كانت تلك اللحظات ترينا صورة من صور الرجال العظماء و الفرسان العرب النبلاء القدماء لم نعرفها إلا في الكتب وهو وحده فقط جسدها لنا مشهدا عيانيا .

الخميس، 3 فبراير، 2011

أمة كثرة فيها العِبر و لا من معتبر




" الذين يرفضون الاعتبار من الحدث، ومن ثم يرفضون تسلم رسائله، هم أنفسهم الذين ما برحوا يروجون للزعم القائل بأن تونس حالة خاصة ليس لها مثيل في العالم العربي،
ليطمئنوا أنفسهم على مصيرهم ، وإن ادعوا أنهم يطمئنون الناس والنظام ... ولاحظت أن
 كتابات الصُحُف القومية في مصر هي الوحيدة التي تتبناه وتروج له ، في حين أن الإعلام الخارجي يعتبر أن التشابه مع مصر بالذات أمر مفروغ منه ومسلَّم به "
فهمي هويدي ، كاتب وصحفي ومفكر إسلامي من مصر




في تساؤل طرحته في تساؤل طرحته المدّونة المغربية ( لطيفة شكري ) في مدونتها قالت : " هل أخذ الحُكام العبرة من هذه التدهورات الأمنية داخل البلاد ؟ "

هذا تساؤل مشروع لكل مواطن عربي حريص على بلاده وأمته ، كل مواطن حُلمه أن يعيش بسعادة وازدهار واستقرار على تراب وطنه ، أجبتُ على تساؤلها ذاك بـ ( لا ، ولن يتخذوه أبدا ، لأن البشر من طبعهم عدم الاعتبار ، وإلا فما أكثر العِبر وما أقل الاعتبار ) .

ما جرى في الأمة خلال الشهرين الماضيين وما زال يجري يبعث برسائل قوية ليس للحُكام فقط و أنما حتى للشعوب ، لكن رسائلها للحُكام أقوى { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }[1]

لقد ضاق الناس ذرعا بهم ، ويأسوا من أمكانية فهم هؤلاء الحُكام لمطالبهم في أقامة العدل ، وتحقيق العدل الاجتماعي و سيادة القانون بشكل حقيقي وتكافئ الفرص وتحقيق تنمية حقيقية هدفها المواطن .
يقول فهمي هويدي : ( حين تمعن الأنظمة السلطوية في إحكام الانسداد السياسي وتغلق أفق المستقبل في وجوه الجميع ، فإن لغة الشارع وخروج الجماهير إليه تصبح الخيار الوحيد أمام الضائقين بالاستبداد ، والراغبين في تخليص المجتمع من براثنه ) .

لكن بدل من أن نرى تغييراً يقي الأمة الصدام ويحقن الدماء ويسد الباب على الفتن ، نجد الحُكام متمسكين بتخلفهم ، وأن غيّروا شيء لا يكون إلا تغيير خجول لا يرقى لطموح الشعب ، وأغلبه كلام لا واقع له . تغيير الهدف منه تخدير العقول و المراوغة أكثر منه الإصلاح والصلاح .

لم يتعلموا ولن يتعلمون أنه عندما تكون في موضع القوة فلا تغتر بقوتك ، بل تخيل حين ينقلب حالك وتصبح أنت الضعيف كيف ستكون ، لأن الشيطان يزين لهم سوء أعمالهم ويغريهم بطول الأمل و بالأمنيات ، فيظنوا أنه لن ينقلب حالهم .

وعادة القوى المتجبر أنْ صار في محل ضعف يعلم شعور المتجبر  ، لأنه كان مكانه يوما فيصاب بحالة نفسية عجيبة جراء ذلك . فحالهم كما قال تعالى : ( لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ )[2]

فتجده يحاول بشتى الطرق عدم فقد منزلته القوية ولو استخدم أساليب غبية ومفضوحة و بكل وضوح ، وهانحن نرى محاولات التفاف مبارك وأزلامه على الثورة بطرق شتى ، كاستخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين والتعتيم الإعلامي ـ مؤخرا ـ بالاعتداء على الإعلاميين التابعين لقنوات غير مصرية بلغ الأمر للوصول للفنادق للبحث عن إعلاميين لترويعهم والاعتداء عليهم ، و لن يكون آخرها بث مجموعة بلطجية و فتوات ـ من أزلام مبارك الصغار مع أفراد من بسطاء المجتمع الذين تم شحن مشاعرهم و تجيشها بالأكاذيب وتزيف المعلومات ـ في الشارع يدَّعُون تأييدهم لمبارك .

وانظروا الفرق بين فئة تَجَمَعَ فيها أكبر المفكرين والعلماء المشهود لهم عالمياً وعُرف عنها إخلاصهم و وطنيتهم ومعهم صفوةُ المجتمع المخلصين من طبقة المثقفين والعلماء والمفكرين والفنانين ، ومن المخلصين الشرفاء ، تظاهرت هذه الفئة مدة أسبوع و لم ينتج عنها إلا تظاهرة حضارية حاول البعض أن يدس خلالها ، إلا أن الشباب الواعي تصدى لها ببراعة وتم القبض على المشاغبين وتم تسليمه للجيش حيث أُكتشف أنهم ضباط من الشرطة والأمن .

كانوا مثالا رائعا في الإخلاص للمبدأ الذي خرجوا لأجله وفي سرعة أيجاد الحلول للأزمات التي حاولت القوة السلطوية توريطهم فيها ـ مرة بسحب الشرطة ومرة بإثارة النهب والحرق والشغب وغيرها ـ فنجحوا ببراعتهم وسرعة بديهتهم و وعيهم في أعطاء مثالا جميلا بل رائعاً يبعثُ على الفخر ، وبين فئة ليست إلا مجموعة بلطجية و فتوات وأميين تم التغرير بهم بالأكاذيب وغيره ، في أول يوم تظاهر لها خرجت تضرب وتكسر ، و تحاصر الثوار في ميدان التحرير تمنع عنهم الأكل وغيره . وهذه نتيجة طبيعية لمؤيدين لشخص مثل مبارك يقول أهل المغرب : " الحاجة اللي ما تشبه مولاها حرام ".

يقول أبو منصور الثعالبي : " وقد صدق من قال : إن الناس على دين ملوكهم والسلطان سوق يجلب إليها ما ينفق فيها ".

والأدهى و الأكثر شرا هو استخدام الجيش . جيشٌ ـ طالما أحبه الناس ـ يقف متفرجا ، أولا : حين كان الأمن يقتل الناس وقف متفرجا ، واليوم حين أتى بلطجية الرئيس وقف متفرجا ، معتذرا بأنه لا يمكن للجيش الوقوف مع أحد ضد أحد . فعلا ، و نحن معه في عدم وجوب انحيازهِ لأحد ، لكن كان بإمكانه الحيلولة دون اشتباك الفريقين بمنع المؤيدين ( كما يزعمون ) من الوصول إلى أماكن تواجد المعارضين ( كما يحب البعض تسميتهم ) في ميدان التحرير . لكنها حيلة الطغمة الفاسدة للالتفاف و الانقلاب على الثورة ، ولإظهار الثُّوار بمظهر المخربين . سحقا لهم ولمبرراتهم وأعذارهم التي يسوغونها كيفما شاءوا .

جيشٌ صار الأعلام الأمريكي ـ بإيعاز من الحكومة الأمريكية ـ يُظهر قائد أركانه على أنه الرجل الأنسب ليحل محل مبارك ، رجل قضى أغلب الفترة الأولى من عمر الثورة الشبابية في البنتاجون الأمريكي في دورة تهيئه لتولي منصبه الجديد المرتقب . يقول المفكر الإسلامي فهمي هويدي ( أن أجهزة الأمن حين تتوحد مع النظام المستبد وتصبح سوطه وسجانه ويده الباطشة ، تتحول من مؤسسة تحرس المجتمع وتسهر على أمنه إلى مؤسسة تسحق المجتمع وتعاديه ) .

وكذلك مازال هذا الرجل وأزلامه يتحدثون عن حوار .
حوار مع من ؟ وعن ماذا ؟

مع رجل أسقط شعبه شرعيته ؟ أم مع نائب رئيس فاقد شرعيته قبل أن يبدأ منصبه لأنه تم تعينه من قبل رجل فاقد الشرعية أصلا ؟  غريب أمرهم .

لماذا أرسل بلطجيته في هذه الفترة ؟

ببساطة لأن الأمن عجز أن يشتت الثّوار وأن يثني بالعنف عزائمهم ، حتى حُرمةُ الله لم يرعوها فصاروا يصوبون على المصلين خراطيم المياه الساخنة والغازات المسيلة للدموع والتي يسبب غازها الاختناق أن أستنشقه الإنسان بكمية كبيرة ، وحين بالغ في العنف و ندد بهم العالم ـ الذي ندد مضطراً طبعا لأن صمته صار محرجاً ـ كان لابد من حل بديل فأطلق أولئك البطجية ـ كالكلاب المسعورة ـ على الثّوار يضربونهم ويسبونهم ويتهمونهم بالخيانة والعمالة بلا دليل ولا بينة ، بينما يؤيدون رئيسا سامهم من الظلم والذل والفساد والعمالة درجة لا تخفى لا على القاصي ولا على الداني . و ببلطجيته أولئك ـ الذين خرجوا كجزء من الشعب مؤيد للخائن الفاسد ـ سيكون عذر الحكومة ( القبيح طبعا ) أنهم من الشعب وليسوا محسوبين عليها لذا لا يحق لها أن توقفهم .

يقول المفكر الإسلامي فهمي هويدي في معرض استعراضه للعبر المأخوذة من ما حدث في تونس : ( أن احتكار السلطة حين يتحول إلى هدف في حد ذاته ، فإنه يدفع المستبد إلى القبول بالتلون والتقلب بين مختلف المبادئ والاتجاهات ، طالما كفل له ذلك أن يبقى في موقعه )

أن الشدائد تُظهر معادن الرجال ، وبسبب ثورة الكرامة أصبح المستبدون ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ )[3] . وهاهم المستبدين المتسلطين يعيثون فسادا واستبداد وينهبون أموال الدولة ، وحين تدور عليهم الدوائر يتلونون كالحرباء ويتمسكنون ويخضعون كل ذلك ليبقوا في مراكزهم ، يظهرون أمام العَيان كم هم جبناء و سفهاء . وهم كما وصف عِمْرَانَ بن حِطان يوما أحد الولاة وقال :

أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ
ربداء تجفل من صفير الصافرِ

·   الولايات المتحدة وأتباعها الصهاينة والرأسماليين يخشون صعود الإسلاميين أن تُرك الأمر للشعب ، لأنهم يعلمون أن ذلك سيكون خيار الشعب لذا هم يحاولون بكل جهدهم عدم أعطاء الفرصة للشعب لقول كلمته ، وهذا تناقض واضح .

أمريكا مازالت تحاول الاستخفاف بعقول الجماهير العربية ، ما زالت تستخدم نفس تلك الشعارات والكلمات الرنانة ، وهي لا تستخف بها إلا أصحاب العقول السفيهة ، لقد أصبح وجهها القبيح مفضوحا أمام نطاق واسع من شباب هذه الأمة ، ما عاد يخفى على أحد ما تستخدمه من أساليب التشويش والدسائس لتبلغ مأربها من مص ثروات الشعوب وأيضا لحماية مدللتها ( سوسو ) كما يسميها أخٌ  لي ، ويعني بها الكيان الصهيوني .

·   أن اليهود لا يسعفون الخائن ، وهذا ما يشهده تاريخهم الحديث والقديم . فاليهود يتبرؤون من الخونة الذين أعانوهم كما يتبرأ الشيطان من أهل النار { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ }[4]

فمن خان أمته من السهل عليه أن يخون الأمم الأخرى ، والصهاينة والغربيين يستغنون عن الذي مدَّ لهم يدهُ وخان قومه حين يسقط ، لأنه في نظرهم كالعاهر ـ أكرمكم الله ـ التي باعت عِرضها لقاء بعض دُريهمات ، لذا فأجرها مدفوعٌ سلفاً ، وهم غير مسئولين عما قد يحدث لاحقا ، و أن من باع أرضه كمن باع عِرضِه ، والتاريخ خير شاهد ، و ليس ( أنطوان لحد )  عنَّا ببعيد .

هذا بالضبط ما حدث لـ ( زين العابدين بن علي ) ، وهذا ما نرى بوادره الآن لـ ( مبارك )  ، فهاهم يطالبون الجيش بالضغط على مبارك ليتنحى عن السلطة ، في بادرة كان الكثير من الإعلاميين و المفكرين والمراقبين والمدونين قد تحدثوا عنها كورقة سوف تلجأ لها أمريكا لحفظ مصالحها ليذهب ـ مقابلها ـ مبارك ككبش فداء .

اليهود أطلقوا مخاوفهم صراحة ولم يأبهوا أن تصريحهم سيحرج مبارك فوق موقفه المتأزم أمام شعبه . هكذا هم اليهود بالطبع ـ أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق وأهل خيانة وغدر ـ و ليس بخفي أن الشعب العربي يعلم مدى خيانة حُكامه لكن كان حريا بهم ـ أعني اليهود الصهاينة ـ من باب الالتزام بالواجب الأخلاقي ألا يصرحوا علانا ، لأنها شهادة صريحة بتهمه من التهم التي بسببها طالب الشعب بنزوله من سدة الحكم وهي العمالة لهم .

يقول البعض أن أمتنا مثل اليتيم وحيدا يتعاون عليه الداخل والخارج ، وأقول : لا ، لأن أمةً فيها شباب مخلص واعي ـ مثالا لهم شباب تونس ومصر ـ لم ولن تكون يتيمة أبدا وأن تكالب عليها الأعداء والخونة .

·   هذا هو حال الحُكام المستبدين ، يرى الكثيرون أن مبارك الآن يسعى أن يخرج بكرامة وليس خروج ذليلا من السلطة ، لأنه ـ كما يرى ـ قدم الكثير لمصر وأنه من هذا الشعب .

يريد أن يخرج بكرامته ونسى أنه أنتهك من كرامة شعبه وأمته الكثير ، أن كان يظن أنه ذا فضل على الدولة ، فغبي من يظن أن ما يفعله من أجل الوطن يجب أن يأخذ مقابل له ، أو من يظن أن قيامهُ بواجبه فضل منهُ و منَّة على الوطن ، لأن ذلك واجب هو ملزومٌ به بحكم أنه مواطن ، وبحكم موقعه كموظف في هذه الدولة يجب عليه القيام بواجبه ومسؤولياته ، فهو أيضا لا يعمل مجانا ، بل يتقاضى عليه أجراً ليس بالبسيط ، هذا عدا المميزات المالية و الوجاهة التي يمنحها له ذلك المركز.

يقول مبارك أنه سيطلق الحقوق والحرية ، ها هو منع قناة الجزيرة وأخرجها من مصر ، نحن لا ننكر مدى انحياز ( الجزيرة ) وحماسها المفرط مع الثوار ، لكن الديمقراطية ـ المزعومة ـ تقتضي أن لا تتخلص من الأخر أن كان يُخالفك ، بل أن تتعامل معه بالدلائل والحجج وأساليب حضارية أخرى . لكن الكبت والقمع عادة تسري في دماء هؤلاء المستبدين ، فالسجن والبلطجة والقتل والاغتيالات هي وسيلتهم الأزلية .

• أولئك الذين أعماهم قصر بصيرتهم وأمنوا بقول الإعلام الرسمي فلم يمدوا بصرهم ليروا تبذير الحكومة لأموال وموارد الأمة ، ولم يروا مدى غياب القانون والعدالة الاجتماعية ، وإهمال الحكومة في أداء واجبها ، و الهالة العظيمة التي يرسمها الأعلام ـ الكاذب ـ حول الحُكام حتى كادت أن تجعل الحاكم ( إله )  يُعبد من دون الله . وتزيف الوعي وتميع الأخلاق ونشر الفساد وتهكم بالدين .

• هل يتعلم الحكام الدرس من تونس ؟

بالتأكيد لن يتعلموا ، أنما سيتعلمونه فقط في كيفية منع خروج الشعب وليس في كيفية امتصاص غضبه .

يقول فهمي هويدي وهو مفكر إسلامي وشخصية معتبرة ليس في مصر وحدها بكل في كل الوطن العربي : ( وحين سألني أحد المراسلين الأميركيين عن أوجه الشبه بين مصر وتونس والجزائر . قلت إن بينها أربعة قواسم مشتركة على الأقل هي: استمرار احتكار السلطة ، وانتشار الفساد ، والتغريب وفقدان الهوية ، والدوران في فلك السياسة الأميركية . وهي أمور يطول فيها الحديث ويضيق بها المكان ) .

أعي جيدا مخاوف البعض من المستقبل ، ومن التدهور الذي قد يحل إذا ما انفرط العقد ، لذا تجده من فرط ما هجم عليه الخوف والتبلبل تجده يُطلق الكلام جوادا جامحا بلا لجام . لكن ـ صدقوني ـ لم يكون ولن يكون الحاكم الفاسد هو سفينة نوح للشعب والوطن . لكني لا ألوم المتخوفين المترددين فالليل حالك والعجاج قاتم و البصيرة خدرها الخوف . يقول بن جونسون : " أكبر جحيم أن يكون المرء سجينا للخوف " .


[1] - النحل34
[2] - البقرة 275
[3] - المنافقون 4
[4] - الأنفال 48