الثلاثاء، 10 ديسمبر، 2013

دعوة للبناء


( العمل و العمل والعمل طالما أن أحد
 لن يمد لك يد العون و المساعدة )

تشيخوف ،  أديب و كاتب روسي .



"الراحمون يرحمهم الله " نرددها ، لكن هل نؤمن بها ؟  ( الإيمان ) بالشيء يقتضي ( العمل به ) ، فأنت أن أحببت شيء ما ، وأمنت به فإنك لا شك ستمارسه ، كذلك الحب و الرحمة ، فأنت أن أحببت إنسان سعيت للوفاء له بالأفعال و ليس بالكلام فقط ، ستسعى لإسعاده بأفعال تنتج حسب مقتضى الموقف ، أن كنت تؤمن بالرحمة فإنك سترحم حتى الدواب وتشفق عليها من موقف قد تتعرض لها تلك الدواب ، فمثلا أن وجدت قط يكاد يغرق فأنك من رحمتك له ستسعى لمساعدته و ليس فقط التفرج و الندب على حالته .

أنظر حولك هناك من يحتاج لك ، هم أخوانك في الوطن و في الدين و في الإنسانية أن لم يكونوا أخوان في الدم ، ضع نفسك مكانهم ، صدقني أن لم تجرب يوما ما ماذا يعني أن تكون جائع و لا تجد ما تأكله فلن تفهم مدى قسوة ما يعانون ، أن لم تجرب سياط البرد القارس  و أنت لا تجد ما تتدفىء به أو تلوذ به عنه فلن تفهم معنى قسوة البرد بلا دفئ ولا ملجأ .

لي مقترح بسيط لكنه فيما لو عملنا به بإخلاص و إجادة فإننا سنحقق نتائج عظيمة ، ستكبر تلك النتائج مع الوقت و تصبح إنجاز يحتسب لنا كأخوة و أحبة في هذا الوطن العظيم ، بعيدا عن المتخاصمين على غنائم الوطن و الذين يسعون دوما لتفريقنا . كل ما نحتاجه هو العمل الصادق و الجاد و المخلص ، العمل ليس لأجل ( التداول الإعلامي ) أو ( تحقيق شهرة ) ، فكم هو قبيح أن تفعل الخير لأجل أن يزداد رصيدك الجماهيري ، أو لأجل ( كسب مصالح ) مادية أو معنوية . عمل الخير لأجل الخير ولأجل الله يجعل البركة تعم الوطن وتعم الأفراد فوق ما تتخيلون .

المقترح ببساطة[1] هو  أن كل قرية مثلا أو كل حي من الأحياء في المدن يتم اجتماع أهلها على اختيار ( شخصية ثقة و  تتصف بالأمانة )  ليكون هو أمين الصندوق ، ويتم جمع التبرعات لدية ، بحيث يتوجب على كل فرد دفع ( دولار أمريكي واحد ) كل شهر للصندوق ، وعليه الالتزام بهذا شهريا .

تخيل لو أن كل قرية بها ( ألف شخص ) ، هذا يعني أن شهريا يمكننا جمع ( ألف دولار شهريا ) و هكذا ، المبلغ زهيد ، و لكن كما تقول العرب ( الذود للذود أبل ) .

يكون دور الأمين على الصندوق ـ ومعه أناس آخرون يتم الاتفاق عليهم ـ اختيار طريقة لتصريف المال ، مثلا :

·       أن وجدت جمعية لرعاية الأيتام أو الفقراء في نفس المدينة ، يتم التبرع بأموال الصندوق لها شهريا .
·   أو العمل على إحصاء الفقراء ونوع احتياجاتهم ، و البحث عن سبل تكون مصدر رزق للفقراء بدلا من الاكتفاء بمدهم بالمعونات الشهرية ، وكما يقال : أن تعلم الإنسان الصيد خير له من أن تعطيه كل يوم سمكة .
·   في بعض الدول العربية يحتاج الأطفال للمال ليستطيعوا مواصلة دراستهم في المدارس ، ويحتاجون لشراء الكتب المدرسية ومستلزمات المدرسة ، نحتاج جدا لدعم هؤلاء الأطفال ؛ لأن الوطن بحاجة لمواطنين أقوياء بالعلم والمعرفة ، وبناء العقول ، كم يؤلمني منظر الأطفال الذين يضطرون للعمل وترك الدراسة ، ليس لأجل نظرية عدم تمتعهم بالطفولة ، فلا يوجد مفهوم محدد للمتعة ، ولكن لأن هؤلاء سينتجون في المستقبل جيلا أميا ، و ربما جيلا من المتسكعين و المتشردين الذين يكونون عبء ثقيل على الوطن من نواحي عديدة .
·   أن كان المبلغ الذي يتم تجميعه جيد لدرجة يمكن معها تأسيس مشاريع وقفية يعود ربحها لصالح الصندوق فهذا سيكون أمر جدا رائع ، لكن المشاريع هنا نحبذ أن تكون مشاريع من النوع المضمون الذي لا يتعرض للمخاطر الاقتصادية الكبيرة ، مثلا المشاريع العقارية ، هي مشاريع آمنة من نواحي كثيرة ، وربحيتها شبه مضمونة . ثم بعد ذلك يتم تحويل عوائد هذه المشاريع للصندوق مع استمرار مساهمة الناس في الصندوق طبعا ، وهكذا نحقق دخل ثابت و مستمر و كبير للصندوق يمكن توجيهه لإصلاح حال فقرائنا بطريقة أكثر مثالية وكفاءة .
·   في بعض الأحياء أو القرى يكون عدد الفقراء قليل جدا ، أو ربما معدوم ، هكذا يتم تحويل أموال الصندوق للأحياء التي بها فقراء ، فلا نقول أن حينا أو قريتنا ليس بها فقراء و نكتفي ، لا ، فإن لم يكن حولك فقراء فإنه يوجد فقراء في مكان أخر في وطنك .
·   أن أمكن البحث عن حلول جيدة لإيواء الأطفال المتشردين و النساء ، وهؤلاء لهم الأولوية في الإيواء ، بأن يتم إنشاء ( دار ) لهم  بدلا من تركهم للنوم في الشوارع أو المقابر. وعندما أقول ( إنشاء دار ) ، أنا هنا لا أتحدث عن أنشاء ( سجون ) تحت أسم ( دار أو مأوى ) ،  فكم هو قبيح التحكم بالإنسان الذي سلبه القدر أمكانية العيش بعزة نفس وكرامة ، نحتاج لمأوى يكون بمثابة ( بيت ) يملئه العزة و الدفء و الكرامة ، هذا ما أعنيه بالضبط . لا استغلال فيه ولا قهر ولا تحكم لؤلئك الذين سلبهم القدر نعمة الحياة الكريمة .
·   في مرحلة متقدمة يمكن صرف هذه الأموال في مساعدة الناس الذين يحتاجون للعلاج  و ليس لديهم إمكانيات مادية كافية .


هذا مقترحي البسيط أحبتي الكرام ، و من له أضافه فمن الجميل تعريفنا بها ، ليعمل كل منَّا عليها من موقعه ، ومن بلده . تخيلوا معي أيها الأحبة لو أن كل قرية و كل حي من الأحياء أو كل مدينة من المدن تفعل هذا الأمر ، سوف نستطيع تقليص ( الفقر و الجهل و التشرد ) من أوطاننا ، و سيستطيع كل منَّا مهما كانت مكانته الاجتماعية أو وضعه المادي في المساهمة في أعمار هذا الوطن عبر ( تعزيز مستوى الإنسان ) فيه . وبهذا نستطيع بناء وطن سليم الجسم .

الجوعى في أفريقيا يحتاجون مساعدة ، و في باكستان وأفغانستان ، لكن علمنا ديننا أن  ( الأقربون أولى بالمعروف ) ثم الأبعد ثم الأبعد . لأننا هكذا سنكون أقوى في منح الخير لأخوتنا في الدول الأخرى . أما غير ذلك فهي كالفاكهة  النضِرة الجميلة المنظر الخارجي لكنها من الداخل خاوية  و جوفاء .

 كثيرا ما أجد أن السعي للأعمال ( التطوعية  و الخير )  يتم الترويج له  وحصره غالبا  لـ ( ذوي الاحتياجات الخاصة )  أو ( المرضى ) ، بينما يترك ( الجوعى ) و ( المشردين ) ، و رغم أيماني بحق  أولئك لكني أيضا أؤكد على حق هؤلاء ومدى خطورة وضعهم الإنساني وكذلك وضع الوطن معهم .

 وأني أدعو أخوتي الذي منحهم الله نعمة المال أو الوجاهة و المشاهير أن تكون لهم زمام المبادرة بين جمهورهم ومريديهم و أتباعهم ليكونوا قدوة خير ، و أتمنى من كل قلبي أن لا يكون فعلهم للخير لأجل زيادة أتباعهم أو لأجل زيادة شهرتهم ، بل لأجل حب الله ، وحب البشرية ، فوالله ليس ( أرقى ) من إنسان يعطي ( لوجه الله ) . و ليس أوفى من الله سبحانه في جزاء الإحسان بالإحسان .

للأسف هناك ( بعض ) من الناس ـ ولا نعمم ـ  لا يعطون إلا ( رياءً ) ، وكم هذا قبيح ، ليس بسبب الرياء وحده ، ولكن لأن هذا الإنسان  ( يقتات على كرامة ) غيره ممن سلبهم الله نعمة العيش بكرامة  و عزة نفس ، وجعل لهم حاجة في أيدي الناس . ولا يعلم هؤلاء أن الله ديان .


أخيرا أيها السادة الكرام ..

لنترك السجالات المذهبية لعلماء الأمة لان دخول العامة فيها تحلق الدين ، و اهتم  أنت  بطاعتك و رفع شأن نفسك من ناحية دينية و تحرى الحق ما استطعت .

لنترك السجالات السياسية فإنها تحرق الوطن ، الحمقى يتقاتلون و اللصوص السياسيون وحدهم ينعمون بالغنائم  و الأمان ، و بين الاثنين وطن يحترق ، و مواطن مشرد ، و جائع  ، و خائف .

دعوا الساسة يصفون حساباتهم بين بعضهم ، فلينزلوا هم وأبنائهم للشوارع ليتقاتلوا بعضهم بعض ، ولينزل أهل الشقاق المذهبي ليناظروا بعضهم بعض إلى أن يتوصلوا لقرار حاسم يؤكد من منهم ستكون له الجنة ومن سيكون في النار .

و تعالوا نحن أبناء هذا الوطن لنبر به ، لـ ( نبني )  بدل من أن ( نبكي ) ، لـ ( نعمل ) بدلا من أن ( نشجب ) ، لـ ( نتعاون ) بدلا من أن ( نتناحر ) . لـ ( نطرح الأفكار )  بدلا من أن ( نتلاسن بالسب و الشتم وحصد الآثام باللسان  ) في جدالات عقيمة ، لا يمارسها إلا الجهلة  ، وصغار العقول .

لأن أولئك الساسة و المتعصبون مذهبيا و سياسيا وطائفيا حالنا معهم مثل الذي نشبت في بيته حريق ، فبدلا من أن يتركوك لتطفىء الحريق فإنهم يقومون بنشب خلاف و شجار  ليشغلوك بفك الشجار بدلا من أن يتركوك  تطفىء النار . و بعد أن تنتهي من فض عراكهم و شجارهم ـ الذي يستمر في التفرع  ـ  ستنتبه أن البيت قد صار رماداً ، و لات حين مندم .


أيها السادة ..

دعونا من النقد لأجل النقد ، فليس أسهل من التفلسف ، و دعونا من التذمر و الشكوى و تحقير الذات و الوطن ، لأنها عادة العاجز الذي يبحث عن ( شماعة ) يعلق عليها فشله ، و دعونا من تأييد أهل الشقاق و النفاق .

 ما نريده حقا هو ( البناء ) . و العمل ، ثم العمل ، ثم العمل ، فالوطن يكون بالمواطن وليس فقط بالحكومات ، وتذكروا أنه ( كما تكونوا يولى عليكم ) .





[1] - لقد سبق أن اقترحت ذات المقترح في مقالات سابقة ، وفي كتابي ( تأملات مواطن عربي .. )  .

الجمعة، 4 أكتوبر، 2013

كونوا ضيوف كرام على الحَرَمْ




 ( كان التأمل الروحي يعوز ذلك المكان الذي يتوقع المرء
أن يجده فيه . فكان عليه أن يلتمس ذلك الجو في صميم نفسه )

مهاتما غاندي ، الرئيس الهندي الأسبق .

مكة حماها الله



أن قصدتُ بيتكَ و حللتُ ضيفا عليكَ ، فأنك بلا شك تتوقع مني سلوكيات و آداب معينة ، أحترم فيها ضيافتك ، و أتخلق فيها بآداب الضيافة أو ( الزيارة )  و أخلاقها . و  كل إنسان منَّا يطالب ضيوفه بمثل هذه الأمور . قد لا نطلبها بشكل صريح ، لكن هذا ما نتمناه فعلا ، و ننزعج كثيرا حين يكون الضيف غير مهذب ، أو أنه لا يحافظ على النظافة أو أنه مزعج و غيرها من الأمور .

هذه قواعد عُرفية يتداولها البشر ( ضمنيا ) بدون أتفاق مبرم ، و يسعى كل منَّا لتطبيقها حسب أخلاقه و تربيته التي نشأ عليها ، لأن سلوكنا يعكس ـ بلا شك ـ تربيتنا و أصلنا و أخلاقنا . في المقابل نحن نطالب ضيوفنا أن يمارسوا تلك الآداب .

هذا بيننا نحن الناس ( العاديين ) ..

 لكن كيف لو حللت في ضيافة ( ملك  أو سلطان  أو أمير )  ؟؟

بلا شك فأنت ستنتهج أسلوبا أكثر صرامة لتطبيق تلك الآداب في حضرة ذلك الملك أو ذلك السلطان أو ذلك الأمير .  ستحرص أن لا ترتكب أي إزعاج أو سوء أدب أمامه ، و أن لا تسيء  له ولا للضيوف الذين يحضرون مجلسه معك ، و أن لا تنشغل بالعبث بهاتفك أو بأي شيء آخر . أليس هذا صحيح ؟؟ .

إذن ،، ما بالك بـ ( ملك الملوك )  ، و أنت تحضر ضيفا عليه ؟؟؟

أليس أجدر بك أن تمارس ( آداب الزيارة )  بكل تفاصيلها ، و بصرامة أشد من صرامة ممارستها في ضيافة ( ملوك ) البشر ؟؟

تصبح ( مكة ) ـ حماها الله ـ  في موسم الحج  ممتلئة  بالأوساخ  و القاذورات بسبب مخلفات الحجاج . و في مواقع أداء المناسك  يقوم الحجاج بالتدافع الشديد بينهم ، ورفع الأصوات في الدعاء و التسبيح و التلبية و التهليل ، أو بقراءة القرآن بصوت مرتفع تُفقد الإنسان تركيزه و تجعل ( الخشوع ) مسألة صعبة بعض الشيء .

 كل ذلك هو ( سوء أدب ) في حضرة مُضيفك العظيم . ليس في تلك السلوكيات مراعاة لآداب الزيارة  و الضيافة  أبدا .

تبذل ( الحكومة السعودية ) مساعٍ جبارة لرعاية ( ضيوف الرحمن ) ، و هناك خطوات نتمنى أن تقوم بها مثل إزالة كل متاجر بيع الهدايا التي حول الحرم ، و الاكتفاء فقط بالمطاعم و محلات الحلاقة . و المحلات التي تبيع الاحتياجات الضرورية . لأن وجود تلك المحلات تسبب زحاما كبيرا في الشوارع .

مساعي الدولة و حدها ( لا تكفي ) لجعل موسم الحج موسما ( روحانيا ) بامتياز ، و ليس موسم سياحي أو تجاري . لذا يجب أن يكون ( الحاج مؤدباً ) . و هدفه من سفره هو ( العبادة ) و ليس أي شيء أخر .

أنت لا تسافر من بلدك تاركا أهلك خلفك لتذهب لـ ( مكة ) لتجني ذنوبا ، فهناك الذنب مضاعف و الأجر مضاعف ، أنت تسافر هناك لـ ( ترفع رصيد حسناتك ) ، لتريح روحك من متاعب الدنيا ، للتواصل مع ( ربك ) بعيدا عن المغريات . لتمحوا السيئات التي جنيتها فيما مضى ، أو لترقع ما قصرت فيه في جناب ربك بدون قصد منك .

أجعل سفرك هذا  (  سفرا روحانيا ) ، سفرا للقاء الحبيب العظيم و نبيهِ الكريم ، لتريح روحك بلقائهِ و قربهِ ، لتمحي خطايا جنيتها في ما مضى بقصد أو بغير قصد ، علمتها و لم تعلمها . لتسد خلل تقصيرك في طاعتهِ ، ليكون هدفك السعي بكل ما يمكن لترضي حبيبك .

إلا تخجل حين تلقي القاذورات ، و الأكياس و بقايا الطعام  في الأرض ، ألا تستحي من ربك الذي نزلت ضيفا عليه في أرضه المقدسة ؟؟

ألا تخجل حين تكون أناني تدفع الناس حولك لتبلغ هذا المكان أو ذلك فتسبب أذى لإخوانك المسلمين ؟ وقد حرم الله أذية عباده بأي شكل من الأشكال .

ألا تخجل حين تكون أنانيا فتتعلق بالباب و الملتزم وتمكث متعلقا وقتا طويلا تحرم غيرك من بلوغه ؟ و قد جاء كل منهم في فرصة ربما لا تعوض ليعود لزيارة هذه الأرض الطاهرة مرة أخرى ،

 ألم يعلمنا نبينا الحبيب ( حب لأخيك ما تحب لنفسك ) ؟

إلا تخجل حين تكون أناني وترفع صوتك بغير داعٍ  بالدعاء و العبادة بصوت عالٍ كأنك تنادي أصم بعيدا ، و ليس سميعا قريبا  ؟؟ . فتؤذي أخوانك و تشوش عليهم فلا يستطيعون الخشوع .

إلا تخجل حين تنشغل بالتصوير بهاتفك أو العبث به  أو الحديث و الثرثرة في غير داعٍ  بدلا من استغلال كل دقيقة بل كل ثانية بالخشوع و الصلاة و قراءة القرآن و التأمل و الذكر في تلك الأيام المباركة  ؟؟

ألا تخجل حين تقصد النزول ضيفا على ربك ، بينما قلبك تملئه أوساخ الدنيا ؟ كرها لهذا ، وعداوة لذاك ، و نصبا و احتيال على أولئك ..  أو  أخذ حقوق الناس .

حين تنزل ضيفا على إنسان لابد أن تكون نظيف الثياب ، و حين تنزل ضيفا على ربك لابد ( أن تكون نظيف الثياب و القلب و اللسان ) .

أجعل وقتك في تلك الديار ( كلهُ  ) لله ،  (  كلهُ )  ما استطعت .

يا ضيوف الرحمن ،،

أنتم لا تحتاجون لـ ( كتب الدعاء ) لتقرءوها أنتم و تطوفون و أنتم وتسعون ، بل تحتاجون إلى قلب نقي طاهر ، ( يحب الله ) و في  ( لقاء المحبوب )  نحن ( لا  نحتاج ) أن نقرأ ما يجب أن نقوله له ، بل أن ( القلب ) وحده يأمر اللسان فيلهج بما يُكِنُّهُ ، فيعبر عن حبه لمحبوبهِ ، ويشكوا له همه وحزنه . فتسمو روحك بروحانية متألقة تسمو إلى أن تكاد تلامس السماء ، فتمسح رحمات السماء على قلبك المضني بالحب و الألم و الأحزان ، فتزيح الهموم وترفعك في المنزلة ، و تبلغك مقامات حميدة ، و تحميك من هموم الدنيا وتزيح دخان الهموم العالق بالقلوب ، وتطهر النفوس من رجس الآثام و الخطايا .

سافر ليبت الله ( من أجل الله وحده ) ، فكر فيه هو ( وحده ) ، أشتاق له هو ( وحده ) ، وأزح من خيالك و من تفكيرك كل الدنيا ، ستجد أنك عدت من سفرك غانما بغنائم عظيمة تخص الدنيا و الآخرة .

لا  تسافر ( له ) لأجل الدنيا ، لأنك ستعود خائبا ، كما عاد بخُفيهِ حُنين .

أحترم عباده  و أفسح لهم يفسح الله عليك ، ساعدهم يساعدك ، أنه يحب عباده كثيرا ويحب من يحبهم ، و يرفق بها ، و يرحمهم ، و يساعدهم ، وأنه خير من يكافئ الحسنة بالحسنة . و خير من يحفظ المعروف الذي تقدمه ( لأجله ) و ( فيه ) .

عَبِّر عن ( حبك له ) هناك في كل خطوة تخطوها ، في كل نفسا تتنفسه ، بأفعالك وأقوالك و بالتعامل مع كل ما حولك هناك من بشر ودواب و جمادات ، لأنها ضيفة تحضر معك في حضرة ( ملك الملوك ) ، وعارٌ عليك أن تسيء لها .

أن غفلةَ عن أن الله  ( موجود معك ) ويراك فأنك عندها ـ لاشك ـ ستسيء الأدب في ضيافته ، لكن أن استشعرت وجوده ، وتيقنت أنه يراقبك فستحرص على كل فعل حميد و قول حميد ، بل ستغرق في العبادة و الطاعة  بانتشاء .


طلب ، بل هـو  رجاء ،،

أن كنت سبق لك السفر للحج ، أكتفي بتلك السفرة ، ودع المجال لغيرك ليصل لتلك البقاع الطاهرة ، فهي أمنية يتمناها كل مسلم ، فلا تحرمه .

ولا تسبب الزحام بـ ( تكرار السفر للحج ) ، لأن ذلك الزحام يؤثر على نفسيات الحجاج ، وعلى خشوعهم و على صحتهم ، لأن فيهم العجوز و فيهم النساء .

أن ( صَدَقَتِكَ )  في العشر أيام من ذي الحجة أعظم بكثير من ( تكرار الحج ) بعد الحجة الأولى ، فإن النبي  قال: ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام )  يعني أيام العشر . قالوا: يا رسول الله ! ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ( و لا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك شيء ) ، لذا تصدق بها تنال القربى بفعلك مرتين :

•       مرة لأنك  ( أفسحت ) لغيرك ممن أراد الحج لبيت ربه  .

•       ومرة لأنك ( تصدقت ) على عباده فأدخلت فيهم السعادة و البهجة .


 أحتسبها لله ، و الله ستجدهُ يعبر لك عن امتنانه و حبه فوق ما كنت ستجنيه من حجة ثانية فليس مثله شكور  . أفعلوا كل شيء لأجل الله ، فسيأتيكم بأضعاف ما كنتم تتوقعون و تحتسبون .

أن كنت لن تنزل ضيفا على الديار المقدسة ـ حفظها الله وشرفها ـ هذا العام ، فأنصح بما قرأته هنا من سينزل ضيفا على تلك الديار الطاهرة ، فسيأتيك الله أجرها وأجر من عمل بها بإذن الله .


الثلاثاء، 1 أكتوبر، 2013

نقطة تقاطع الفساد في الوطن




( لا تبحث عن عيوب الجيش داخله ،
 و إنما أبحث عنها في المجتمع )

إليكس دي توكفيل ، سياسي و كاتب فرنسي .





ما هو الوطن بالنسبة للكثيرين ؟ للأسف الموضة الحالية تقول : أن الوطن هو دولة تقوم ـ كالأم ـ بكل شيء ، ولا يحق لها أن تفطم أولادها ، ولا تستحق الاحترام منهم ، فقط تستحق التعالي و التطاول عليها . و رفع الصوت .

هذا النوع من المفاهيم لا نريده ، ولتذهب الوطنية للجحيم أن كانت كذلك ، الوطني الصادق هو إنسان صاحب مبادئ و أخلاق رفيعة ، مبادئه هذه ( تبدأ منه هو ) ، يطبقها على نفسه ، يثور ضد نفسه أن قصرت ، يحاسبها أن توانت ، ثم يسعى أن يكون ( قدوة خير) ، و يد بناء في وطنه . يعلم أنه ـ مهما كانت منزلته في وطنه ـ ذا أهمية ، وأنه ذا تأثير في وطنه سواء بالسلب أو الإيجاب في وطنه . ما يطالب به لابد أن يطبقه على نفسه أولا هكذا كان نبينا صل الله عليه و سلم .

 حتى ذلك الهندوسي الشهير  المهاتما ( غاندي ) ، لم يلقبه أتباعه و مريديه باسم ( مهاتما ) إلا لأنه جدير بها ، كان يبدأ بنفسه ليعلم أتباعه ، لأن القضية بالنسبة له كانت أخلاقية وقضية مبادئ ، لأنه إنسان صاحب فكر ، و صاحب ضمير حقيقي . أتته امرأة في أحد المرات ، ومعها أبنها الصغير ، وطلبت من المهاتما أن ينصح أبنها عن أكل الحلوى ، فقال لها غاندي : أرجعي لي بعد شهر . أخذت أبنها وذهبت ، وثم عادت بعد شهر إليه ، فأدني الطفل منه ، وقال : بني لا تأكل الحلوى . فتعجبت المرأة منه و غضبت ، قالت : أنتظر شهر كامل لتقول هذه الكلمات فقط . فأجابها بروحه السمحة الحليمة الحكيمة بأنه كان قبل شهر يحب أكل الحلوى ، وقد توقف خلال هذا الشهر عن أكلها ، ليتسنى له نصح الطفل بصدق .

أرأيت كيف يتعامل هذا ( الهندوسي[1] )  الشريف ، صاحب الروح العظيمة ، لا ينهَ عن ما يفعله ، و يعمل بجهد حتى يكون ( قوله )  متناسب مع ( فعله ) ، مبادئه تبدأ منه ، ولا يبحث عن مبررات لنفسه . أما معلم البشرية العظيم ، محمد ـ  صل الله عليه و سلم ـ  فهو أبلغ و أعظم سموا ، فهو محمد المحمود في السماوات و الأرض وهو قدوة عظيمة في هذا  . يقول أبي الأسود الدُّؤلي :

                                       لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتَأتيَ مِثلَهُ
عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتُ عَظيمُ

ابدأ بِنَفسِكَ وَانَها عَن غِيِّها
فَإِذا انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيم


أن كنت ( وطنيّ بصدق ) فدعنا نتحدث بصراحة ، الحقيقة تقول أن الحكومة فعلا مقصرة ، ومقصرة كثيرا . لكننا أيضا نساهم في أسلوبها اتجاهنا ، و نساهم في الوضع المزري في الوطن ، أنا لا أدافع عنها لكني أوضح نقطة يحب الغالبية تجاهلها ، و النظر لقضية الوطن بعين واحدة فقط . و الحقيقة أنه يتقاطع الفساد من فوق و من تحت ،  فكيف يزدهر الوطن ؟

من حق المعلمين أو غيرهم أن يقوموا بإضراب أن لم يكن هناك وسيلة أخرى لرفع الظلم عنهم غيرها ، ( مع أني بصراحة ضد الإضرابات و ضد الاعتصامات ، لما لها من ضرر كبير نحن في غنى عنه ) . لكنها حاليا موضة . ومادام أغلب الناس ليسوا أصحاب فكر مستقل ، و هم  مجرد مقلدون ، و مادامت الصفوة قليلة ، فلن تستطيع تغيير الموضة إلا بموضة أخرى تصرفهم عن الأولى .

القضية بطبيعة الحال يشترك فيها طرفين : الحكومة ( ممثلة في وزارة التربية و التعليم ، و مجلس الوزراء ) ، و العاملين في الوزارة ( ممثلة في  موظفي الوزارة الإداريين  و المعلمين ) .

بخصوص الوزارة ، فالحديث يطول وليس هنا مقامه ، و لنا معه وقفة أن شاء الله في وقت آخر . و لكن باختصار نقولها أن الوزارة تحتاج أعادة هيكلة كاملة ، و عمل تصفية لموظفيها ، على الوزارة أن تتخلص من 40% من موظفيها الإداريين الذين لا فائدة منهم وهم نوعين : نوع هم أصحاب عقول جامدة و عقيمة  لا ترقى لما تطمح له البلد ، و الثاني يمثلون بطالة مقنعة . كما أن الوزارة تحتاج للتخلص من 10% من المعلمين المهملين و المستهترين ، و عدد كبير منهم يحصلون على ( أجازات مرضية كاذبة ) باستمرار لذا فمن الجيد أن تريحهم الوزارة من البحث عن الكذب و التزوير . و على الوزارة أن ترسي على بر فيما يخص المنهج ، ويكفي هدرا للأموال في مجال طباعة المناهج .

لنعود الآن للمُضْرِبين عن العمل . أقول مادام هناك مظلوم لا يمكنه بلوغ حقه إلا بهذه الوسيلة فليس إذن أمامه إلا أن يقوم بها ، لكن أتمنى من كل قلبي أن يكون هذا المظلوم من جهته غير ظالم ، و عليه أن يمنح العدالة كما يطالب بها .  بل و قبل أن يطالب بها . فمن يطلب العدل عليه أن يكون هو أيضا عادل .

ليُضْرِب الصادق ، وليبتعد أصحاب الضمير الضعيف ، أولئك الذين يلفقون الأجازات بين أجازة اضطرارية كاذبة ، و أجازات مرضية مزيفة لأنه طفشان من التدريس ، أو لأنه حاب يسافر ، أو لأن زوجها مسافر فهي تحب أن تتبعه ، أو لأن لها أولاد لا أحد عندهم أو لأنها تريد أن تتزوج وتسافر شهر عسل أو أنه يريد أن يتزوج ويذهب لشهر عسل و غيرها من الأسباب التي لا ذنب للطلاب فيها ، كل ذلك لأجل أن يحصلوا على الإجازة دون أن يتم ( خصم الراتب ) أو إيقافه ، فأي معلم هذا ؟ و أي مربي أجيال هذا ؟ الذي يرضى بالحرام . إلا يعلم أن هذا غش و تدليس وسرقة لأموال الدولة و فساد أيضا  .

بعض الناس يظنون أن الفساد هي أن تسرق المبلغ الفلاني وتحوله على رصيدك ، وما عرفوا أن للفساد ( وجوه كثيرة ) ، أين الأمانة و الضمير ؟ تسوقون الكثير من المبررات لتخدعوا أنفسكم و تخدعون الناس ، 

فهل تظنون أنه يمكنكم خداع الله ؟

لا حول ولا قوة إلا بالله .

و ليبتعد المعلمين الذين لا يتمتعون بأخلاق وسلوكيات راقية تليق به كمربي أجيال ، أناس تخجل بصدق من وجودهم في هذه الوظيفة ، و ليبتعد الذي لا يعلم طلابه بأمانة وضمير ويرتقي بعقولهم وفكرهم ، و لا يؤدي وظيفته بضمير و يتهرب من مسؤولياته ، و ليبتعد المعلمين أصحاب الأسلوب السوقي المتدني لأنهم فعلا لا يستحقون هذه المكانة .

عدد كبير من المعلمين يتحايلون الحيل لأجل أن يخرجوا من دوامهم قبل انتهاء وقت الدوام مهملين بذلك حقوق  الطلاب ، و يقصرون  في أداء وظيفتهم ، يكذبون ويزيفون لأجل الحصول على أجازات لا حق لهم فيها ليضمنوا أن لا يتم قطع رواتبهم ، فأين هم من الله ؟ . ( هناك كثير أيضا من الموظفين في مؤسسات  الدولة يفعلون نفس هذا الأمر و ليس فقط المعلمين بينما يطالبون برفع الرواتب وغيره ) .

أعلم أنك ستنبري تدافع عن نفسك ، لكن قف و أنظر نسبة المعلمين الذي لا يليقون بمقام معلم . المعلم الذي ( يفحط ) و الذي يدخن  ، و الذي لا يتمتع بحس مسؤولية في تربية و تنشئة هذه الأجيال ، و المعلم الذي يتحدث عن الضمير متجاهلا أنه أخر شخص يعمل بضمير لكنه ينزه نفسه زورا ، و المعلم صاحب الفكر البسيط جدا ، و الذي لا يرقى لمستوى هذه المكانة الراقية ( مكانة المعلم ) . و المعلم صاحب الأسلوب السوقي ، و اللسان القذر .

 قلة قليلة هم المعلمين الذين يستحقون الاحترام ، الذين يعملون بضمير و أمانة ، و الذي يتمتعون بشخصية حكيمة مثقفة ونفس طاهرة و حس عظيم بالمسؤولية تجدها تتجسد في تصرفاته و في كلامه و في أعماله و في لباسه .

أن كنت أيها المعلم تتعامل مع مهنتك ( الخطيرة ) من منطق ماذا أعطتني الحكومة ؟ و كم سيكون الراتب ؟ و ماذا سيعطوني مقابل عملي ؟ فأنت للأسف لا تصلح أن تكون معلم ، لكن تصلح أن تكون سمسار أو ( دلَّال ) في السوق .

أي جيل هذا الذي سينتجه هذا المعلم ؟

من حقك أن لا يتم بخسك حقك ، و من حقك أن تحرص على رزقك ، لكن ليس بذاك الأسلوب . ليس بأسلوب السماسرة . فمهنة ( التعليم أرقى ) بكثير من السمسرة .

تستطيع أن تسوق لي الأعذار ، لتبرأ نفسك ، لكنك ستكذب على نفسك فقط ، لأن الواقع يعطيني جواب آخر . المصيبة أن عدد ضخم من المعلمين لا يحاسبون أنفسهم ، وأن تحدثت إليهم تجدهم يسوقون المبررات و الأعذار ليبرروا ما يفعلونه ، وفي الحقيقة كلها أعذار أشر من الذنب نفسه . و تجدهم يحولون الكلام لاتجاه أخر و كأنه هو ليس ضمن المجموعة السيئة . للأسف فالذي لا يملك روح نقية لن يحاسب نفسه ، ولن يلتفت لأخطائه ، و  يحب أن يكذب على نفسه بأن تصرفاته الخاطئة هي صواب و مبررة .

هكذا يلقي الشيطان مواعظه على أتباعه .

المعلم مثل شيخ الدين ، أخلاقه هي أساس مهنته ، و حياته الشخصية ترتبط برسالته برابط وثيق ، كل همسه و كل نفس يخرج منه لابد أن يتمتع بحس مسؤولية عظيم ، لأنه تحت أعين الناس و بصرهم ، أن سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها ، وأن سن سنة سيئة فله وزرها و وزر من عمل بها  . أن كنت لست كفئ فدع التدريس عنك ، ولا تلوث هذه المهنة الشريفة . أن كنت تبحث عن راتب بدون جهد فأذهب أبحث عنه بعيدا عن التعليم .

التعليم مهنة خطيرة أخطر من الطب ، لأن الخطأ الطبي قد يتأثر به شخص واحد أو أشخاص محدودين ، بينما خطأ ( المعلم )  يؤثر على وطن و أمة كاملة ، يبقى أثره أجيال . أفلا تتقون الله ؟!.

لو يحاسبون أنفسهم ، لو يعملون بضمير .

صاحب المبادئ يطبقها على نفسه أولا ثم يطالب بها الآخرين ، و إلا كان كالحمار الذي يحمل أسفارا . احترم كثيرا الشخص الذي يعي أهمية ( موقعه في الوطن ) ـ مهما صغر أو كبر ـ فيعمل بضمير و يعلم أن الوطن يبدأ منه .

أكثر من يمكنك أن تشفق عليه هو إنسان يظن أنه لا يخطأ أبدا ، و إنسان لا يحاسب نفسه بضمير صادق ، يرى خطأ الآخرين ولا يرى أخطاءه أبدا . لا يمكن أبدا أن يقتنع أنه على خطأ . غالبا ـ حسب ما رأيت ـ هذا النوع من الناس يقوم بإسقاط أخطاءه على الآخرين .

هذا النوع من الناس لا يتذكرون الأخلاقيات و المثاليات إلا في المواقف التي يكون لهم أهواء و مصالح شخصية  فيها . لأنهم غالبا لا يعملون بضمير ، و أما أن وجدت موقف لهم يعملون بإخلاص فإنك ستفاجأ بعد برهة بأن وراء ذلك الإخلاص مصلحة شخصية هنا أو هناك .

وحين يتوقف دور هذا النوع من الناس على الحياة العادية فالأمر هين ، لكن المصيبة حين يحاولون ممارسة دور الوطنية ، وحين يخرجون لمطالبة الحكومة بحقوق معينة.

و أكبر مصيبة أن هذا الإنسان المطالب بحقوقه لا يفرق بين معنى اعتصام و معنى إضراب .  لماذا ؟ لأن الغالبية  ليسوا أصحاب فكر و مبادئ حقيقية إنما أهواء ومصالح شخصية ، و الغالبية صارت تمشي مع موضة السب و الشتم للحكومة ، و مع موضة المطالبة بالحقوق .

 و تأسف أشد الأسف حين يمارس البعض هذه الأمور لأهواء شخصية ، دون تفكير في العواقب . و أبسط تلك العواقب أنك ( كمعلم ) فأنت قدوة ، و أنت بفعلك هذا تغرس في ( عقول الطلاب ) صفة التمرد و الإضراب ، و الذي قد ينتج في المستقبل صور جديدة ، مثل المظاهرات التي لا شك تتحول إلى تدمير و اقتتال . و فتن .

كثير من الناس يفكرون تفكير سطحي في مثل هذه الأمور ، و لا يحاولون منح أنفسهم بعد نظر في التفكير . و لا يعتبرون مما حل بغيرهم ، يريدون التغير ، ولكن باستخدام عصى موسى ، لأنهم لا يهتمون بالوطن ، و أنما يهتمون بمصالحهم الشخصية .

و لأختصر على البعض المسافة ، فأنا لست مع الحكومة ، حتى لا تضطر لتأويل كلامي  على حسب هواك . و لكني أيضا لست مع كثير من الفوضى التي أراها هنا و هناك بزعم المطالبة بالحقوق .

أنا مع الحق ، مع الإصلاح الصادق ، مع بناء وطن يحتوى أبناءه بالعزة و الأمان و الازدهار .  لكن كيف نبلغ هذا الوطن الذي نريده و نحن نرى أن الشعب لا يختلف عن الحكومة  بل هما ( وجهان لعملة واحدة ) ؟! .

( التعليم أمانة عظيمة ، يسألكم الله عنها ، ليست مجرد وظيفة لكسب المال ) اتقوا الله .

أجعلوا الطلاب بمقام أبناءكم ، هل تقبلون أن يُعَلِّم أبنكم مُعَلِّم مستهتر يحضر يوم و يغيب أيام ؟

هل تقبلون أن يعلم أبناءكم معلم كل ما يهمه هو إنهاء المنهج  و تلقين طلابه فقط ، حتى لا يتم مسائلته من مسئوليه ، ولا يهتم بغرس العلم وحب العلم و تنمية العقول و إلهام الأجيال ليكونوا خير جيل لأمتهم بعقولهم و أخلاقهم ؟ .

هل تقبل أن يعلم أبناءك معلم صاحب سلوك سيء و لسان بذيء ، و عقل طائش ، و فكر سطحي ؟ .

أيها المعلم ،، أخاطب فيك الضمير الصادق ، ضمير المسلم الصادق ،، هذا التلميذ الذي يجلس اليوم أمامك  لتعلمه ، غدا ( سيكبر ) ، و سيكون منهم أطباء ومهندسين ، و مشاهير ، و قد يصبح زميلك أو ربما رئيسك أو موظف ذا شأن أو شخصية مرموقة في المجتمع . و قد تجمعك به الأيام بشكل من الأشكال ، ( فأي صورة ) تريد أن يتذكرك بها هذا التلميذ حين يلتقيك حينها ؟؟. و أي ذكريات تحب أن تسمع منه ؟

( أنت اليوم تسجل ) ما تحب أن يتذكره هذا التلميذ ( عنك غدا ) ، فلا تسجل في عقله ذكريات لك سيئة ، قد تكره سماعها منه في المستقبل . كم من معلم عرفناه سمع من تلاميذه ذكريات في مواقف سببت له الإحراج ، قد نسيها هو ، لكنهم لم ينسوها هم .

مازلت أتذكر الذين علموني رغم انقضاء السنين ، عدد منهم لا يستحق الاحترام لكني أتعامل معه باحترام لأني احترم نفسي و ليس لأنه يستحق  . و بعضهم يستحق تقبيل  رأسه احتراما له على ما قدم لنا ، و ما ألهمنا به لنصبح مواطنون يحبون وطنهم ويسعون لأجله ، و يحبون أبناء وطنهم و يحرصون على مصلحتهم . لأنه غرس فينا السعي لتحقيق الذات ، وليس البكاء و التباكي ، و رفض الفطام من الدولة . ما زلت كلما تذكرت أولئك المعلمين أدعو لهم بالخير .

لا تقل : ( طفل و لن يتذكر ) . فذاكرته ليست ذاكرة عجوز خَرِف . بل هو إنسان يعي و يسجل ، حتى و أن رأيته صامتا ، و سيأتي يوم لن تنتبه إلا و أنت فيه و ستجد هذا الطفل قد صار كبيرا . و ربما  ( أكبر منك مقاما ) . عامل هذا الطالب على أنه إنسان و سيرشدك عقلك حينها كيف تتعامل معه باحترام و تقدير و مسؤولية . علمه حسن السلوك و حب الوطن و الإبداع . علمه التميز . ليشكرك و يدعو لك هو و الوطن لأنك بهذا الإنسان سننت سنة حسنة  سيشكرك الله عليها ، فهذا الإنسان سيكون أيضا قدوة في حياته ، في أي مركز سيتبوؤه  ـ  صغر أم كبر ـ  لأبد أن يكون قدوة لأحدهم .

قبل أن تسعى للبحث عن تبريرات أرجوك ..

فكر بينك و بين نفسك بأمانة ،

 فكر في الوطن ،

فكر في محاسبة الله لك .

فكر في أطفالك كيف تريد أن يكون المجتمع الذي تتمنى أن يعيشون فيه مستقبلا .

أنت المهندس ، و أنت البنَّاء . أظهر لي أبداعك ، أظهر لي عقلك .

لا تظهره بالكلام و المبررات و الثرثرة . أظهره ( في أفعالك ) ، ( في الجيل ) الذي ستنتجه للوطن . لا يمكن لأحد أن يعرف مهارة ( البنَّاء ) أو  أبداع ( المهندس المعماري ) و عبقريته إلا من خلال ( أعماله التي أنتجها ) .

سلاحك ثقافتك ، و أخلاقك ، و وعيك ، و  ضميرك ، و إيمانك ، و مبادئك الصادقة ، و في رقيك  ، و ورقي أخلاقك ، و  ورقي أسلوبك  . و لك في معلمنا العظيم رسول الله خير قدوة . فبهداه أقتده .

أو أترك التعليم و أتق الله

لا تأمن مكر الله .

حاسب نفسك بينك وبين نفسك  .. ليس مطلوب منك أن تفضح نفسك أمام أحد ، وليس مطلوب منك أن توبخ نفسك أمام أحد . ولا تحقر نفسك . أنما أسعى للثورة على نفسك أسعى للإصلاح ، أبرز نفسك من خلال عملك المخلص ، وأجعل الله وكيلك ، و الله أنه لا يخذل أبدا من أخلص بصدق العمل لأجله . و سيأتيك أجرك في الدنيا و الآخرة ، ثق بهذا أن كنت تعبده بصدق .

أنت القادر أن تصنع لنا ( جيلا من الشرفاء العقلاء المثقفين ) ليشكلوا ( حكومة راقية )  ليبنوا دولة مزدهرة .  لا تنتج لي جيلا لا يفهم إلا التمرد وقلة الاحترام و الإضراب .

 الاعتصام و الإضراب و المظاهرات لا تفعل شيء ، ( هي تشفي عرضا ولا تشفي مرضا ) ، وطني تعب من المُسكْنِات ، و يحتاج للدواء الشافي . يحتاج للقليل من ( الشرفاء المثقفين ) ، ( الوطنيين الصادقين ) ، الذين يحبون وطنهم أكثر من مصالحهم ، يتبعون العقل بدلا من الأهواء و المصالح الشخصية التي تأخذ باسم الوطن .

 فقط ( القليل من هؤلاء ) يمكنهم بناء  ( وطن رائع و عظيم ) .

كل ذلك بيدك أيها المعلم ،،

 أن كُنتَ مخلصا  ،،

 أن كنتَ مثقفا ،،

أن كنتَ أمينا ،،

 أن كنتَ حكيما ،،

 أن كنتَ تحب وطنك بصدق .

وطننا العربي ـ و ليس عُمان وحدها فقط ـ  يحتاج للصادقين المخلصين ، عندما ( تحب بصدق )  فأنك ( ستمنح بحب و أخلاص ) . هكذا تفعل ( الأم ) مع أبناءها ، و هكذا يجب أن نفعل مع الوطن .

ليس دورنا هو ( معاداة ) الحكومة وجعلها في الضفة الأخرى ، و نظل نسب و نشتم ، أو نحمل السلاح و نتناحر ، بينما نحن نمارس كل ما نعيبه عليها ، دورنا هو التغيير ، و التغيير للأفضل ، ولن يكون ذلك إلا انطلاقا منَّا نحن  أبناء الوطن .

لا يجب أن تكون الحكومة ( عدو ) .. بل يجب أن تكون الحكومة هي ( الآلية ) التي تحقق مبتغانا نحو ( وطن سامٍ ) ، و لن يكون السمو الذي نريده إذا استمرت الأحوال على هذا المنوال ، فنحن ندور في دائرة مغلقة .

أنظروا ببصائركم .. فنحن نريد وطن عزيز ، لا فتن و ضياع .. نملك بعض النعم ، نريد لها أن تزداد ، لا نريد أن يمحقها الله لنرجع للوراء ..

 أنظروا للصومال كيف كان و كيف صار ..

 أنظروا لليمن أين كان وأين صار ..

أنظروا السودان أين كانت وكيف صارت .

صارت لحال يرثى لأنهم بطروا النعمة ، و لأنهم ما عرفوا كيف الحفاظ عليها ، ولأنهم  اقتلعوا عيونهم حين أرادوا أن يبصروا وطنا أجمل .. وما هكذا تورد الإبل .

أن كنت تكره شخصا في بيتك ، أو كنت تكره أثاث البيت أو طلائه ، فهذا لا يعني أن تحرق البيت أو تدمره ، بل  اصبر عليه ، ورممه و حسنه . فذلك خير من أن تجد نفسك بدون بيت ولا مأوى آمن .

كلامي ليس للمعلمين في سلطنة عُمان وحدها ، فهي حبي ،  لكني لا استطيع إلا أن أعشق كل الوطن العربي . العاقل يعلم أن مصيرنا واحد . وكل ( سقم هناك ) لابد أن ( يوجع هنا ) .


طلبي ..

هو أن  ( لا  ) تقرأ مقالي و أنت قد قررت مسبقا برفض ما فيه .

( لا  )  تقرأ مقالي و كل همك هو تحديد الجبهة التي ستضعني فيها عندما تنتهي من قراءته .

( لا  )  تقرأ مقالي لتبحث عن مبررات أو ثغرات ترد علي من خلالها . فلسنا أعداء.

 فأنا لا أوجه كلامي للسوقة ولا للعامة ولا للدهماء  . لأنه من المفروض أن مقالي موجه لشخص  ( مثقف ) . يقرأ بــ ( حياد ) ،  ثم يفكر بــ ( منطق ) ، ثم يحكم بــ ( عقلانية ) . و من صفات الجاهل :  العناد الأعمى ، و الإصرار على الرأي ، و عمى البصيرة  .

و لا أطلب منك أن تقر بما أقوله ، كل ما أريده هو ( وقفه صادقه مع الذات ) ، و مراعاة  ( صادقة للأمور و الأحداث ) . و الأمانة كل الأمانة في ( التفكير و الاستنتاج )  .

كان المقال طويل لأن الحديث ذو شجون .



[1] - قصة غاندي ملهمة فعلا ، أتمنى أن تقرأ عن أفكاره في كتابه البسيط العميق (  قصة تجاربي مع الحقيقة ) لغاندي  و هو متوفر على النت . صحيح أن في الكتاب بعض الأفكار التي تنطلق من الدين الهندوسي لكنها واضحة ، و يمكن لأبسط إنسان تميزها فلا ضرر في ذلك ، لكن جمال الكتاب هو في روح كاتبه وأيمانه بمبادئه ، وسعيه لأجلها ، وهي تستحق الاحترام . 

الثلاثاء، 24 سبتمبر، 2013

ابْكِ أيها الوطن الحبيب



" فَتَناثَرَتْ دُرَرُ الشؤونِ على
خَدِّي   كما   يَتَناثَرُ   العِقْدُ

لَهْفي على دَعْدٍ وما خُلِقَتْ
إلاّ   لِطولِ   تلَهُّفي دَعْدُ "

ذو قلة المنبجي ، شاعر عربي  .







ماذا أقول يا وطني الحبيب[1]  ؟!   و أنا أعلم كم يحمل قلبك العظيم من الأسى ، و كم يتألم تُرْبُكَ الطهور من رجس خطواتهم . ابكِ أيها الوطن الحبيب  ،،   فما زال البشر منذ العصور القديمة لا يُجِيدُون حلَّ قضاياهم  إلا  بالشتم  و سفك الدماء  و الدمار . و أصوات  العقلاء  الرخيمة  الحكيمة  تضيع  وسط  ضجيج  الدهماء .

ابكِ يا وطني الغالي ،، فحقٌ لك البكاء ، فمنذ سنتين و نحن لا نسمع إلا مقطوعة الموت الصاخبة  .  جميعهم  يرفعون ( قميص عثمان ) ، فجميعهم ( معاوية )  و غاب (عـلي ) عن الميدان .

ابكِ يا وطن  ،،  فإن الحزن العظيم  جَثَمَ على صدرك فأخرسك  . ابكِ يا وطني الحبيب  ،،  فكلهم ضباع  تهرول  نحو  جرحكَ  النازف ، سواء  المتربعين على  السلطة  باسم حاكم  أو الصاعدين  باسم  الوطنية  .  تحجبهم أنانياتهم عن الحق .

كم نقرع الأسنة ندما على سعادة أطلقنها يوم ثار الشعب بالحق . فقد أنستنا نشوة السعادة غباء القوم . و أطماع الخونة ، وتربص العدو الذي لا يمكن له أن يدخل أوطاننا إلا بترحيب الخونة منا . قبح الله أعذار ساقوها ليدخلوا عدونا لدارنا ، و قبح الله دهماء  سارت خلف الخائن بجهل منها تردد ما يقوله .

ابكِ يا فداك جميعهم   ،،   فقد صَدَّقْنَا أن هناك (  ثُوَّار ) . و تفاجئنا أنهم (  ثِـيران ) . و ما أغبى الثيران حين  تتصارع  . ليتسلى الجمهور التَرِف . ثم يكسب أحد أولئك المترفون  أموال الرهان بينما تسيل دماء ( الـثَّـور )  أو  يموت .

ابكِ  يا وطني الحبيب  ،،  جميعهم يدَّعُون أنهم  وطنيون و الآخرون خونة و متمردون ، جميعهم يدعون أنهم على حق و الآخرون ظالمون ، جميعهم يبررون  وحشيتهم و بربريتهم  ، و جميعهم يعتبرون موتاهم شهداء و موتى الآخرين في الجحيم  . ضعنا  يا وطن لا  نعلم  وسط  كل  هذا  إلا  أنهم (  جميعا  كاذبون ) .

ابكِ أيها الوطن العظيم  ،،   فقد اثبتوا أن الوطن لهم مجرد (  لعبة ) و أنهم لا يمكن أن يحكمهم إلا جبار ، كل واحد منهم يسعى لإثبات تهمة الخيانة على أخيه ، و يسعى لزيادة أضرام النار . ولا أحد يسعى لإصلاح ذات البين . أصبح الشتم  و تبادل التهم هو البديل للبناء والإصلاح ، و أصبح هذا هو شعارا لحبهم المزعوم و  الكاذب لك .

ابكِ أيها الوطن الغالي  ،، كل ( إمارة ) فيك تسعى لتكون ( دولة عظمى ) على بعضها بينما هم مجرد ( شركات )  و ( بقرات حلوب )  أمام أعداء الوطن . و حكام يرى كل منهم نفسه إمبراطوراً  ، ( أُسُودٌ ) على بعضهم وعلى شعوبهم و ( نعام ) على أعداء أمتهم  ، يعينوه عليك أيها الوطن  . تنقصهم الرجولة  و المروءة  ليتكاتفوا لأجل نزع شوكة  من خصركَ الموجوع  ، و تنقصهم ليكونوا عادلين  ،  بينما يتكاتفون لجلب العدو لك ليملكوه خناقك . ليحسب عليك وعلى أبناءك أنفاسهم و أنفاسك .

ابكِ أيها الوطن العربي  ،، يا عشقي العظيم  ، شعب كل قِـطْرٍ فيك  يرى  نفسهُ ( ملاكا) في الجمال ، ( نبيا )  في الصفات ، و يرى أخوانه في الأقطار الأخرى (مسخا )  في القبح  ، و  ( شيطان ) في الصفات و الخصال .  وحين تحل بها مصائب ، قالوا : أين العرب ؟ أن العرب متخاذلون  . و حين يتحدث عربي بصوت المخلص ، قالوا :  ما دخلكم بنا ، و نحن في وطننا أحرار نفعل ما نشاء .

اقتلوا بعضكم  يا ( أهل مصر ) ،  لأجل أن يحيا ( العسكر )  و ( الإخوان ) ماجدين . واقتلوا بعضكم يا ( أهل سوريا )  ليحيا ( البعثيين ) و ( المجموعات الكثيرة ) التي تحمل سلاحها ضد البعثيين ماجدين ، واعلموا أن مصيركم كمصير ( مِصْرَ ) بل والله انه كمصير ( العراق ) و سأذكركم بذلك قريبا جدا . ستكفرون بعض ، وتقتلون بعض ، لأن (الكعكة ) لن تكفي جميع الطامعين المتسلقين ، و الخونة الغادرين ، و أنتم حينها ستظلون كما أنتم الآن ( تنزفون الدماء ) ، وتشربون مُرَّ الدموع  ،  أعلم أنكم ( صم  بكم عمي ) ، و أنكم  ( لا تبصرون ) . و أعلم انك ستكذبون وتكذبون إلى أن تصدقوا أنفسكم ، و قبل أن تصدقوا ستصعقون بصواعق ( الموت ) و ( الفرقة ) التي لن تنتهي قريبا ، وستبكون و تتباكون .  دوروا حول أنفسكم ، و كرروا  نفس القصة . الطامعين و الحكام  لن  يرحموكم  . و الحل  ( بأيدكم  وحدكم ) . و انظروا إلى تاريخ من سبقكم لعلكم تعقلون  . { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }[2] .

مات أجدادكم نضالا ضد ( الاستعمار ) ، و انتم اليوم تسلمونهُ الوطن بدون تعب . ثم يخلف على الكراسي طامعون يتقاتلون و انتم ( وقودهم و أيديهم ) ، و في النهاية انتم الخاسرون في  كلا الطرفين . و  سادات المتخاصمين  هم الرابحون مهما كانت النتائج  . ستباع دمائكم باسم اتفاقيات سلام ليس فيها أي جديد ، ولا يراد منها تحقيق السلام و أنما يراد منها مكاسب أولئك السادات .  سيذهبون لتوقيعها سينالون هدايا و إكراميات  ، وهم أساسا مرتاحين يلبسون و يتمتعون ، و أبنائهم في أمان فارهين .

لا اعلم يا وطني من هو الظالم  و من هو المظلوم فقد ضعت مثلك بين الحاكم والمحكوم ، و أنا ضعيف قليل الحيلة لا أقوى على فعل شيء ، و قومي لا يسمعون ولا يرون  .لكني مثلك أعلم  أنهم  كلهم كاذبون ، الحاكم و من يدعي الوطنية ، و بينهم ( ثعلب )  يُـذْْكِي النار لتزداد وهجا ، يكِـرُّ و يفـِرُّ دون أن يراه احد .

 ابكِ يا وطن  ،،  حاكم غبي لا يجيد غير التعالي و الثرثرة . و خونة بثوب وطنية مزعومة . لم يتحدث احد عن كيماوي العدو ولا عن سلاحه و قتله . ليس لأنه لا يملك خونة  .  فما من وطن إلا و به ألف خائن . لكن يا وطني الخونة هناك في ديار العدو لا يجدون مهدا لهم ، و لا تسمينا من عدو بلادهم . بينما الخونة فيك يجدون ألف مهد ، و ألف مُسَمِّنٍ لهم . ويحهم أيُّ  وجوه قبيحة يملكون ؟! . يخونون ثم يدَّعُون أنهم  بَرَرَة  بكَ .

ابكِ يا وطني الحبيب  ،،  فأنت لست يتيما ، لكن أبنائك عاقون  . ابكِ  ،، فأن من يتصارع عليك هم الظلمة . و الشرفاء ( سُذَّجٌ ) يتبعون اللئام . ابكِ  ،، فكلٌّ يَدَّعِي أنه وَصِيٌّ عليكَ .  لكنهم كاذبون .  ابكِ ،،  فجميعهم يمزقونك و لا يأبهون لآلامكَ  . ابكِ ،،  فلا أحد يحزن لحزنك أنما يبكون مصالحهم .

أعلم يا وطني الغالي انك قد ضقت ذرعا بهم وبقبيح أفعالهم  . فكلا الفريقين قبيح . وأعلم أن الحاكم الغبي أحب إليكَ من الخائن الحقير . مع أنهم جميعهم خونة . كم هو قبيح مسعى الفريقين .

بل أقبح منه تلك ( الغوغاء )  التي تتناحر باسم هذا أو باسم ذاك . بينما أسيادهم ينعمون بالملذات ، و الأمان ، و الدفء ، والهدوء ، و راحة البال استعدادا لنيل المغانم التي سينالونها بالسير فوق جثث الأغبياء .

ويلكم كم من دماءٍ تنزف في الوطن ( باسم الوطن ) وانتم كاذبون . ويحكم  تقتلون بعضكم لأجل حقير هنا أو حقير هناك سيأتي لنيل المجد وحده ، وأنتم لن تنالوا إلا أثم الدماء التي تلوث أيديكم و أثم خطايا ( اقترفتموها بألسنتكم )  لدعم هذا أو دعم ذاك . قبيحٌ مسعاكم يا  ( أيدي الشيطان ) . تثبتون مِرَاراً أنكم مجرد  (  أعوان للشيطان ) ، و أنكم ( وقود النار ) بجهلكم .  تَدَّعُون السياسة ،  و الساسة من خلفكم يُقَهقهون من سذاجتكم  و  جهلكم  . تتناحرون  و العدو أمامكم  ينهب  وطنكم .

تكذبون بملايين الحجج لتبرروا  خطاياكم ، و تناسيتم بجهلكم  أن الله ( ديَّان ) . يا  أعمياء البصيرة قفوا لحظة وانظروا بعين الصادقين . بعين لا يعميها الغباء و لا الشيطان . بعين لا يشتت صفاء تركيزها نعيق غربان السوء المتقاذفة عليكم .


أواه يا وطن  ،،

لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى
و  لكـان   لــو عَلِمَ  الكلامَ  مُكلِّمي[3]


لا  تبكِ أيها الوطن العظيم ،،  لا  تبكِ يا عشقي الكبير ،،  فجميع مناديلي لا تكفي لمسح دمعة واحدة من دموعكَ . لا تبك أيها الجبار  ،،  فإني رغم الدجى الداجي أرى في أخر الحِنْدِسِ ضوء النهار . ستغدو ندوبكَ  في ذاك النهار جَمَالا يُزين جسمكَ الطهور كأكاليل الزهور و قلاداتها . سيصحو أبنائك من سُكْرِ الغرور ، و تنطفئ نار الفتن و عصبياتها ، لأن الحشائش الضارة لا تنتصر أبدا على ثَاراتِ الزهور .


اللهم أني أبراء إليك من كِلا الفريقين ، و من أعمالهما  . اللهم  اهديهم و احقن دمائهم وارفع عنهم غشاوة الحقد الشيطاني و وساوس ( المتسلقين )  و  ( شياطين الخونة ) الذين صدق ظنهم بقومي . اللهم أهدهم فإنهم لا يعلمون . اللهم ارزقهم إعْمَال العقل قبل نُطق اللسان ،  و قبل سعي الأفعال ، اللهم كُفَّ أيديهم  و ألسنتهم عن بعضهم . اللهم  آمين  رحمةً منكَ بنسائنا و أطفالنا .



[1] - عنوان المقال هو اقتباس عن اسم فلم جنوب أفريقي .
[2] - الشورى30
[3] - البيت من قصيدة عنترة بن شداد العبسي ، فارس و  شاعر جاهلي .

الأربعاء، 28 أغسطس، 2013

في ضيافة أحلام مستغانمي




( الكاتب كالمُحارب : كلاهما يدافع عن قضية واحدة ،
 والفيلسوف يقف موقف المتفرج الحكيم بين الاثنين
 المتحاربين : هذا بالكلمة ، و هذا بالسيف ) .

                                                         سقراط ، فيلسوف يوناني شهير .





يوم الجمعة 16 أغسطس 2013 م[1]

كان يوما ( صيفياً ) ماطرا في بلدٍ يرى الأمطار غيثا و رحمة كما كان العرب الأسلاف يرونه . لا يعتبر ( اليوم الماطر )  ذا جو سيء في بلادي ، بل هي نعمة تُدخل البهجة و السرور في قلوب الصغار و الكبار ، فتجد الجميع يراقصون المطر في الساحات بدون أي حواجز أو مظلات ، كلٌّ بطريقتهِ .

 أحب الإنصات لوقع الأمطار ،  فهي بحد ذاتها سيمفونية لا يتقنها إلا السحاب ، يجذبني تراقص حبات الماء  و هي تلامس الأرض ، كإيقاع قدميّ غجرية تَرْقُص الفلامينجو  برشاقة و بشموخ وابتهاج غير مبتذل . كل ذلك السحر لا يمنحك فرصة للالتفات لأي شيء أخر حولك حينئذ . إلا ما يقتحمنا من ذكريات تنساق مع موسيقى الأمطار و زمجرة الرعد .

 كنت منهمكا معها حين قاطع  شقيقي  ذلك السكون الصاخب في داخلي و هو يحدثني عن ديوان ( فاروق جويدة ) وعن روائيين عرب وقع على أسمائهم ذلك الأسبوع متأسفا أنه لم يجد كتبهم ، ثم سألني : هل تعرف أحلام مستغانمي ؟
قلت : لست متأكدا .
قال : أنها روائية عربية من الجزائر والدها مناضل من عهد الثورة ضد الاستعمار الفرنسي .
أخبرني أنه حصل على أحد رواياتها و يعتزم قراءتها هذا الأسبوع  . كان متحمسا جدا . لم يذكر لي اسم روايتها في حينه .
قلت :  جميل ، أنا كما تعلم لا تستهويني الروايات والقصص .
قال لي : أعلم ، لكن هؤلاء مختلفين ، أن قصصهم جميلة .
ثم انتقلنا للحديث عن أمور أخرى كثيرة .

بعد مضي خمسة أيام ـ تقريبا ـ قررت أن أفتح حساب في تويتر لأسباب شخصية ، و هذا ما حدث ثم بدأت التجوال فيه هنا وهناك لأضيف بعض الحسابات التي كنت أرغب في متابعتها ، حين وقعت عيني على اسم ( أحلام مستغانمي )  بدا الاسم مألوفا لي ، فانتقلت لمشاهدة حساب ذلك الاسم ، جذبني أسلوب تلك السيدة ، و أنا لازلت لا أعلم بصدق من هي صاحبة الحساب ، ثم بعدها بأيام انتبهت من الحوارات في حسابها بأنها كاتبة . هنا تذكرت حواري مع أخي ، فأرسلت له أسأله فذكرني بها و أخبرني أسم بعض رواياتها  .

كان أسلوب كتابتها يوحي بأن هذه الكاتبة لابد أنها لامست الشرق عبر أهله و ليس فقط عبر قراءة انتاجاتهم الأدبية ، فإنا أعلم جيدا طبيعة الإنسان المَغَاربيّ ، و أعلم أيضا كيف يصبح عندما يرتشف من ( سحر الشرق و شاعريته ) الفاتنة التي أودعها معشوقته ( اللغة العربية ) . و فعلا صدقتُ في ظني ، حين علمت أن هذه المبدعة الجزائرية عاشت  ـ  و ربما مازالت تعيش ـ في الشرق .

لقد اكتفيت بمتابعتها عبر حسابها ذاك ، أعجبني كثيرا أسلوب كتاباتها ولم أكن أعلم حينها أن تغريداتها تلك هي اقتباسات من أعمالها المبدعة . أعجبني تواضعها في تحاورها مع زوار حسابها ، أنها الروح المغاربية في ( أناقة الزهد ) الذي يُلبسها ثوب البساطة الزاهي . كنت أتابع حسابات لمشاهير الأدب وغيره و الذين كانوا يكتفون بقراءة تعليقات متابعيهم بصمت . لا أعلم أهو الترفع أم التجاهل أم أنهم فعلا لا يملكون أي جواب ؟! . ليتهم يتواصلون مع متابعيهم ، فالوطن يحتاج لكل قدوة يمكنه أن يؤثر في الشباب لنرفع معا صرح الوطن عاليا .

 لعبت معي الأقدار أيضا ذات الدور حين وقعتُ على حساب ـ  في تويتر ـ يهتم بالاقتباس من رواية لتلك الكاتبة المتألقة ، و هو يحمل اسم الرواية ، كانت الاقتباسات تنحصر في روايتها ( الأسود يليق بكِ ).

كان لتلك المقتبسات سحرا عجيبا جعلني أبحث عن تلك الرواية ، وفعلا في تاريخ 25 أغسطس 2013 أحضرتها ، و هممت بعد صلاة العشاء بقراءتها ، ولم أنتبه إلا و المنبه يدق معلنا وقت صلاة الفجر ، في استغراقي لم أدرك مرور الوقت ، فقد مرت ثمان ساعات بدون أن أنتبه . من عادتي أذا قرأتُ كتابا أن أصبح ( مجذوبا )  حتى كأني بين دفتيه ( حرفا ) لا ( قارئاً ) ، أتماها معه تماهي الضياء و الهواء في صريح النهار ، لكن نادرا ما كان يحدث لي مثل ذلك و أنا أقرأ ( قصة أو رواية ) .

لكن هذه ( الرواية )  كانت تختلف عن كل ما قرأت من روايات قبلها ، لقد كنت أنصت إنصاتا إلى تلك (  اللهجة المغاربية ) التي كانت تشق إيقاعات الفصحى في بعض الأحايين ، وكأنها إيقاعات مساندة لاكتمال سحر المقطوعة ، كم تعجبني لهجات أهل بلاد المغرب ، خاصة من ( كبار السن ) فهي تخرج نقية كنقاء تلك النفوس . كنت أصغي لصوت ناي الجد (جد هالة ) بل كنت أجلس منه على مقربه و هو جالس على سفح ذلك الجبل السامق يروي له الناي شجونه فيغني هو له بشجن ، بصوتٍ كان جمالهُ ينبع من صِدْقِهِ لا من تنميق الطبقات ، و لا الركون  للمقامات ، يرد خلفه  كورال الطبيعة ، تجسده الجبال الشامخة شموخ نفوس أهل بلاد المغرب ، لا يكدر صفو ذاك الانسجام إلا تلك الدماء النازفة في ربوع ( الجزائر ) الحبيب حينها .

عرفت بعدها و أنا أغوص في أعماق تلك الرواية  أن بعض ما شاهدته من  تغريداتها كانت مقتطفات من مقطوعتها الموسيقية التي خطتها بالحروف لا بنوتات السلم الموسيقي . تلك المقطوعة تدعى ( الأسود يليق بكِ ) . حقٌ للطيورِ أن تغرد بمثلها .

لم أكن غريبا عن بطليّ القصة ( الرجل المشرقي ، و الفتاة المغاربية )  فلقد عرفتهما في واقع الحياة ، قصة عرفت بطلها وبطلتها بكافة مواقفهم مع ( اختلاف التفاصيل )  . لذا كان تعايشي مع كل التفاصيل التي دارت خلال سيمفونية ( أحلام المستغانمي ) ما هي إلا أعادة شريط الذكرى ليس إلا . وكأنها كانت هي الأخرى أيضا حاضرة معهما قبل أن تخط حكايتهما في سيمفونيتها ! .

بطل القصة الذي أعرفه هو أيضا يُسمي النساء بأسماء الرقصات و الإيقاعات في نفسه ، و يصنفهن بالورود في شخصياتهن ، و فتاتهُ كانت تراه قاسيا غامضا ، و الأطرف من كل ذلك هو وردة الزنبق ( التوليب ) فأي قدر هذا ؟! الذي أطلعك على كل تلك التفاصيل لتنسجيها بحروفك الراقصة .

 يا ترى  هل للروائيين شيطان يُمْلِي عليهم كِتَاباتهم ، كما للشعراء شيطان شِعْر يُمْلِي عليهم شعرهم ؟! .

كنت أستغرق مع تلك ( البطلة ) و هي تُراقب بتعمق عين الطفل الفاحصة و عقله المدقق و هي تتأمل بانجذاب روحيّ لذلك الصوفي وهو يشعر بأنه بلغ حالة التجلي أثناء تأديته ( رقصة السماع ) . في كل دورة من دورانه حول ذاته يلقي همومه و يبحر بعقله و وجدانه نحو السماء ، محلقا بعيدا عن الأرض و أهلها و همومها .

كانت ( الروح المغاربية ) الجميلة حاضرة ، تلك الروح الناعمة بأثر الزهد و التصوف البعيدة عن التعالي و الاستعلاء الرافضة للذل ، بين هذين تجد تلك الروح برزخها الرائع . تلك الروح التي تخالطها قسوة ربما استمدتها من وعورة تلك الجبال التي تحتضن أغلب بلدان المغرب . تلك الروح رغم قسوتها ، وسريع غضبها ، و جفوتها وصراحتها التي قد تبتعد أحيانا حتى عن المجاملات المُسْتَحبة ، إلا أن عفويتها و بساطتها تجعلك تتعلق بها . هكذا هو كل شيء بسيط يكون أجمل من أي شيء معقد مهما بلغ من الجمال . لا تستلهم ( التانغو ) وهجها من صالات الأغنياء و مسارحهم المغلقة عليهم  بإحكام ، بل من روح البسطاء الذين ابتكروها من أجل أن يخففوا عن أنفسهم أثقال الحياة . فكل بسيط و هو حقا جميل .

أول مرة أقرأ رواية بمحض أرادتي  ، فكل ما قرأته من قبل كنت مضطرا له بسبب دعوة من أحد الأحبة لأقرأ هذه الرواية أو تلك أو سبب الدراسة أيام المدرسة و الجامعة ، رغم حبي العميق للأدب إلا أني لا تستهويني  الروايات و القصص ، فإنا أفضل الكُتُب الثقافية و المعرفية . وكنت أرى أن قراءة القصص هي مضيعة للوقت وخاصة مع أولئك الكُـتَّاب المغمورين الذين يغدقون بالفلسفة الخاوية و التنظير ، ويغرقون في الجانب الوصفي المبالغ فيه حتى يجعلك تشعر بالملل ، مع غياب الهدف و المغزى من القصة أو الرواية ، وكأنهم يكتبون لمجرد الكتابة ، أفْضَل الكُـتَّاب هو كاتب صاحب قضية و فكر - أيًّا كان مضمار كتابته - ومن كان غير ذلك كان كاتبا أجوف  . لكني كنت قد قررت منذ أشهر أن أبحث عن ما يستحق القراءة منها من باب التلذذ بجمال اللغة العربية ، لكني لم أشرع في التنفيذ لأسباب كثيرة .

جذبني الأسلوب اللغوي لــ ( أحلام ) في هذه الرواية التي أول ما شدني فيها أسمها الشاعري ، كما تعرفت خلالها على (أحلام مستغامي ) بعمق ، كانت أحلام حاضرة في روايتها لكنه حضور لا يطغى على شخوص قصتها . أنها كاتبة ذات حس واع ، وثقافة جميلة ، و لديها وعي وطني جميل ، تدرك الأمور كما يجب ، لا كما يريده تجار الوطن .

 لم أشرع بالبحث عن من هي ( أحلام مستغانمي )  ، فلقد أحببت التعرف عليها عبر قلمها من خلال هذه الرواية ـ أولا ـ لأستنتج منها حكمي دون تأثير من أي جهة أو أي كاتب كتب عن أحلام سواء بالتأييد أو الضد . و حقا كل ما استنتجته عنها وجدته صحيحا ـ أو هكذا أظن ـ من خلال ما قرأتُ عنها فيما بعد .

الجميل أيضا أن أجد أن هذه الكاتبة المبدعة تؤيدني في كثير من أرائي فيما يخص السياسة و الساسة و الوطن . ولقد وضعت الكثير من أرائي تلك في كتاب وسمته باسم ( تأملات مواطن عربي ، خواطر شتى  بين جرأة الأمل و صدمة الواقع ) أراجع الآن طبعته الثانية وأني بعد أن قرأت هذه الرواية الجميلة أعتزم أن أقتبس منها بعض النصوص ، و سوف أضيفها في الكتاب بإذن الله . و الذي سوف أنشره بلا شك في الانترنت كما أفعل دائما مع كتاباتي ـ التي أعتقد أنها تحمل نفعا ـ أيمانا بأن المعرفة من حق الجميع ، وأن العلم لا يجب أن يكون بضاعة تُبَاع . رغم أن من حق العاملين فيه الكسب  و لكن ليس بسياسة التجار وجشعهم .

بقدر إعجابي بأسلوب ( أحلام مستغانمي ) في رواية ( الأسود يليق بكِ ) و جميل ثقافتها و رشاقة انتقالها الوصفي لمشاهد الرواية بقدر دهشتي من عميق فهمها و دقيق تصويرها لنفسية الرجل ، و تحديدا الشرقي ، بكل تناقضاته  : ( تسلطهُ  و شاعريته  ، حنانه و جنونه ،  و بشكهِ و إيمانه في النساء ) ، فهو في الحُبْ حقا ( يملك الوقت ، و لكن لا يملك الصبر ) . و هو الذي يلوذ في أحزانه بصمته و يكتمها في سره ، و يعبر عن شديد حزنه بغضبه لا بدموعهِ ، و أقبح لحظاته هو بوحه لسرهِ لامرأة في لحظة ضعف ، و هو أمر لا يمكنه مسامحة نفسه عليه لكنه يفضل معاقبة المرأة التي باح لها بالسر لأنه بها يعاقب نفسه .

أن فهم النفوس يحتاج بصدق إلى عقل فاحص واعي ، وإلى تجربة عملية حتى تتمكن من سبر الأغوار . كذلك ربما هي ( عين الغريب ) الفاحصة ببديهتها . فعين الغريب أكثر تدقيقا فيما حولها في غربتها من ( عين أهل المكان ) الذين أصبح كل ما حولهم ـ بجميلهِ و قبيحهِ ـ مألوفا لا يلفت انتباههم ولا يسترعيه . و أعتقد أن هذا الأخير كان أكبر مُعِين للسيدة  ( مستغاتمي ) حيث أن عودتها بشخوص جزائرية في آخر القصة لتكون تلك الشخوص هي ( كبسولة ) تخفف ألآم الأحزان الكثيرة لبطلة القصة تدل على آلم اغتراب ، حتى وأن كان خفي ، ولا يخفى على أحد منْ أنَّ كِتَابة الكاتب وخاصة القاص أو الروائي هي في حقيقتها انعكاس لذاته و أشجانه ، وتجسيدا لها ولأحلامه وآرائه ، وهو من يتقمص في الحقيقة جميع الأدوار ، وأن لم يفعل ذلك أصبحت شخوص قصته بدون  روح . و الكاتب المُلهم يفعل كل ذلك بدون أن يشعر .

لقد كان الشيخ الجزائريّ /  إبراهيم بيوض ـ رحمه الله ـ من أولئك الجهابذة الذين أدركوا أن الخلاص من الاستعمار و الانحطاط لا يكون عبر السلاح وحده بل أكثر من ذلك ، فهو من القلة الذين آمنوا أن ( صلاح حال الوطن )  يأتي من ( صلاح الفرد ) فيه ، فالأفراد هم من يسمون بالوطن و الأمة ، وليس العكس . فسعى  في سبيل ذلك حتى قبل أن يشتهر ـ فقد استخدم المقالات في الجرائد تحت اسم مستعار ، ثم  سعى لإصلاح ذات البين بين القبائل في وطنه و بين أهل المذاهب فيه ـ كانت بدايته من وطنه ( وادي ميزاب ) ـ إضافة لأيمانه أن العلم و الوعي هو أهم ركيزة لنهوض الأمة ، كان ذلك هو نضاله ضد الاستعمار ، سانده في ذلك المناضل الإمام ابن باديس رحمه الله . و الذي كان يناضل بدوره بالسلاح و بالعلم .

كذلك هي ( الرواية ) ، أن للرواية عشاق  و مريدين ، و جمهور . وأن خَيْرُ كُـتَّابِنَا هم من يناضلون لبناء الوطن عبر(  إصلاح الفرد )  بأقلامهم المبدعة ، وقد حدثتني نفسي أن بنت الجزائر المتألقة ( أحلام مستغانمي )  هي من هؤلاء الأعلام المبدعين المناضلين ، و أتمنى أن لا أكون أخطأت الظن . على الأقل مما قرأته لها في روايتها هذه .

كان عليه الصلاة و السلام يستخدم القصة في توجيه أمته نحو الصلاح وذلك أيضا كان نهج القرآن الكريم . و هو نهج نهجهُ بعض أعلام الأمة مثل ابن طفيل في قصته الشهيرة ( حيّ بن يقظان ) لأجل خدمة فكره الفلسفي كان يرغب لإيصاله للناس بأيسر السبل . وهي لشرح فكرة فلسفية أيمانية معقدة في الخلق و الإيمان .

لذا يمكن للروائي ( الوطني المثقف الصادق )  أن يكون مناضلا  بقلمه و ملكاته بل ربما يكون أفضل من نضال الإصلاحيين الذين يستخدمون المقالة لنشر الوعي و  الإصلاح ، لأن الروائيّ يوجه قُرَّاءِهِ بأسلوب سلس لطيف سهل ، بدون أن يشعروا بالضجر ، و بدون أن يغلقوا فكرهم تجاه النصح و التوعية . و ( لا أحد معفي ) من السعي لسمو الأمة ، كلٌّ من منبره ، وكلٌّ من موقعه ، وبقدراته .

قد يسأل البعض عن سبب هذه المقالة ، و هل هي تحليل نقدي ؟ بالطبع لا ، ليست تحليل نقدي ، ولا أنا أهلٌ للتحليل النقدي ، إنما هو اعتذار ، و ثانيا توجيه لكُتَّابنا لأجل أن يحذوا حذو هؤلاء الكتاب المثقفين الحقيقيين ، وليتركوا عنهم تلك الأشعار و تلك القصص و الروايات الخاوية من أي روح ، الميتة قبل ولادتها . و التي تبدو كهذيان المحموم المهموم لا تفهم منه شيء أبدا . بل يصيبك بالسأم و الضجر بل و الكآبة . وأشد ما آسف عليه هو ذلك الاحتفاء بأولئك الكُتَّاب الذين لا يستحقون . بينما لا ينال من يستحق من كُتَّابنا ما يستحقون فعلا من احتفاء يليق بهم  .

 كذلك ليت أولئك الذين يظنون أنهم فلته من فلتات الزمان لأنه كتب قصة أو قصيدة ، ربما حتى لا ترقى لنسميها باسم الأدب أو نعوته . ليتهم يتواضعون ، ترى أحدهم يلبس لباسا غريبا أو يطيل شعره بطريقة تظنه معتوه ، أو يتصرف وكأنه يتقمص شخصية سينمائية ربما يظن أن الكاميرات تتابعه حيثما ذهب .

 فما هكذا العظماء الحقيقيون ، بل هم يعيشون حياتهم كما عهدوها حتى قبل أن يصبحوا مشاهير ، لأنهم يعلمون في قرار أنفسهم أنهم فعلا عظماء ، فلا داعي أن يتقمصوا تلك الحالات الغريبة التي يتقمصها أولئك الذين يشعرون بالدونية فيحاولون أظهار عكس ما يبطنون . ببساطة هم يعيشون شخصياتهم الحقيقية بعفوية . و الله أن المبصر يعلم أن الإنسان ( كلما كان عظيما ) بصدق كان أكثر زهدا في الحياة و ( بساطة وتواضع ) . لأنه يعلم أنه في الأخير هو إنسان فقط ، و أنه أن لم يكن عظيما فلن تزيده تلك السلوكيات أي عظمة .

ربما كان حق السيدة ( مستغانمي ) أن اعتذر منها بأني ما كنت أعرفها قبل تاريخ 16 أغسطس  رغم شهرتها . حق لي أن اعتذر لكِ  و لكل من هم مثلك في أني ما عرفتهم . ليس غرورا مني ، و لا لأن عدم قراءتي لهم أو معرفتي بهم سوف ينقصهم شي أو يرفعهم . و لكن هو أسف مني لشعوري بالتقصير نحو من يستحقون التكريم منَّا نحن القراء و خاصة من أبناء وطننا العربي الغالي . و أبسط التكريم هو قراءة أنتاجهما الأدبي و العلمي  .


و أخيرا ..


أن أجمل ما أراه في كاتب متألق أو صاحب علم مشهور و مبدع هو ( التواضع و البساطة ) في كل جوانب الحياة ، البعيد عن الاغترار بالنفس المتواضع رغم عظيم شأنه ، فهو يعلم بأن الغرور و التعالي لم يمنحه ما هو عليه من منزلة رفيعة ، و أن التواضع لن يسلبه أو ينقص من قدره الرفيع . هم هؤلاء أصحاب العقول الحقيقية . لله درُّ المتواضعين . كذلك أن يكون صاحب فكر و هدف وطني ، و ليس فقط الربح و التكسب .  

حفظ الله كل المبدعين المخلصين في كل الميادين في هذا الوطن الغالي  ، وهداهم للحق و أيدهم به دائما .



[1] - المقال مقتبس من مفكرتي ،  بتصرف و زيادة بسيطة .