الأربعاء، 28 أغسطس، 2013

في ضيافة أحلام مستغانمي




( الكاتب كالمُحارب : كلاهما يدافع عن قضية واحدة ،
 والفيلسوف يقف موقف المتفرج الحكيم بين الاثنين
 المتحاربين : هذا بالكلمة ، و هذا بالسيف ) .

                                                         سقراط ، فيلسوف يوناني شهير .





يوم الجمعة 16 أغسطس 2013 م[1]

كان يوما ( صيفياً ) ماطرا في بلدٍ يرى الأمطار غيثا و رحمة كما كان العرب الأسلاف يرونه . لا يعتبر ( اليوم الماطر )  ذا جو سيء في بلادي ، بل هي نعمة تُدخل البهجة و السرور في قلوب الصغار و الكبار ، فتجد الجميع يراقصون المطر في الساحات بدون أي حواجز أو مظلات ، كلٌّ بطريقتهِ .

 أحب الإنصات لوقع الأمطار ،  فهي بحد ذاتها سيمفونية لا يتقنها إلا السحاب ، يجذبني تراقص حبات الماء  و هي تلامس الأرض ، كإيقاع قدميّ غجرية تَرْقُص الفلامينجو  برشاقة و بشموخ وابتهاج غير مبتذل . كل ذلك السحر لا يمنحك فرصة للالتفات لأي شيء أخر حولك حينئذ . إلا ما يقتحمنا من ذكريات تنساق مع موسيقى الأمطار و زمجرة الرعد .

 كنت منهمكا معها حين قاطع  شقيقي  ذلك السكون الصاخب في داخلي و هو يحدثني عن ديوان ( فاروق جويدة ) وعن روائيين عرب وقع على أسمائهم ذلك الأسبوع متأسفا أنه لم يجد كتبهم ، ثم سألني : هل تعرف أحلام مستغانمي ؟
قلت : لست متأكدا .
قال : أنها روائية عربية من الجزائر والدها مناضل من عهد الثورة ضد الاستعمار الفرنسي .
أخبرني أنه حصل على أحد رواياتها و يعتزم قراءتها هذا الأسبوع  . كان متحمسا جدا . لم يذكر لي اسم روايتها في حينه .
قلت :  جميل ، أنا كما تعلم لا تستهويني الروايات والقصص .
قال لي : أعلم ، لكن هؤلاء مختلفين ، أن قصصهم جميلة .
ثم انتقلنا للحديث عن أمور أخرى كثيرة .

بعد مضي خمسة أيام ـ تقريبا ـ قررت أن أفتح حساب في تويتر لأسباب شخصية ، و هذا ما حدث ثم بدأت التجوال فيه هنا وهناك لأضيف بعض الحسابات التي كنت أرغب في متابعتها ، حين وقعت عيني على اسم ( أحلام مستغانمي )  بدا الاسم مألوفا لي ، فانتقلت لمشاهدة حساب ذلك الاسم ، جذبني أسلوب تلك السيدة ، و أنا لازلت لا أعلم بصدق من هي صاحبة الحساب ، ثم بعدها بأيام انتبهت من الحوارات في حسابها بأنها كاتبة . هنا تذكرت حواري مع أخي ، فأرسلت له أسأله فذكرني بها و أخبرني أسم بعض رواياتها  .

كان أسلوب كتابتها يوحي بأن هذه الكاتبة لابد أنها لامست الشرق عبر أهله و ليس فقط عبر قراءة انتاجاتهم الأدبية ، فإنا أعلم جيدا طبيعة الإنسان المَغَاربيّ ، و أعلم أيضا كيف يصبح عندما يرتشف من ( سحر الشرق و شاعريته ) الفاتنة التي أودعها معشوقته ( اللغة العربية ) . و فعلا صدقتُ في ظني ، حين علمت أن هذه المبدعة الجزائرية عاشت  ـ  و ربما مازالت تعيش ـ في الشرق .

لقد اكتفيت بمتابعتها عبر حسابها ذاك ، أعجبني كثيرا أسلوب كتاباتها ولم أكن أعلم حينها أن تغريداتها تلك هي اقتباسات من أعمالها المبدعة . أعجبني تواضعها في تحاورها مع زوار حسابها ، أنها الروح المغاربية في ( أناقة الزهد ) الذي يُلبسها ثوب البساطة الزاهي . كنت أتابع حسابات لمشاهير الأدب وغيره و الذين كانوا يكتفون بقراءة تعليقات متابعيهم بصمت . لا أعلم أهو الترفع أم التجاهل أم أنهم فعلا لا يملكون أي جواب ؟! . ليتهم يتواصلون مع متابعيهم ، فالوطن يحتاج لكل قدوة يمكنه أن يؤثر في الشباب لنرفع معا صرح الوطن عاليا .

 لعبت معي الأقدار أيضا ذات الدور حين وقعتُ على حساب ـ  في تويتر ـ يهتم بالاقتباس من رواية لتلك الكاتبة المتألقة ، و هو يحمل اسم الرواية ، كانت الاقتباسات تنحصر في روايتها ( الأسود يليق بكِ ).

كان لتلك المقتبسات سحرا عجيبا جعلني أبحث عن تلك الرواية ، وفعلا في تاريخ 25 أغسطس 2013 أحضرتها ، و هممت بعد صلاة العشاء بقراءتها ، ولم أنتبه إلا و المنبه يدق معلنا وقت صلاة الفجر ، في استغراقي لم أدرك مرور الوقت ، فقد مرت ثمان ساعات بدون أن أنتبه . من عادتي أذا قرأتُ كتابا أن أصبح ( مجذوبا )  حتى كأني بين دفتيه ( حرفا ) لا ( قارئاً ) ، أتماها معه تماهي الضياء و الهواء في صريح النهار ، لكن نادرا ما كان يحدث لي مثل ذلك و أنا أقرأ ( قصة أو رواية ) .

لكن هذه ( الرواية )  كانت تختلف عن كل ما قرأت من روايات قبلها ، لقد كنت أنصت إنصاتا إلى تلك (  اللهجة المغاربية ) التي كانت تشق إيقاعات الفصحى في بعض الأحايين ، وكأنها إيقاعات مساندة لاكتمال سحر المقطوعة ، كم تعجبني لهجات أهل بلاد المغرب ، خاصة من ( كبار السن ) فهي تخرج نقية كنقاء تلك النفوس . كنت أصغي لصوت ناي الجد (جد هالة ) بل كنت أجلس منه على مقربه و هو جالس على سفح ذلك الجبل السامق يروي له الناي شجونه فيغني هو له بشجن ، بصوتٍ كان جمالهُ ينبع من صِدْقِهِ لا من تنميق الطبقات ، و لا الركون  للمقامات ، يرد خلفه  كورال الطبيعة ، تجسده الجبال الشامخة شموخ نفوس أهل بلاد المغرب ، لا يكدر صفو ذاك الانسجام إلا تلك الدماء النازفة في ربوع ( الجزائر ) الحبيب حينها .

عرفت بعدها و أنا أغوص في أعماق تلك الرواية  أن بعض ما شاهدته من  تغريداتها كانت مقتطفات من مقطوعتها الموسيقية التي خطتها بالحروف لا بنوتات السلم الموسيقي . تلك المقطوعة تدعى ( الأسود يليق بكِ ) . حقٌ للطيورِ أن تغرد بمثلها .

لم أكن غريبا عن بطليّ القصة ( الرجل المشرقي ، و الفتاة المغاربية )  فلقد عرفتهما في واقع الحياة ، قصة عرفت بطلها وبطلتها بكافة مواقفهم مع ( اختلاف التفاصيل )  . لذا كان تعايشي مع كل التفاصيل التي دارت خلال سيمفونية ( أحلام المستغانمي ) ما هي إلا أعادة شريط الذكرى ليس إلا . وكأنها كانت هي الأخرى أيضا حاضرة معهما قبل أن تخط حكايتهما في سيمفونيتها ! .

بطل القصة الذي أعرفه هو أيضا يُسمي النساء بأسماء الرقصات و الإيقاعات في نفسه ، و يصنفهن بالورود في شخصياتهن ، و فتاتهُ كانت تراه قاسيا غامضا ، و الأطرف من كل ذلك هو وردة الزنبق ( التوليب ) فأي قدر هذا ؟! الذي أطلعك على كل تلك التفاصيل لتنسجيها بحروفك الراقصة .

 يا ترى  هل للروائيين شيطان يُمْلِي عليهم كِتَاباتهم ، كما للشعراء شيطان شِعْر يُمْلِي عليهم شعرهم ؟! .

كنت أستغرق مع تلك ( البطلة ) و هي تُراقب بتعمق عين الطفل الفاحصة و عقله المدقق و هي تتأمل بانجذاب روحيّ لذلك الصوفي وهو يشعر بأنه بلغ حالة التجلي أثناء تأديته ( رقصة السماع ) . في كل دورة من دورانه حول ذاته يلقي همومه و يبحر بعقله و وجدانه نحو السماء ، محلقا بعيدا عن الأرض و أهلها و همومها .

كانت ( الروح المغاربية ) الجميلة حاضرة ، تلك الروح الناعمة بأثر الزهد و التصوف البعيدة عن التعالي و الاستعلاء الرافضة للذل ، بين هذين تجد تلك الروح برزخها الرائع . تلك الروح التي تخالطها قسوة ربما استمدتها من وعورة تلك الجبال التي تحتضن أغلب بلدان المغرب . تلك الروح رغم قسوتها ، وسريع غضبها ، و جفوتها وصراحتها التي قد تبتعد أحيانا حتى عن المجاملات المُسْتَحبة ، إلا أن عفويتها و بساطتها تجعلك تتعلق بها . هكذا هو كل شيء بسيط يكون أجمل من أي شيء معقد مهما بلغ من الجمال . لا تستلهم ( التانغو ) وهجها من صالات الأغنياء و مسارحهم المغلقة عليهم  بإحكام ، بل من روح البسطاء الذين ابتكروها من أجل أن يخففوا عن أنفسهم أثقال الحياة . فكل بسيط و هو حقا جميل .

أول مرة أقرأ رواية بمحض أرادتي  ، فكل ما قرأته من قبل كنت مضطرا له بسبب دعوة من أحد الأحبة لأقرأ هذه الرواية أو تلك أو سبب الدراسة أيام المدرسة و الجامعة ، رغم حبي العميق للأدب إلا أني لا تستهويني  الروايات و القصص ، فإنا أفضل الكُتُب الثقافية و المعرفية . وكنت أرى أن قراءة القصص هي مضيعة للوقت وخاصة مع أولئك الكُـتَّاب المغمورين الذين يغدقون بالفلسفة الخاوية و التنظير ، ويغرقون في الجانب الوصفي المبالغ فيه حتى يجعلك تشعر بالملل ، مع غياب الهدف و المغزى من القصة أو الرواية ، وكأنهم يكتبون لمجرد الكتابة ، أفْضَل الكُـتَّاب هو كاتب صاحب قضية و فكر - أيًّا كان مضمار كتابته - ومن كان غير ذلك كان كاتبا أجوف  . لكني كنت قد قررت منذ أشهر أن أبحث عن ما يستحق القراءة منها من باب التلذذ بجمال اللغة العربية ، لكني لم أشرع في التنفيذ لأسباب كثيرة .

جذبني الأسلوب اللغوي لــ ( أحلام ) في هذه الرواية التي أول ما شدني فيها أسمها الشاعري ، كما تعرفت خلالها على (أحلام مستغامي ) بعمق ، كانت أحلام حاضرة في روايتها لكنه حضور لا يطغى على شخوص قصتها . أنها كاتبة ذات حس واع ، وثقافة جميلة ، و لديها وعي وطني جميل ، تدرك الأمور كما يجب ، لا كما يريده تجار الوطن .

 لم أشرع بالبحث عن من هي ( أحلام مستغانمي )  ، فلقد أحببت التعرف عليها عبر قلمها من خلال هذه الرواية ـ أولا ـ لأستنتج منها حكمي دون تأثير من أي جهة أو أي كاتب كتب عن أحلام سواء بالتأييد أو الضد . و حقا كل ما استنتجته عنها وجدته صحيحا ـ أو هكذا أظن ـ من خلال ما قرأتُ عنها فيما بعد .

الجميل أيضا أن أجد أن هذه الكاتبة المبدعة تؤيدني في كثير من أرائي فيما يخص السياسة و الساسة و الوطن . ولقد وضعت الكثير من أرائي تلك في كتاب وسمته باسم ( تأملات مواطن عربي ، خواطر شتى  بين جرأة الأمل و صدمة الواقع ) أراجع الآن طبعته الثانية وأني بعد أن قرأت هذه الرواية الجميلة أعتزم أن أقتبس منها بعض النصوص ، و سوف أضيفها في الكتاب بإذن الله . و الذي سوف أنشره بلا شك في الانترنت كما أفعل دائما مع كتاباتي ـ التي أعتقد أنها تحمل نفعا ـ أيمانا بأن المعرفة من حق الجميع ، وأن العلم لا يجب أن يكون بضاعة تُبَاع . رغم أن من حق العاملين فيه الكسب  و لكن ليس بسياسة التجار وجشعهم .

بقدر إعجابي بأسلوب ( أحلام مستغانمي ) في رواية ( الأسود يليق بكِ ) و جميل ثقافتها و رشاقة انتقالها الوصفي لمشاهد الرواية بقدر دهشتي من عميق فهمها و دقيق تصويرها لنفسية الرجل ، و تحديدا الشرقي ، بكل تناقضاته  : ( تسلطهُ  و شاعريته  ، حنانه و جنونه ،  و بشكهِ و إيمانه في النساء ) ، فهو في الحُبْ حقا ( يملك الوقت ، و لكن لا يملك الصبر ) . و هو الذي يلوذ في أحزانه بصمته و يكتمها في سره ، و يعبر عن شديد حزنه بغضبه لا بدموعهِ ، و أقبح لحظاته هو بوحه لسرهِ لامرأة في لحظة ضعف ، و هو أمر لا يمكنه مسامحة نفسه عليه لكنه يفضل معاقبة المرأة التي باح لها بالسر لأنه بها يعاقب نفسه .

أن فهم النفوس يحتاج بصدق إلى عقل فاحص واعي ، وإلى تجربة عملية حتى تتمكن من سبر الأغوار . كذلك ربما هي ( عين الغريب ) الفاحصة ببديهتها . فعين الغريب أكثر تدقيقا فيما حولها في غربتها من ( عين أهل المكان ) الذين أصبح كل ما حولهم ـ بجميلهِ و قبيحهِ ـ مألوفا لا يلفت انتباههم ولا يسترعيه . و أعتقد أن هذا الأخير كان أكبر مُعِين للسيدة  ( مستغاتمي ) حيث أن عودتها بشخوص جزائرية في آخر القصة لتكون تلك الشخوص هي ( كبسولة ) تخفف ألآم الأحزان الكثيرة لبطلة القصة تدل على آلم اغتراب ، حتى وأن كان خفي ، ولا يخفى على أحد منْ أنَّ كِتَابة الكاتب وخاصة القاص أو الروائي هي في حقيقتها انعكاس لذاته و أشجانه ، وتجسيدا لها ولأحلامه وآرائه ، وهو من يتقمص في الحقيقة جميع الأدوار ، وأن لم يفعل ذلك أصبحت شخوص قصته بدون  روح . و الكاتب المُلهم يفعل كل ذلك بدون أن يشعر .

لقد كان الشيخ الجزائريّ /  إبراهيم بيوض ـ رحمه الله ـ من أولئك الجهابذة الذين أدركوا أن الخلاص من الاستعمار و الانحطاط لا يكون عبر السلاح وحده بل أكثر من ذلك ، فهو من القلة الذين آمنوا أن ( صلاح حال الوطن )  يأتي من ( صلاح الفرد ) فيه ، فالأفراد هم من يسمون بالوطن و الأمة ، وليس العكس . فسعى  في سبيل ذلك حتى قبل أن يشتهر ـ فقد استخدم المقالات في الجرائد تحت اسم مستعار ، ثم  سعى لإصلاح ذات البين بين القبائل في وطنه و بين أهل المذاهب فيه ـ كانت بدايته من وطنه ( وادي ميزاب ) ـ إضافة لأيمانه أن العلم و الوعي هو أهم ركيزة لنهوض الأمة ، كان ذلك هو نضاله ضد الاستعمار ، سانده في ذلك المناضل الإمام ابن باديس رحمه الله . و الذي كان يناضل بدوره بالسلاح و بالعلم .

كذلك هي ( الرواية ) ، أن للرواية عشاق  و مريدين ، و جمهور . وأن خَيْرُ كُـتَّابِنَا هم من يناضلون لبناء الوطن عبر(  إصلاح الفرد )  بأقلامهم المبدعة ، وقد حدثتني نفسي أن بنت الجزائر المتألقة ( أحلام مستغانمي )  هي من هؤلاء الأعلام المبدعين المناضلين ، و أتمنى أن لا أكون أخطأت الظن . على الأقل مما قرأته لها في روايتها هذه .

كان عليه الصلاة و السلام يستخدم القصة في توجيه أمته نحو الصلاح وذلك أيضا كان نهج القرآن الكريم . و هو نهج نهجهُ بعض أعلام الأمة مثل ابن طفيل في قصته الشهيرة ( حيّ بن يقظان ) لأجل خدمة فكره الفلسفي كان يرغب لإيصاله للناس بأيسر السبل . وهي لشرح فكرة فلسفية أيمانية معقدة في الخلق و الإيمان .

لذا يمكن للروائي ( الوطني المثقف الصادق )  أن يكون مناضلا  بقلمه و ملكاته بل ربما يكون أفضل من نضال الإصلاحيين الذين يستخدمون المقالة لنشر الوعي و  الإصلاح ، لأن الروائيّ يوجه قُرَّاءِهِ بأسلوب سلس لطيف سهل ، بدون أن يشعروا بالضجر ، و بدون أن يغلقوا فكرهم تجاه النصح و التوعية . و ( لا أحد معفي ) من السعي لسمو الأمة ، كلٌّ من منبره ، وكلٌّ من موقعه ، وبقدراته .

قد يسأل البعض عن سبب هذه المقالة ، و هل هي تحليل نقدي ؟ بالطبع لا ، ليست تحليل نقدي ، ولا أنا أهلٌ للتحليل النقدي ، إنما هو اعتذار ، و ثانيا توجيه لكُتَّابنا لأجل أن يحذوا حذو هؤلاء الكتاب المثقفين الحقيقيين ، وليتركوا عنهم تلك الأشعار و تلك القصص و الروايات الخاوية من أي روح ، الميتة قبل ولادتها . و التي تبدو كهذيان المحموم المهموم لا تفهم منه شيء أبدا . بل يصيبك بالسأم و الضجر بل و الكآبة . وأشد ما آسف عليه هو ذلك الاحتفاء بأولئك الكُتَّاب الذين لا يستحقون . بينما لا ينال من يستحق من كُتَّابنا ما يستحقون فعلا من احتفاء يليق بهم  .

 كذلك ليت أولئك الذين يظنون أنهم فلته من فلتات الزمان لأنه كتب قصة أو قصيدة ، ربما حتى لا ترقى لنسميها باسم الأدب أو نعوته . ليتهم يتواضعون ، ترى أحدهم يلبس لباسا غريبا أو يطيل شعره بطريقة تظنه معتوه ، أو يتصرف وكأنه يتقمص شخصية سينمائية ربما يظن أن الكاميرات تتابعه حيثما ذهب .

 فما هكذا العظماء الحقيقيون ، بل هم يعيشون حياتهم كما عهدوها حتى قبل أن يصبحوا مشاهير ، لأنهم يعلمون في قرار أنفسهم أنهم فعلا عظماء ، فلا داعي أن يتقمصوا تلك الحالات الغريبة التي يتقمصها أولئك الذين يشعرون بالدونية فيحاولون أظهار عكس ما يبطنون . ببساطة هم يعيشون شخصياتهم الحقيقية بعفوية . و الله أن المبصر يعلم أن الإنسان ( كلما كان عظيما ) بصدق كان أكثر زهدا في الحياة و ( بساطة وتواضع ) . لأنه يعلم أنه في الأخير هو إنسان فقط ، و أنه أن لم يكن عظيما فلن تزيده تلك السلوكيات أي عظمة .

ربما كان حق السيدة ( مستغانمي ) أن اعتذر منها بأني ما كنت أعرفها قبل تاريخ 16 أغسطس  رغم شهرتها . حق لي أن اعتذر لكِ  و لكل من هم مثلك في أني ما عرفتهم . ليس غرورا مني ، و لا لأن عدم قراءتي لهم أو معرفتي بهم سوف ينقصهم شي أو يرفعهم . و لكن هو أسف مني لشعوري بالتقصير نحو من يستحقون التكريم منَّا نحن القراء و خاصة من أبناء وطننا العربي الغالي . و أبسط التكريم هو قراءة أنتاجهما الأدبي و العلمي  .


و أخيرا ..


أن أجمل ما أراه في كاتب متألق أو صاحب علم مشهور و مبدع هو ( التواضع و البساطة ) في كل جوانب الحياة ، البعيد عن الاغترار بالنفس المتواضع رغم عظيم شأنه ، فهو يعلم بأن الغرور و التعالي لم يمنحه ما هو عليه من منزلة رفيعة ، و أن التواضع لن يسلبه أو ينقص من قدره الرفيع . هم هؤلاء أصحاب العقول الحقيقية . لله درُّ المتواضعين . كذلك أن يكون صاحب فكر و هدف وطني ، و ليس فقط الربح و التكسب .  

حفظ الله كل المبدعين المخلصين في كل الميادين في هذا الوطن الغالي  ، وهداهم للحق و أيدهم به دائما .



[1] - المقال مقتبس من مفكرتي ،  بتصرف و زيادة بسيطة .

ليست هناك تعليقات: