السبت، 27 يوليو 2013

رسالة إلى عصافير الخليج الناعبة في تويتر



( من أكثر المناورات الفكرية خسة : التحدث بعجرفة عن
 انتهاكات في مجتمع الغير ، وتبرير الممارسات
ذاتها في مجتمع المرء نفسه )

 إدوارد سعيد ، مفكر أمريكي من أصول عربية .







ما كنت أحب أن أضع نفسي في هذا المقام ، إلا أن مبالغة الجهال بلغت مداها ، و ليست مجابهة الجاهل كمجابهة العالم ، فالعالم أن قارعته بالحجة و البراهين قارعك بها ، فإن غلبته أقر ، و أما الجاهل فإن قارعته بالحجة سفهك ، و جادلك بلا برهان ، و أن غلبته شتمك ونال من عرضك ، كنتُ و مازلت ـ  و سأظل ـ أقف ضد أي عربي يتحدث مسفها لإخوانه في الدول العربية الأخرى ، أو منتقدا للهجتهم و قيمهم وثقافتهم . فكان حقيق بي اليوم أن أقف ضد من يتحدثون عن بلدي ( سلطنة عُمان ) . فمن واجبك أن تدافع عن أخيك و عن بيته ، ولكن الأوجب أن تدافع عن بيتك .

رسالتي  ليست تسفيها لأخوتي ، ولا تنمرا مني لمبادئي تجاه أمتي ، ولا سعيا لتمجيد الذات و تحقير الذوات الأخرى ، لغرض النأي بها عن أخونها ، ليكون كل بلد عربي هو كيان خاص مبتور من أصوله الأخرى . أنما هنالك ( عصافير )  في قفص صغير اسمه ( تويتر ) ، نَسِيَتْ التغريد وامتهنت النعيب و النعيق ، فحق علينا السعي لعلاجها أو إخراسها ، فإن بلغنا المراد فهو ذلك ، و إلا فيكون لنا شرف المحاولة خير من خزي الإحجام .

لن أتحدث من هو (  الشعب العُماني ) ، فشهادتي مجروحة ، وأي شيء من الممكن أن أقوله سيسند إلى مسألة التحيز ، لكني أقول تفضل إلى ( عُمان )  و أنظر بنفسك من نحن . ثم أحكم ، وكما يقول أبو الطيب  : ( لا يصدق الوصف حتى يصدق النظرُ ) . نحن لسنا ملائكة ، ولسنا شعب كامل ، فالكمال لله ، وكل وطن به الصالح و الطالح ، وله سلبيات وإيجابيات . فماذا تنتقد على الآخرين و أنت تملئكَ العيوب ؟ يقول المثل : ( من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجر ) .

                    عيوبي  إن  سألت  بها  كثير 
                              و أي الناس  ليس  له  عيوب

جوابي هنا ليس ردا على جهلة متقولين ، ولكن توضيحا لمن من الممكن أن يجري مجراهم تابعا جهل الجاهلين . و مسالك الحاقدين بدون وعي .

و أن من أعجب العجب أن لا يلتفت البشر إلى ( حسناتك ) مهما امتلكت منها ، وأنهم فقط يركزون على ( عيوبك ) و ( سوءاتك ) وكأنهم خالون من كل عيب . و أنهم أن لم تكن مثلهم تمن على الناس ما تفعله لهم عبر الإعلام ، أو تساعد على أثارة الفتن وتفريق الأخوة في بلدانهم فأنت بالنسبة للجهلة من الناس تملك صفات ذميمة تستأهل القذف .

فعجبا حين تخرس العقول و يتحدث الجهلة .

وعجبا حين تصير المحاسن أمر ذميم يستدعي قذف الجهال وسبهم لك .

و عجبا حين تصبح مسألة التقليد و الخوض مع الخائضين أمرا ( إلزامي )  ، و أن لم تفعله اعتبروك خارج السرب أو من كوكب أخرى ، و كأنما اعتبروا أجماعهم على ( الجهل )  أمرا مفروضا وصائبا . فسبحان الله  !!! فعجبا للإنسان  { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }[1]

تعُّد  ذنوبي عند  قومي  كثيرة
ولا ذنب لي إلا العلا و الفواضل

فأما من يتحدثون عن دين ( أهل عُمان )  فأقول : أنهم والله قوم مسلمون مخلصون ، يشهدون أن لا إله إلا الله و أن محمد عبده و رسوله ، و الكعبة الشريفة قبلتهم ، والقرآن الكريم كتابهم ، وسنة رسول الله قدوتهم ، يحبون نبيهم و آل بيته و أصحابهِ . ويؤمنون بأركان الإسلام و الإيمان بغير خلل ، لا يشركون بالله شيء ولا يعبدون القبور .  وأما غير ذلك فلا حق لكم عندهم أن تكفرونهم ، فما أنتم بأكثر إسلاما منهم ، ولا أنتم أصدق إيماننا منهم ،  {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ }[2] . و تلك الأركان لا تخرج الملتزم بها من الملة ،

فمن أنت حتى تكفره ؟ أفلا تتقون الله ؟ .

قال أسامة بن زيد بن حارثة ـ رضي الله عنهما ـ يروي عن سرية بعثه الرسول ـ صل الله عليه و سلم ـ  عليها قبل عامين من وفاته صل الله عليه و سلم : ( فأتيت النبي و قد أتاه البشير بالفتح ، فإذا هو مُتهلل وجهه ، فأدناني منه ثم قال : حدثني . فجعلت أحدثه ، و ذكرت له أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا و أهويت إليه بالرمح ، فقال : لا إله إلا الله ، فطعنته فقتلته .
فتغير وجه رسول الله ، وقال : ( ويحك يا أسامة ، فكيف لك بلا إله إلا الله ؟ ويحك يا أسامة ، فكيف لك بلا إله إلا الله ؟ .  فلم يزل يرددها عليَّ حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته ، واستقبلت الإسلام يومئذ من جديد . فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا إله إلا الله بعدما سمعت رسول الله )  .

 وأما اختلاف اجتهادات العلماء فذلك أمر مرجعه للعلماء ، و بئس العالم الذي يُدْلِج ( العامة )  في علم ( الخاصة )  لأنه يكون بذلك شيطان فتنة ، لا عالم دين و إصلاح .

و أعجب العجب هو حين يأتيك شخص يفند و يسفه لأنك على مذهب غير مذهبه ، و لأنك على غير مذهبه فأنت ( كافر ) ـ في نظرهِ ـ  و هو المؤمن الصادق ، بينما هذا الشخص لا يقوم حتى بأبسط فرائضه ، كالصلاة ، أو أنه لا يعرف من دينه أي شيء و حدوده في الصلاة و الصوم ، و أن سألته ما مذهبك يقول ( سني ) . و لكنه لا يعرف أي مذهب هو بالتحديد ، فأنَّا له أن يعرف في باقي المذاهب الصادق منها و الفاسق  . فكم هو عجيب ( جدال الجاهل )  !! . و لله في خلقه شؤون ! .

و أما علاقات ( عُمان )  الخارجية وعدم خوضها مع الخائضين في كل قضية ، فإنما ذلك التزام منها فيما بينها وبين الدول من اتفاقيات ، و مع هذا فإن ( سلطنة عُمان ) ليست بالدولة السلبية كـ ( سويسرا ) مثلا  ، و إنما لها صولات وجولات لكن الفرق بينها وبين غيرها أنها لا تحب ( البهرجة الإعلامية ) المبالغ فيها عن دورها الدولي ، ثم وأنها مثل ما لا تحب أن يتدخل أحد في شؤونها فإنها لا تتدخل في شؤون غيرها ، إلا ( وفق ما تضطره الظروف ) ، و تفاصيل السياسة كثيرة لا يمكن للإنسان العادي أن يفهمها و يغوص فيها اعتباطا . ( و في هذا الباب كلام كثير نتركه ) .

و أما  العصافير في ( تويتر ) ... هل يجب أن رأيت الناس تخوض في أمر أن أخوض معهم حتى ترضون ؟ و ما الخطئية في عدم تواجد العمانيين[3] ـ أن وافقنا على كلامهم جدلا ـ في الفيسبوك و تويتر . أم صار حضورهما كحضور صلاة الجماعة يعاب تاركهما ؟؟!

و أنتم أيها الخائضون في تويتر .. ما العيب فيمن لا يستخدمه ؟ و ما الإنجاز العظيم في استخدامه ؟ و الميزة العظيمة في تويتر ؟ هل ميزته غير الثرثرة و الفلسفة الزائفة ، فقد تحول مستخدمي تويتر إلى فلاسفة ، و ليست هنا المشكلة ، لكن المشكلة أنهم يتكلمون لمجرد الكلام ، ولا تجد إلا من ندر منهم يحتوى كلامه ( أفعالا )  . أنا ( لست ضد استخدام ) هذه المواقع ، لكن لكل شخص الحرية في استخدامه من عدمها ولا ينقص منه هذا شيء أبدا .

و بما أن أهل السعودية ـ  ليس جميع أهل السعودية طبعا ـ  أكثر المنتقدين لنا ، ويجاريهم البعض جهلا ( رغم أن هذا البعض أيضا قليل من سكانه يشاركون تلك العصافير ذات الصفير الدائم التصفير ) فأقول :

هل تعلم أخي الكريم كم عدد سكان بلدك ؟ و كم هو عدد سكان أهل عُمان ؟

سأخبرك : أن عدد ( المواطنين السعوديين )  من مجمل سكان ( المملكة ) هو  (19,838,448 ) نسمة ، و عدد ( المواطنين العُمانيين ) من مجمل سكان ( السلطنة ) هو (1.779.318) نسمة . فلو أزحنا منهم كبار السن و الأميين ، و الأطفال الذين في سن لا يؤهلهم لاستخدام هذه المواقع ، فكم يكون عدد مستخدمي النت في ( عُمان )  مقابل مستخدميه في ( السعودية )  ، و حتى وأن دخل ( المليون و السبعمائة ) كله للنت فلن يوازونكم . و سوف تفوقونهم حضورا . بسبب الفارق العددي الكبير .

أما أولئك الذين وصلوا بسوء أدبهم إلى قذف ( أهل عُمان ) بأنهم سحرة وأهل شعوذة ، فأقول لو كنتم مسلمين صادقين لصنتم ألسنتكم عن ( قذف الناس بالكبائر ) ، ولو كان الدين يطبق بصدق لوجب جلد هذا القائل ما لم يأتي ببينة .

 هل ( عُمان ) بها سحرة وأهل شعوذة ؟؟؟

أقول بكل جرأة : نعم ، يوجد فيها .  لكن ليس كل أهلها ولا يحق لك أن تعمم ، و التعميم هو صفة العامة و الجهلة . يقول الإمام الغزالي : ( إن التعميم من صفات العوام ) و هو حقا كذلك .

لكن .. هل باقي ( دول الخليج و العالم ) فيها السحر و الشعوذة ؟

 أقول أيضا : ( نعم فيها  ) و ربما أكثر مما في عُمان . اليمن و السعودية والمغرب و الجزائر  و العراق و مصر و السودان و تونس و باقي البلدان  . وأقول كلامي هذا من حكم دراسة في هذا المضمار أجريتها وبحث دام ( أربع سنوات ) . واستطيع أن أتيك بقوائم لأسماء أهل الشعوذة و السحر , وأخبرك صادقهم من كاذبهم ، و عالمهم من ظالمهم . وهذا ليس في البلاد العربية وحدها بل في كل العالم حتى ما يسمون دولا متقدمة بها منظمات معترف بها من الحكومة ، و عندهم السحر الأسود بأشد أنواعه . ولهم اتحادات أيضا كما في ( فرنسا ) و ( الولايات المتحدة الأمريكية ) .

 و ( لا يجوز أن تعمم )  بأن أهل وطن كامل هم أهل لتلك الكبيرة ، فذلك قذف و افتراء و ظلم لا يرضاه الله ، و لو كنا أهل سحر كما تصفوننا لملكنا الخليج و البلاد العربية كلها ولصار سلطان عُمان سلطانا عليكم ولأمضى ما أراده من أمور فوق إرادة ملوككم ، فلسنا أهل سحر ولا نطير على مكانس . ولا نقول إلا ( حسبنا الله و نعم الوكيل )  على من ( يؤذي الناس بلسانه ) فلا يرعى حرمة الله في عبادهِ .

أما المتحدثين عن ( الاتحاد الملكي أو اتحاد الملكيات أو الاتحاد الخليجي ) أو غيرها ، و التي يتحدث البعض عن رفض ( السلطنة )  لها ، أجل رفضتها السلطنة ، ومع أني من المدافعين عن ( الوحدة العربية ) إلا أني أؤيد بشدة قرار ( الحكومة العُمانية )  . لماذا ؟

الحقيقة أن هناك تفاصيل لا يدركها الناس ، وهم يتأثرون بما يسمعونه من الإعلام فقط . لكن ليت الناس تسأل : لماذا فجأة صارت كل الحكومات العربية تجري نحو هذا الإتحاد ؟؟

هل يعقل أنهم فجأة أدركوا أن الوحدة هي دوائهم ؟

وسؤال آخر : لماذا نحتاج لتكوين مؤسسة جديدة للوحدة بدلا من تفعيل مؤسسة مثل ( جامعة الدول العربية ) أو ( مجلس التعاون الخليجي ) ؟  أن كانوا صادقين .

السلطان ( قابوس )  ـ وليس دفاعا عنه ـ هو رجل سياسي يملك سياسة بصدق ، وليس مجرد رجل أوجدته الأقدار على كرسي لا يملك من فقهه شيء . وهو يعلم أن الحكام العرب الذين يسعون لتلك الوحدة أنما انقادوا بسبب ضغوطات من جهات محددة لأجل هدف محدد . وأنهم لا شك بعد أن يتم ( حلب ) هذه البقرات سيتم ذبحها . و سيحل بها ما حل من ركون وجمود للمؤسسات التي سبقتها . و من يفهم هذا الأمر يعلم بالضبط بسبب رفض ( قادة الخليج ) لمشروع السلطان ( قابوس )  لدرع الجزيرة . فرغم الوجود الشكلي لهذا المشروع العسكري والذي تحتاجه الجزيرة إلا أنه ليس كما اقترحه السلطان . والسبب وراء الرفض أولا هي أكبر دول المجلس ، لأنها تريد أن تظل في السيادة ، وليس مهم ما يحدث بعد ذلك .

ويفهم لماذا فشل مشروع ( العملة الموحدة ) بين دول المجلس ـ والذي رفضته السلطنة منذ البداية لأسباب اقتصادية مقنعة ـ بعد أن كادوا يتفقون قبل أن تنسحب الإمارات بسبب طلب السعودية أن يكون مقر الهيئة المسئولة عن الأمر في ( جدة )  بدل من أن يكون في الإمارات كما كان مقرر .

هكذا هم ، يتفرقون كما يتفرق الأطفال بعد لعبة طويلة ولأسباب جدا تافهة يمكن تجاوزها . أنها عقول صغار .

لا تعيب على أهل السياسة كل ما جاءت به السياسة قبل أن تفهم ماذا يجري في الكواليس .. أتمنى أن تسعوا إلى ( المعرفة ) يا أخواني .. هذا كل رجائي ، ويكفي شتم ومهاترات سخيفة بيننا .

تأنَّ في الشيء إذا رمتَهُ   **   لتعرف الرشد من الغيّ

لا تتبعنْ كل دخان ترى   **       فالنار قد توقد للكيّ

وقس على الشيء بأشكالهِ  **   يدلّك الشيء على الشيّء


أجل أن ( أهل عُمان )  ليسوا ببذخ أهل الخليج ، و بناتنا عربيات أصيلات لم يسلكن بعد مسالك غرف التجميل للنفخ و التبيض والتقشير ، وما إلى ذلك من ( أعادة صناعة النساء )  الحاصلة بجنون عند كثير من النساء العربيات . و رجال عُمان سمر السواعد و الوجوه لأنهم مازالوا يعملون تحت شمس الجزيرة الحارقة ، ولم يختبئوا تحت الأسقف الباردة طلبا (  للبياض و الرقة و النعومة  ) كما حال النساء ، وأيضا أهل عُمان ( عرب أقحاح ) في غالبيتهم ، مازالت سيما العرب في وجوههم ، لم تخالط أنسابنا أولى و أولئكَ . و (  لنا مفخرة في ذلك )  ، و أما الأجناس التي تعيش في عُمان من أفارقة زنوج أو هنود و غيرهم فتلك خلق ربهم لهم ولا أحد يملك شيء لأجله وهم راضون بقدر الرحمن لهم . و هناك رجاء لي و هو أن ترى بعين صادقة هل حقا جميع بنات بلادك جميلات و مهندمات أم هي فئة بسيطة من مجمل ما هو موجود عندكم ، وهل كل الرجال عندكم بيض و وسيمين ؟ و أتمنى في المقابل أن ترى ما في عُمان وأن لا تكتفي بالتلفاز لتحكم .

ثم أن التطرق في مثل هذه الأمور يعتبر أساسا ( سخافة ) و يدل على ( ضيق الأفق ) ، لأنك تشغل فكرك بتفاهات لا قيمة لها و لا معنى ولا فائدة منها .

و من قال أن ( المجد ) الذي بلغه ( أهل عُمان ) من الوصول لأقاصي الأرض كدولة لها سيادتها وحضارتها قد بلغته كل دول الخليج فإنما ذلك شخص يجهل التاريخ ، فحين كانت عُمان تقود المجد كان بعض من أهل الجزيرة يحلون في تلك الأصقاع فُرَادى تحت حماية تلك الدولة العُمانية ساعين للرزق والتجارة أو باحثين عن وطن جديد ، ولم يكونوا أبدا يجسدون حكوماتهم التي لم تكن أساسا ذات وجود بالمعنى الحقيقي للدولة .

أقول أخيرا كما قال الشاعر :

أنَّا  لقومٌ  أبتْ  أخلاقنا   شرفاً
أن نبتدي بالأذى من ليس يؤدينا

بيضٌ صنائعنا ، خُضرٌ مرابعنا
سودٌ   وقائعنا ،  حُمرٌ  مواضينا

لا يظهر العجز منَّا دون نيل مُنَّى
و لو  رأينا   المنايا   في  أمانينا

سيبقى ( أهل عُمان ) كما هم ، كراما بعيدين عن الفتن  والثرثرة الفارغة في تويتر أو فيسبوك أو في عبث الأطفال في كرة القدم وغيرها ، سيبقون ـ بجميع أطيافهم ومذاهبهم ـ  ( أهل دماثة و رزانة ) ، و ( صفاء سريرة ) ، سيبقون على ( نقاء سجيتهم )  ، ولن تغيرهم عبث الأيدي العابثة باسم التمدن بعزة الواحد الأحد ، فمن رضاه خُلقنا فأهلا به بيننا أخا عزيزا كريما ، ومن كره مقامه بيننا فليفارقنا غير مأسوف عليه . و من أتانا ضيفا أكرمناه بــ ( سماحتنا ) قبل القِرَى ، و بــ ( بشاشتنا ) قبل التحية و السلام ، فالحقد ( ليس ) من سجية أهل هذا البلد أبدا . و أن لسان حال أهل عُمان كما قال الشاعر :

سأُلزم نفسي الصفح عن كل مذنب
وإن عظمت منه  عليَّ الجرائم

فما  الناس إلا واحد من   ثلاثة :
شريف ، و مشروف ، و مثلي مقاوم

فأما الذي فوقي فأعرف فضله
و أتبع  فيه  الحق  و الحق  لازم

وأما الذي دوني فإن قال منكرا
صفحتُ  له  عنه  و إن  لام  لائم

وأما الذي مثلي فإن زلَّ أو هفا
تفضلت  إنَّ  الفضل  بالحلم حاكم

و أننا بصفاتنا تلك قال فينا نبي الله صل الله عليه وسلم : ( لو أتيت أهل عُمان ما سبوك ولا ضربوك ) ، وبصفاتنا تلك أسلمنا طوعا لا رهبة و لا قهرا ، و بصفاتنا تلك حُزنَا ثقة خلفاء رسول الله صل الله عليه وسلم و رضى عن أصحابه الميامين . فحملنا لواء  التوحيد وما تركناه في معركة طويلة عبر التاريخ في الكر و الفر .

فمن رأى لنا ( فضلا ) في صادق صفاتنا تلك فإنما ذلك لطيب خلقه ونبله ، فلا يعرف أخلاق الكرام إلا الكريم و( طبع النفس للنفس قائد ) . و أن رأى أن حسناتنا ( مساوئ ) في عينه فإن كل إنسان سيء يحاول أن يجمل مساوئه ولا يحب أن يعترف بها فإنه يحاول تقبيح المحسن ، وهذا حمق ماله دواء إلا الصمت ( فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله ) .

و أتمنى أن لا يضيق الشرفاء بكلامي ، فأنا ما قصدت به الشرفاء في الخليج ، فقد عرفنا منهم أهل أصل و شرف و كريم أخلاق ، أنما كلامي لمن هو أقل منكم شأن في العقل و الخلق .

حفظ الله  ( عُمان ) و أهلها من كل شر وصانها عن كل لسان لا يرعى حق الله ، وحفظ ( الخليج والجزيرة ) و كل ( الوطن العربي )  بما يحفظ عباده الصالحين ، ونسأله الأمن و السلام دائما أبدا .





[1] - الأحزاب72 .
[2] - القلم37
[3] - بطبيعة الحال العُمانيون متواجدون بكثرة في مواقع التواصل الاجتماعي ، لكن بعض الناس تعودت تكرار ما تسمعه دون أن تدقق في مدى صحته .

الأحد، 24 فبراير 2013

لا تحزن أن الله معنا





غلاف الكتاب


تحية طيبة

هنا أضع كتابا جديدا لي ، و هو كتاب (  لا تحزن أن الله معنا  ) ، اتمنى أن تجدوا فيه الفائدة و أن ينال أعجابكم .




للتحـــمـــيـــل من هــنـــا





لكم تحياتي



الثلاثاء، 4 ديسمبر 2012

الإِسَاءةُ إِلى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ

غلاف الكتاب





السلام عليكم و رحمة الله


أيها الأخوة الكرام


أضع بين أيديكم النسخة الإلكترونية من كُتَيِّب  ( الإِسَاءةُ إِلى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ )  و هو من أعمالي الكتابية  ، حُبًّا في نشر العلم و الوعي بين أفراد أمتي .

الكتيب يتناول الحديث ـ كما هو من عنوانهِ ـ عن الإساءة إلى النبي صلَّ الله عليه و سلم ، والتي أتخذها البعض مهنة لأسباب عديدة ، أطرح فيه وجهة نظري ، مستسقيا إياها من السيرة النبوية الشريفة و من الأحاديث ،  و التي يؤيدني فيها كثير من عقلاء الأمة وعلماءها الكبار من أصحاب الهامات العالية في العلم .

وأني لا أضع ـ بهذا الكتيب البسيط ـ رأسي بين تلك الجبال السامقة ، ولكن هذا العمل هو أضعف الإيمان من شخص أحب دينه و نبيه و أمته .

قسمتُ الكتيب إلى العناوين التالية :


المقدمة .

نظرة الآخر لديننا و نظرتنا لدينهِ و مقدساتهِ .

أسباب انتهاك الآخر لمقدساتنا  .

كيفية التعامل مع انتهاك المقدسات  .

كيفية النصرة الصادقة للنبي  .

من الذي يُسيء للنبي محمد ؟ .


ولكم كامل الحق في إهداء هذه النسخة الإلكترونية لمن ترغبون من أحبتكم ، و واجب المخلص نشر الوعي و العلم و العون عليه .

و بإذن الله يتم تعميم الفائدة بعد تمام النسخة المطبوعة الورقية .


التحميل من هــــــنـــــــا


وأي تعقيبات أو ملاحظات فإني اتقبلها برحابة صدر .


لكم وافر محبتي .

الأربعاء، 27 يوليو 2011

هل يدركون معنى ( ثورة ) ؟




" خَدَعوها بِقَولِهِم حَسناءُ 
 وَالغَواني يَغُرُّهُنَّ الثَناءُ
أَتُراها تَناسَت اسمِيَ لَمّا
 كَثُرَت في غَرامِها الأَسماءُ "
"أحمد شوقي ، شاعر من مصر "




أن أمور الحكم والسياسة أشبه بقيادة ( سفينة ) في بحر دائم الهيجان ، أنك حين تقف على الشاطئ قد لا تدرك خطورة البحر ، بل قد يغريك ارتياده متجاهلا و ربما جاهلا لمجاهله وأغواره . بعد الثورة الشعبية في مصر ـ ولن يختلف الحال في باقي الأقطار العربية ـ صار الجميع سياسيين و ثوار ، ولكن بعد أن نجحت الثورة ( مبدئيا ) .

في طريق خروجنا من ( مطار القاهرة ) مع السائق الذي أعرفه منذ سنوات وجدته شخصا آخر ، كان طوال الوقت ـ وحتى في الأيام التالية ـ يستمع إلى نشرة الأخبار عبر المذياع  وهذا ليس من عادته ، ثم  وجدته ـ  و هو الشخص الذي لا يأبه بالسياسة وليس من أهل الإقدام  حتى في المواقف البسيطة ـ صار ثوريا دفعة واحدة. لم يكن الوضع مناسبا لطرح أي أسئلة اللهم عن أحوال مصر و والأوضاع ، فكان يجيب : ( الحمد لله كله تمام ) . ثم في اللقاءات التالية كان الرجل لا ينفك يتحدث عن الاعتصام والثورة ، وهنا كان لابد من استيضاح الأمر فالرجل مثل ما يقول المصريين ( مش بتاع سياسة ) ، وهنا اكتشفت أن الرجل ( لم يشارك ) ، أنما كل ما فعله هو أنه زار ميدان التحرير في أحد الأيام الهادئة فيه فقط ثم غادر .
وفي أثناء وجودي قررنا زيارة ( ميدان التحرير )  أثناء استعداد المتظاهرين لجمعة مليونية كان ذلك في صباح يوم الجمعة ، فكان الرجل متحمس ، لكنه حين رأى حشود المتظاهرين صار متوتر ورفض حتى أن نقف أعلى الجسر لنشاهد ما يحدث . قلت في نفسي : أهذه روح ثائر ؟!! وحتى حين كنت أستقل سيارة أجرة أخرى ، فإني أجد سائقيها بذات الإيقاع و الذي لم أعهده : يستمعون للأخبار باستمرار عبر المذياع ، وكذلك يتحدث إليك أحدهم عن الثورة ويقول : (  أننا سنفعل وسنفعل ، وسنحاصر السفارة الفلانية و و و ) .  حين تستمع لأحدهم تظن أنك أمام (  تشي جيفارا ) ، بينما هو حتى لا يدنو من ( ميدان التحرير ) ناهيك عن الاعتصام فيه . حقا أنه أمر مضحكٌ مبكي .  كل ثورة شعبية تضم :

·        شرفاء عقلاء .
·        ومتسلقون طامعون .
·        وغوغاء تخوض مع الخائضين .
·        والحلقة الأضعف من جميع هؤلاء هم الشرفاء العقلاء .

هذه نقطة ـ علاوة على ملاحظتي لها حتى قبل سفري لمصر ـ أكدها لي بعض أساتذة علم الاجتماع في مصر ، من أن أناس لا ناقة لهم ولا جمل في السياسة ولا في الشأن العام أصبحوا يحاولوا الظهور بمظهر ( أبطال الثورة ) ، وفوقها ما أخبرنا به أحدهم أذا قال : أن عدد من الشباب كان يحضر للميدان بالليل حيث تقام أماسي غنائية و تمثليات و تسليات ، فبدل قضائهم لوقتهم في القهاوي ـ كما المعتاد ـ صاروا يأتون للميدان ( أصل الجو كان حلو هناك ) .  طبعا هذا لا يعني أن جميع من في الميدان هم من هذه الشاكلة أنما أوردت هذا الكلام لأظهر لأي مدى يوجد أشخاص لا يدركون معنى ما حدث بصدق .

المشكلة لا تكمن في هؤلاء ولكن تكمن في ( الجموع الغوغائية ) التي يمكن تحريكها بكل بساطة عبر خطب خاوية سواء من المؤيدين أو من المعارضين ، الأمر الذي يحدث صدامات عنيفة أدت لمقتل وجرح عدد من الأشخاص ، وهو أمر مؤسف حقا . ومع هذان الفريقان ليسا مكمن المشكلة ، أنما تكمن المشكلة في ثلاث نقاط :

·        غياب قيادة كاريزمية حكيمة يمكنها إدارة الأزمة ( مع احترامي للدكتور عصام شرف لكنها الحقيقة ) .
·        وجود أطراف تسعى للصيد في الماء العكر لكسب منافع خاصة .
·    غياب الوعي الشعبي الأمر الذي يسبب ضياع للوطن دون أن يشعر هؤلاء أو يدركون ، وهم يظنون أنهم يحسنون عملا .
·        أما بخصوص الأطراف التي تحاول تحصيل مكاسب شخصية والصيد في الماء العكر فهم عدة :

ـ المتحزبين . فلقد وجدت ولأول مرة مصطلح ( القوى السياسية ) ، الأمر قد يبدو عاديا ، لكنه في الواقع ليس كذلك . أن الأحزاب ـ وكما أقول دائما ـ لا تختلف عن التعصب القبلي ، خاصة في مجتمعات لا تتوافر على وعي سياسي . فهم ينادون بالديمقراطية وهم آخر من يؤمن بها ( وفاقد الشيء لا يعطيه ) أنما تلك الأحزاب دليل على ( حب السلطة ) و ليس حب الوطن أو التعددية ، ومن قرأ الصحف المصرية اليومية يدرك ما أعنيه .

تجد تبادل تهم وسب وشتم وكل منهم يتحدث عن معارضة الأخر لرأيه بأنه ( عميل ) ، ثم يطالبه الآخر بالاعتذار ، ثم السؤال الأهم :

منطقيا هل تستوعب أي دولة هذا العدد الهائل من الأحزاب ؟؟

وهل هي حقا مفيدة لمصلحة الدولة ؟

وأي أيدلوجيات هي التي تحتويها هذه الأحزاب ؟

الإجابة قطعا بالسلب ، أن كنا نتحدث بمنطق مبتعدين عن الأهواء .
ومازلت حتى يوم عودتي من مصر أجد في الصحف إعلان عن أحزاب جديدة ، لماذا لست أدري .

     ـ  ومن أولئك الأطراف أيضا ( التدخلات الأجنبية ) ، فليقل لي أحدكم ...

هل يكون ( الحزبي ) شريفا أن قام بإجراء مقابلات ولقاءات سرية في سفارات الدول الأخرى ؟

هل يكون شريفا أن تقبل ( أموال ) من دول أخرى ؟

هل يكون الثوريّ شريفا أن وافق أن يعقد ( لقاء سري ) مع ولي عهد دولة أخرى في غياب ممثلين عن حكومته ؟

أليست هذه أمور تدعو للشك ؟؟ بل وتدعو لإسقاط الثقة بهؤلاء بل وإسقاط مصداقيتهم .

لا يخفى على أحد كم تعاني مصر اقتصاديا منذ عهد مبارك ، وأثناء الثورة وبعدها تفاقم الأمر ، هناك تضخم ، وعجز كبير في ميزانية الدولة ، وهناك مديونية ضخمة خارجية للدولة وكلما تأخر السداد ازدادت الفائدة وارتفعت بالتالي المديونية مما ينعكس سلبا على اقتصاد البلد فترتفع بذلك معدلات الفقر أكثر . وهناك أكثر من 50% من السكان تحت خط الفقر ، وهناك أكثر من (  4 ملايين )  مواطن يكسبون أرزاقهم من السياحة والتي أصيبت بشلل خطير .

رغم أن وجودي في مصر كان لإنجاز بعض الأعمال إلا أن الأمر لم يعدم من بعض التجوال ، وأثناء تجوالي ـ وخاصة في الأهرامات والتي عادة ما تغص بالسياح الغربيين ـ  كان ملفتا جدا عدم وجود سياح . كم يضاعف هذا من أزمة الوطن الاقتصادية ! .

والأدهى أن يأتي المثقفون ليطالبوا برفع الرواتب ، ويتظاهروا معترضين على عدم تنفيذ الحكومة لمطلبهم هذا . أن كان هذا هو رأي الصفوة المثقفة ، فهل يُلام العامة ؟؟!

وليس مجرد انتكاسة لقطاع السياحة بل وأيضا تفجيرات هنا وهناك لأنابيب الغاز ، فهل يمنحك اعتراضك على تمديد الغاز لبلد ما الحق لتفجير تلك الأنابيب ؟؟

أضف إلى ذلك انعدام الشعور الأمني ، أن ما ( تعودته ) خلال زياراتي المتكررة لمصر أن الناس تتحرك بحرية ، حتى البنات هناك يرتدن النقل العام في تنقلاتهن بدون شرط اصطحاب مرافق لهن من الأهل ، ولكن ما لاحظته ـ ولا حظه آخرون معي ـ أن كثير من الأهل كانوا يصطحبون بناتهم لأداء الامتحانات الجامعية ، وعند سؤالنا عن السبب أجاب كل من سألناه بأن ( وضع البلد ملخبط و مفيش أمان ) .

وأثناء حواري مع عدد من الأكاديميين من أساتذة ( علم الاجتماع ) وجدتهم ممتعضين من التخبط الحاصل بعد سقوط الرئيس ، وأني أعرفهم معرفة جيدة وأعرف أيدلوجياتهم ، فهم يكرهون ( مبارك ) و كانوا ـ وحتى في عهده ـ يتحدثون عن سوء أدارته للبلد ، وتغييب العقول والأموال والمنطق في حكمه ـ وقد شارك بعضهم في الاعتصامات منذ بدايتها ـ إلا أنهم يرفضون ما يحدث من تخبط وخاصة فيما يتعلق بالجانب (  الأخلاقي للثورة ) ، فمسألة السب والشتم وأساليب الأهانة التي تكال على ( حسني مبارك ) لا تروق لهم ، وفي هذا معهم حق ـ أن أردنا الإنصاف ـ فالرجل ـ على علاته ـ كان يوما ( رئيس ) هذه الدولة ، ومهما فعلوا لن يستطيعوا تغيير هذه الحقيقة . وأنت بسبك للرئيس لا تضره بل تضر نفسك لأنك تحط من قدرها لهذا المستوى الوضيع .

ثم أمر أخر لفت انتباهي هو المبالغة في المطالبة بمحاكمة مبارك وأفراد حكومته ـ وهذا أمر لا خلاف فيه ـ لكن :

هل الوقت مناسب ؟

ما الجدوى من الثورة أن لم يكن هدفها نشر العدالة ، وتفعيل دولة القانون ؟ وأن كان هذا هو الهدف ، فهل المطالبة بمحاكمة مستعجلة وإصدار حكم سريعا على هؤلاء هو تطبيق صحيح لهذا المبدأ ؟

هل من المنطق أن تطالب بمحاكمة شخص وأنت أصلا قد أصدرت الحكم سلفا وترفض أن تستمع لغيره ؟

يطالبون بإعدام مبارك ، قال لنا أحدهم : أن الثوار لا يريدون سجن أو إعدام مبارك ، لكن يقبلون بنفيه خارج الوطن أنما يريدون محاكمته ليكون عبرة لمن يأتي بعده . لكني لا أؤيده في هذا ، لو كان حقا هذا رأيهم لما نصبوا المشانق الرمزية في ميدان التحرير والصور التي ترمز لذلك .

الأمر ذكر جميع من تحدثت إليهم بمحاكمة الرئيس العراقي ( صدام حسين ) ، والذي كان سلفا  قد قُرر ماهية الحكم فيه ، تلك المحاكمة التي تعد مهزلة وسخرية كبرى ، سخر بها على أبناء العراق خصوصا وعلى أبناء الوطن العربي عموما . ليس لأن رئيسا تم محاكمته ، بل لتوقيت المحاكمة التي كانت تعمية للأبصار حتى تم سرقة العراق ، ولأجل منهجية المحكمة الفاقدة أصلا لشرعيتها منذ ولادتها .

أن كان الحاكم ظالما فهذا لا يسوغ أن تكون أنت أيضا ظالما وإلا فما الفرق بينك وبينه ؟!!!!

محاكمة الفاسدين والخونة ـ و حتى الذين قبلوا أموال من دول أجنبية ـ أمر مفروغ منه ولا جدال فيه ، لكن هناك ( أولويات ) ، والعاقل من لا يخلط الحابل بالنابل ، فهؤلاء يجب أن يودعوا في السجن ، لكن يتم تأجيل محاكمته حتى يتم تحقيق المطالب الأساسية التي تضمن عدم ضياع اقتصاد  وأمن  و سيادة الوطن ، ثم إجراء الانتخابات الرئاسية وبعدها تشكيل الحكومة ثم يكون من ضمن واجبات الحكومة الجديدة أجراء محاكمة ( عادلة و نزيهة ) للرئيس السابق وحكومته ، تكون تلك المحاكمة خالدة عبر التاريخ تعبر عن ( نقاء روح الثورة ) .

هناك من يثير تفاصيلا الهدف منها هو ذر الرماد على العيون ، للأسف حين تتحدث عن حقائق لا يصغي لك أحد ، الناس لا تبصر الأمور إلا من أحد لونيين : أما أبيض أو أسود ، وحين يقع الفأس على الرأس يلطمون وينتحبون ولكن يكون لات حين مندم.

ما يبصره المرء من ( انحراف ) في مسار الثورة عبر دخول طرفين فيها وهم ( سماسرة المصالح الشخصية ) ، وكذلك ( الغوغائيين )  الذين يسيرون خبط عشواء ، وغياب ( الوازع الأخلاقي ) في نفوس كثيرين ، يجعله يطرح تساؤلا :

هل ستغير الثورة شيء ؟
أن تدخل أطراف خارجية بطريقة تمس بشكل ملفت سيادة الدولة يجعلنا ندرك أنه يراد لأقطار الوطن العربي أن تكون مثل (  العراق )  ـ  تناحر ، ودمار ، وفساد وفقر مدقع رغم الثراء ـ   أو  في أحسن الأحوال مثل ( لبنان )  ـ  طوائف ، تضاد ، وأحزاب محسوبة على دول أخرى ، وضياع للوطن ، وتأخر واضح في التنمية ـ  كل تلك المعطيات والتي أبصرها الجميع جعلت الكثيرين يبحثون في أمور مثل :

هل هناك خيانة للوطن ؟

من هو الخائن ؟ وطبعا كل فريق يخُّون الأخر .

لاحظت بعد أن وضعت مقالة سابقة بعنوان ( إلا خيانة الوطن ) أن عددا ضخما من مستخدمي محركات البحث ـ منذ وضعته وحتى لحظة كتابتي لهذا المقال ـ يبحثون في موضوع  ( خيانة الوطن ) ، أو قصائد وأشعار في خيانة الوطن ، وأني أحيل هذا الأمر بسبب حضور تلك المعطيات ليس إلا .

الجميع يعرف ـ حتى أغبى الناس ـ أن الغربيين لن يتدخلوا لأجل سواد عيون أحد بل لأجل مصالحهم الخاصة ، وكما يقول المثل الخليجي الشعبي : ( الذيب ما يهرول عبث ) .

فماذا باع تجار الثورة ـ في غفلة ( شرفاء ) الثورة ـ للغربيين بقيادة أمريكا أثناء لقاءهم بـ ( هيلاري كلنتون ) في النمسا حتى وافق حلف الناتو بضغط من أمريكا على التدخل عسكريا في ( ليبيا ) حتى قبل أن يقر الكونجرس الأمريكي ميزانية التدخل العسكري في ليبيا ؟

والجواب على هذا السؤال سيقود للإجابة على السؤال التالي :

هل ستكون ليبيا ـ ومثلها باقي الأقطار العربية الأخرى ـ في حال أفضل بعد سقوط النظام المُنْقَلب عليه ؟

الإجابة قطعاً هي : للأسف الشديد ( لا ) . إلا أن أحببنا أن نكذب على أنفسنا ، ونغالط في الحقائق أنفسنا . و ( لا  أقول ) هذا يأسا أو تراجعا ، أنما أقوله بناءً على حقائق مؤكدة وجلية .

من تلك الحقائق :

ـ التدخل الأجنبي السافر لتحصيل مكاسب ، ووجود ( باعة )  للوطن في المقابل ، والذي سيستميت لأجلها وهو يمتلك مقومات النصر طبعا .

ـ انعدام الوعي الحقيقي في القطاع الشعبي لما يجب أن تسير عليه الأمور وعدم إدراك الأولويات .

ـ السعي للحصول على ( مكاسب شخصية ) لهثا وراء السلطة والمال .

ـ وجود خلل متأصل في المجتمع لن يمكن معه إصلاح الحكم ما لم يصلح المحكومين ، لأن من سيكونوا في الحكم أولا وأخيرا هم نتاج هذا المجتمع .

ـ وجود سلطات كثيرة تتنازعها ( أيدلوجيات و أهداف متفرقة ) ، ولا يمكن لسفينة أن تنجو في بحر هائج  و هي  يقودها  ألف رُبَّان .

وأخيراً ...

أن كل ما ذكرته هو ليس حكرا على ( مصر ) وحدها ، فهو يتكرر في (  سوريا ) و ( اليمن ) و ( تونس ) و كذلك ( ليبيا ) الذي يبدو التدخل الأجنبي فيه جليا واضحا .

أن طرحي لما طرحت ليس من باب ( النقد لمجرد النقد ) ، وليس لبث ( الروح الانهزامية )  ، بل على المقاتل أن يدرك حقيقة المعركة ليعلم متى ( يكر ) و متى ( يفر ) ، وذلك لبلوغ الهدف المنشود بأقل الخسائر الممكنة .

الأحد، 5 يونيو 2011

ثـقـافـة العـطاء




" أزرع جميلاً ولو في غير موضعهِ 
فلن يضيع جميل أينما زُرعا
إنَّ الجميل و إن طال الزمان بهِ 
 فليس يحصدهُ إلاَّ الذي زرعا "

(من الشعر العربي )







ثقافة العطاء متى ما كانت منتشرة في مجتمع ما دل ذلك على ( الرقي الفكري ) و ( الرقي الإنساني )  لذلك المجتمع  :

وأحسن شيء في الورى وجهُ مُحسنٍ
و  أيمن  كفٍّ  فيهمُ  كفُّ    مُنعِمِ

ولا يقتصر العطاء على بذل المال وإنما أيضا على ( بذل الجهد ) ، و في نظري العطاء يكون على عدة وجوه :
الأول :   بذل المال لمساعدة أبناء الوطن ، فالأقربون أولى بالمعروف ، وذلك حفظا للمودة ، ووصلا للرحم ، وتعميقا للمحبة ، تكون البداية من قرابة الدم ثم قرابة المودة ، ثم قرابة الجوار ثم الأبعد فالأبعد .

إذا المال لم ينفع صديقاً ولم يصب
قريبا  ،  و لم يُجبر به حال مُعْدمِ

فعُقْباهُ  أن  تحتازهُ  كفُّ  وارثٍ
وللباخل المورُوثِ عُقبى التندُّمِ

الثاني :   بذل المال لأبناء الوطن القومي وكذلك أبناء العقيدة في الأقطار الأخرى . كثير من أقطارنا العربية تحتاج لدعم ( قطاع التعليم ) من مدارس و جامعات ، في زيارة لي لأحدى الدول العربية كنت أرى جامعات عريقة تفتقر لقاعات محاضرات ، وكذلك في بعض الدول العربية ـ وأخص ( جزر القمر ) تحديدا ، ذلك القطر العربي المنسي ـ الأطفال تجدهم مقبلين على المدارس وعلى التعليم بشغف وكذلك مدارس تحفيظ القرآن ولكن إمكانيات الحكومة جدا ضعيفة ، ولقد رأينا مساعي الرئيس القمري (  أحمد عبدالله سامبي ) في تأكيد الانتماء العربي لجزر القمر ، حيث قام بزيارات مكثفة لترسيخ العلاقات مع الأقطار العربية ، فالرئيس ( سامبي ) متحدث فصيح بالعربية ولقد عاش جزءا من حياته في طلب العلم في مكة المكرمة ، وهو مؤمن بعروبة جزر القمر ، الأمر جدا محزن ، حيث أننا نرى أثرياء العرب يتشدقون بتبرعاتهم للجامعات الأمريكية والأوروبية لأجل أن يتحدث الغرب عن كرمهم ، بينما نحن أحق بهذه الأموال . وفي الحقيقة كثيرا ما كنا نسمع من بعض الغربيين تهكمهم وسخريتهم من سذاجة هؤلاء الأثرياء في تبرعاتهم ، فهم لا يرون فيها إلا تبعية و سذاجة  و ليس كرما .

الثالث :   بذل الجهد لصالح الأقربين وكذلك أبناء الوطن وكذلك أبناء القومية والعقيدة ، وأقصد بهذا أن يكون البذل بالجهد عبر المساهمة الفاعلة للإنسان للرقي بوطنه وأمته وأهله وذلك من باب ( حب لأخيك ما تحب لنفسك ) ، ومن الأمثلة البسيطة على بذل الجهد :

·       المحافظة على البيئة وعدم الإسراف في موارد الوطن ( مثلا الماء والكهرباء ، و النباتات و غيرها ) .
·   المحافظة على المرفقات العامة بصفتها ملك لك كمواطن منتفع منها ، لأنها في الحقيقة ليست ملك للحكومة وإنما ملك لك .
·   المساهمة في نشر المعرفة والتوعية الثقافية ، ولا أعني هنا عبر الندوات والمحاضرات والمحافل الثقافية فقط ، وإنما أيضا عبر الجلسات الودية العادية أو العائلية وذلك عبر نقل المعلومة الصحيحة و بالأسلوب المناسب للكل فئة حسب ثقافتها وحسب سنها ، و بأسلوب شيق تدفعهم لطلب المزيد من المعرفة  .
·   المساهمة في أنشطة تطوعية في مجالات شتى ، مثل التعليم أو حملات النظافة أو التوعية أو الأخذ بيد المبدعين في المجالات العلمية المختلفة .
·   عبر أعطاء الصورة الجميلة عن وطنه ، وعبر مد  يد العون بالجهد أو بالكلمة الطيبة والشفاعة الحسنة للآخرين .


كيف يمكننا أن نساهم كمواطنين بسطاء ؟

قد يرى البعض أنني شخص حالم ، لكن قبل أن تحكموا في اقتراحي أقرؤوه بتأني ستجدون أنه ممكن .

لو أقمنا ( صناديق )  بين كل عائلة أو مجموعة معارف أو أصدقاء ، وتبرع كل شخص بقيمة ( دولار واحد ) في الشهر ، سيكون عندنا من كل عشرة أشخاص عشرة دولارات ، وهكذا عند كل عشرة ، ستجد أننا قد نصل إلى ألف أو ألفين دولار في الشهر ، تقوم كل مجموعة بإرسال هذا المال كتبرع لأحدى الجمعيات الخيرية أو الثقافية الموثوقة ـ وهي كثيرة ولله الحمد ـ سواء داخل حدود الوطن أو في الأقطار العربية الأخرى .

صدقني ستكون جدا راضٍ عن نفسك حين تجد أن ذلك ( الدولار )  الوحيد قد أنتفع به طفل أستطاع أخيرا أن يتعلم بدلا أن يعمل وهو في سن صغير ، أو أن تم استخدامه لافتتاح مركز لمحو الأمية .أيضا يمكننا ـ فيما لو توفرت القدرة ـ أن نعمل على أيجاد ( وقف )  لأجل عمل معين ، مثلا من خلال تجميع هذه التبرعات وشراء بناية ( عمارة ) يتم تأجيرها يذهب ثمن أجارها لصالح جمعية خيرية للأيتام أو لمركز لمحو الأمية أو لرعاية أطفال الشوارع أو الفقراء سواء لتعليمهم أو لإطعامهم.

أو تجميع هذه الأموال لإنشاء ( مشاريع )  لصالح أسر فقيرة ، تكون مصدر دخل لهم بدلا من أن تطلب الناس اللقمة ، فمثلا أن كنت تعرف عائلة فقيرة في الحي الذي تقطنهُ أو الأحياء المجاورة أو حتى المدينة المجاورة ، فتقوموا مثلا بجمع تبرعات لإنشاء محل خياطة أو بيع مواد غذائية أو صناعات تقليدية أو أي مشروع بسيط ممكن للأب أو للأم في تلك الأسرة  أن تحفظ ماء وجههم بها من سؤال الناس ، وتكون بهذا قد ( سددت ثغرة ) في بناء المجتمع ، فأنت بهذا تكون قد أوجدت لنفسك صدقة جارية سترى ـ بعزة الله ـ أثرها في رزقك ومالك وصحتك وأولادك ، وأنت حين تحث الناس على التبرع لمثل هذه الأشياء ومساعدة الآخرين فأنت أيضا تأخذ الأجر من الله مقابل ما تدل الناس عليه من خير .
أنني ـ و أوردها هنا كمثال لا للتشدق ـ وضعت ( صندوق صغير )  في البيت عندي ، وألزمت أهلي حتى أخواني الصغار ، أن يتبرعوا ( كل أسبوع  ) بأي مبلغ ممكن حتى لو كان زهيدا ، فعلى كل واحد منهم أن يضع ما قدره الله عليه كل أسبوع وبدون علم الآخرين ، أي ( أن يكون ما تبرع به بينه وبين ربه فقط ) ، ثم أنني أقوم بفتحها ( كل نهاية شهر ) و أوجهها لجهات هي محتاجة للتبرع مثلا :  بناء مساجد أو طباعة مصاحف ، أو جمعيات رعاية الأسر الفقيرة أو جمعيات رعاية الأيتام ، وهكذا .

ورغم أن المبالغ تكون ( بسيطة ) إلا أن لو كل شخص قام بهذا في أسرته فإن هذه المبالغ البسيطة تجتمع لتصبح ذات نفع فكما تقول الحكمة العربية : ( الذود للذود إبل ) وقطرة مع قطرة تسيل بها وديان .

ومن دلالات وجود ثقافة العطاء في مجتمع ما هو ( تبادل العطايا )  بين الجيران والأهل المتجاورين ، مثل ( تبادل الأكل المطبوخ في البيت ) ـ حتى لو أن  تعطي جارك كمية بسيطة ـ وذلك من باب ( تعميق المودة والألفة بين الناس ) ، ولله الحمد هذا أمر يبعث على السعادة حين ترى الناس حولك هكذا ، وأني أرى الناس يجتمعون ليتعاونوا لجمع المال للمريض الذي يحتاج للعلاج ولا يجد المال له ، قدر جهدهم .

وكذلك في رمضان كيف يتعاضدون كل حسب ما يملك لا يحقرون شيئا من العطاء مهما كان بسيطا ، وكذلك أيام الأعياد وعند بدايات العام المدرسي وهكذا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا سألتم الحوائج فاسألوا العرب"[1]. يقول الشيخ سالم بن حمود السيابي ـ رحمه الله ـ وفيه : (  لأنها ـ أي العرب ـ  تعظم لثلاث خصال : كرم أحسابها ، واستحياء بعضها من بعض ، والمواساة لله ، أي لأنها خصت بهذا دون باقي الأمم ) .

و أخيرا ...

أن ديننا يحث على ( ثقافة العطاء ) ، و ( العطاء ) يشبه تعاون الناس في تشييد بناء ما ، فإن صار كل شخص يحمل طوبة ليضعها بشكل صحيح ويأتي أخر بنفس الشيء وهكذا فإننا في المحصلة سنصل إلى ( بناء قوي ) و نجد أنفسنا قد أنجزناه في وقت قياسي . نحن أمته تحمل ( الرفق و الرحمة ) في قلبها ، والعطاء دليل عظيم على الرحمة والرفق .

أن النبتة أصلها بذرة ، ثم تراها تكبر لتغدو شجرة ذات ثمر يانع ، ثم الثمرة تعطي بذرة أخرى وهكذا حتى تغدو غابة ذات ظل وثمر . وهذا ما ننشده بإذن الله . وتذكر أن تعطي (  دولارا أو نصف دولار ) في الشهر خير من أن ( لا تعطي )  شيئا ، فلا تحقرن من المعروف شيء .


دمتم  بحـوراً  للخـيـر  و العطاء .





[1] - رواه ابن مسعود رضي الله عنه .