السبت، 30 أكتوبر 2010

ماذا تعرف عن العرب ياهذا !




" الأمور تَتَشابه مقبلة ، فلا يعرفها إلا ذو الرأي ،

 فإن أدبرت عرفها الجاهل كما يعرفها العاقل "
أكثم بن صيفي ، أحد فصحاء العرب وحكمائها.







لضمان نجاح تَقَبُل الجسم البشري للأطراف المزروعة من جسد أخر لابد من تناول الشخص الذي تمت له عملية زراعة الأطراف ( كالذراع أو الساق ) لأدوية تعمل على أضعاف المناعة عنده و ذلك حتى لا تقوم المناعة بنشاط يرفض معه الجسم هذا الدخيل الجديد عليه و بالتالي يتوجب أن يتم استئصال هذا الدخيل .

ولأجل أن يكسب الإنسان تلك الذراع أو الساق ليملك القوة التي فقدها يقبل بتخدير مناعة جسمه ويعرض جسده لأخطار اقتحام أمراض كثيرة له بسبب عدم وجود مناعة فيه . كما حال هذا الجسم مع الأطراف و إيقاف المناعة كان ولا يزال حال أمتنا مع كيانين مزروعين توجب على حُكامنا أن يعملوا بشتى الطرق تخدير مناعة جسد الأمة ليمكن معه عدم المطالبة باستئصال هذا الدخيل . و الدخيلان هما الصهاينة ، و الرأسماليين .

ولأن كريات الدم البيضاء ـ التي تشكل جهاز المناعة للجسم ـ  تكون ضعيفة ـ في جسم الشخص الذي تم زراعة الأطراف له ـ يتقبل الجسم ذلك الدخيل على أنه لا مشكلة في وجوده و يعتبره جزء منه فلا يرفضه ، و لأن الأحرار ـ  الذين يشكلون جهاز المناعة للأمة ـ  يكونون ضعفاء  ـ  في الأمة التي تم  زراعة كيان دخيل فيها ـ يتقبل الشعب ذلك الكيان على أنه شيء عادي لا مشكلة في وجوده أو على الأقل الاستسلام  لوجوده .

في  أمتي  الناس  ثلاثة :

·       عميلٌ خائن .
·        و ببغاء مصفقة تردد ما يقال جهلا .
·        و عارف مسلوب الحول و القوة .


 وأشرُّ كُلِّ هؤلاء على أمتي هو تلك ( الببغاوات المصفقة )  ، لأنها من حيث تدري ولا تدري تعين الظالمين على أمتي ، فهي تردد ما يقال دون أن تكلف نفسها عناء البحث عن الحقيقة ، وأني لا أعذر من جهل الحقيقة ، وخاصة في عصر توفرت فيه كل الوسائل ، فمن أراد معرفة الحقيقة يمكنه البحث عنها  و لا  شك  سيجدها .

أنا أعترف أن من بين تلك الببغاوات من يُحبون هذه الأمة ، ومن فرط ما قد ساءَهُمْ حالها تجدهم يرددون ما يقال عن مساوئها ، و لكني لا أعذرهم في هذا ، فتلك سياسة المنافق ، (  أذا خاصم فجر ) ، وصار الحبيب الذي بالأمس ( ملاكاً )  ( شيطانا رجيما ) .  تلك خطةٌ لن توصلنا إلا لضياع أكثر مما نحن فيه ، وسنظل ـ بسببه ـ ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها .

أنكم تجشمون أمتي مركبا صعب ، فهذه الأمة مكونة من ( بشر ) و ليست من ( ملائكة ) ، وكما لهم أمجاد لهم أخطاء ، لكنكم تُبَالغُون في تهويل أخطائها وتأخذونها إلى غير محملها ، وأنه أمر نرفضه تماما ، فتلك السلبية الزائدة هي ( داء ) . ذلك الاضطراب يُعين عدونا علينا ، فإنْ أرتفع العجاج عميت الأبصار ، وأن عميت الأبصار لم تعرف عدوك من صديقك وتلك أحد تدابير ( فرق تسُد ) .


لا  باركَ  الله في  ساعٍ  بتفرقةٍ
بين الصَفيين والجارين من أمم


ولقد ضقنا ذرعا بتلك القاعدة التي يُصرُّ البعض على فرضِها علينا في كل المواقف وفي كل الأحيان ، قاعدة الضياع والتشتيت بين ( التهوين و التهويل ، و الإفراط والتفريط ) فنحن ( أمة الوسط ) يا قومي ، فدعونا نكن وسطا .

يظن البعض ـ جهلا  ـ  أن التشدق بذكر مساوئ  الأمة ـ أو ما يظنون أنه مساوئ ـ هي رجاحة عقل لهم أو أنها تدل على فائض علمهم ، وعظيم فهمهم ، و غزير ثقافتهم ، وهم لا يعلمون أنهم  ـ  من حيث لا يدرون ـ  يفضحون جهلا عميقا ، و سفها مقيتا .

فاحبسي الشكوى فلولاك لما
كان  في  الحُكم  عبيد  الدرهمِ

يقارنون بين حال أمتي و بين أمم أخرى ما فقهوا عن أحوالها إلا ما يقرؤون في الجرائد عنها ، و ما قول الجرائد بصادق ، فلوا فهموا الحقيقة ، لعلموا علم اليقين أن تلك قشرة تغلف عفناً مقيتا ، وأن أمتي يخنقها العفن الطافي فوق غلافها ، وأعني أولئك الذين نصبوا أنفسهم أسيادا و أصناما و فرضوا على الناس تقديسهم ، و الواحد منهم لا يحمل طُهرَ الصنم .

يعيبون على أمتي أنها أمة لا تقرأ و والله لقد كذبوا ، يعيبون على أمتي أن عاداتها كلها سيئة و والله ما أبصروا ، يعيبون على أمتي أنها أمة الإسلام ورغم هذا فالغرب أنقى وأفضل وأعدل ، و والله قد جهلوا فزيفوا .

جعلوا صرخة أحرار أمتي في وجه الباطل (  إرهابا ) و والله لقد خُلط عليهم ، وجعلوا وعْيَ أمتي بعدوها ومكائده ( وسواساً قهرية )  و ( أمراضاً نفسية ) ، وقالوا : أن لا مؤامرة ضدنا بل تلك أوهام بسبب ما أوصلكم اليأس إليه ، و والله ما عَقلوا . ثم يأتي الغرب أنفسهم ليشهدوا على مؤامراتهم ضد أمتي ، و وثائقهم دليل يؤيد شهادتهم .

لعمرك ما الأبصار تنفع أهلها
إذا لم يكن للمبصرينَ بصائرُ


مالا تعرفه أيها الجاهل أن ذلك الغرب أقذر مما يبهر عينك ، مالا تعرفه أيضا أن الغرب مجرد تابع لكنه تابع ( مُقرب ) وليس مثل حُكام هذه الأمة تابع ( مُحقر ) ، مالا تعرفه أننا أمة تملك أحرارا ، وتملك جهابذة عباقرة في كل المجالات ، لكن أحرارا تكمم أفواههم ، وتمزق أجسادهم تحت سياط الخونة ، و تغيب تلك النفوس الزكية في غياهب السجون العفنة ، التي ليست أكثر عفنا من سَجَّانِيها .

وعباقرتنا ـ أيها الجاهل بأمتي ـ لهم خيارين لا ثالث لهما : أما أن يقبل بجنسية أحد الدول التابعة المقربة ـ أي الغرب ـ و يكون رافها منعما مدللا ، ليكرس عقله وعلمه في خدمة تلك الدول ، أو أن يموت ميتة غامضة ثم تغلق القضية ضد مجهول وتنسى بالتعاون مع أولئك الركع السجود في المحافل الماسونية ، الحاكمين بأمر الله ـ كما يحاولوا أن يوهمونا ـ وأصحاب الحق الإلهي الذي ما أنزل الله به من سلطان .

أمتي  كم   صنمٍ  مجدته
لم يكن يحمل طُهر الصنمِ

يسعى أولئك الحكام المقدسون لتثبيط العزائم و تكميم الأفواه ، و نشر الجهل ، و توجيه التنمية في الوطن توجيهات لا تخدم الشعب ، و أنما تخدم أسياد ذلك المقدس الراكع في محافل الماسونية ، ليبقى له فتات الخبز : كرسياً ، و نساءً ، و أموالاً ، و تقديساً .

أنظر مصير عباقرة أمتي الذين ( رفضوا بيع أوطانهم )  ، لأنهم علموا علم اليقين : " أن من يبيع أرضه يبيع عرضه " ، أين ( مصطفى مشرفة ) ؟ و أين ( جمال حمدان )  ؟ و أين ( سميرة موسى ) ؟ و أين  ( يحيى المشد )  ؟ وأين ( سامية ميمني )  ؟ والكثير الكثير من علمائنا وعباقرتنا ، نالهم التهميش من أولئك الأصنام المقدسة ، وحين كانت عزائمهم وحبهم لأوطانهم وأيمانهم بواجبهم أكبر حافز و إصراراً على العمل والإبداع ( قُتلوا )  بطُرق غريبة ، حتى حقوقهم بعد الممات سُلبت فلم يكرموا ، و قُتل حتى ذكر انجازهم ، ولم يُحقق أصلا في قضاياهم ألا بقدر إخراس الألسن ثم يتهمون في شرفهم أو يقال انتحروا أو أسباب تافهة لم يُثْبِتْ صحتها تحقياًق جنائياً نزيهاً .

وليس العراق عنَّا ببعيد ، في السنوات الأولى للاحتلال ( الأمريكي ـ الصهيوني ـ الفارسي )  كانت الإحصاءات تشير إلى أن هناك أكثر من (  350  ) عالماً نوويا وأكثر من ( 200  ) أستاذ جامعي ـ غير العباقرة في مجال الطب والجراحة ـ  قتلهم الموساد الصهيوني في غطاء أمريكي ، و لا تتوفر إحصاءات نزيه عن الأرقام الحديثة للاغتيالات . هدفهم أن لا يستيقظ العملاق ، وأن تبقى مناعته مخدرة حتى لا يرفض الدخلاء . فهم يعلمون علما لا مراء فيه :

علمْت أنَّ ورَاءَ الضَّعْفِ مَقدرَةً
و أَنَّ  لِلْحَقِّ  لا   للْقُوَّةِ  الغَلَبَا


وأخيراً ..

استيقظوا وتيقظوا ، لا يعميكم حب الزعماء عن رؤية أباطيلهم و زلاتهم ، وأعلموا أنه ليس في البشر معصومين سوى الأنبياء ، أفتح بصيرتك قبل بصرك ، وأرجع إلى رشدك ، وعليك بالعلم فأنه يقوي البصيرة وينير الطريق ، و أبداء بـ ( إصلاح نفسك )  وثم كن ايجابيا بأن تصلح من حولك قدر جهدك ، فالرجل القوي يعمل و الرجل الضعيف يتمنى .

عليك  أن  تسعى  لشيء و ما

عليك أن تضمن عقبى النجاح

الثلاثاء، 25 مايو 2010

كُونْ مُعَارِضاً شريفاً أو لا تكون


مَتى يَبلُغ البُنيانُ يَوماً تَمامَه

 اِذا  كُنت تَبنيهِ وَ غَيرك  يَهدِم
صالح بن عبد القدوس الأزدي ، شاعر عربي عباسي






المعارضة أمر مهم لأي دولة تهدف للبناء وتسعى للرقي و الازدهار ، لأن وجود المعارضة في أي دولة تنبه لوجود رقباء على مصالح البلد بالتالي تكون كالرادع للنفس الأمارة بالسوء ، و وجودها يؤكد على وجود شعب حُرّ حيّ يسمو للحياة الكريمة على أرض وطنه ، لا تخلو دولة من معارضة مادام بها أشراف يحبون وطنهم ، و أيضا مادام بها أناس يلبسون عباءة المعارضة ( لحاجة في نفس يعقوب ).

وبما أن المعارضة هي عين الرقيب على الحكومة ، فإننا نجد عبر التاريخ أن الحكومات الفاسدة تسعى لذبح و وأد المعارضة والمعارضين ، لأنها لا تحب أن تسمع صوت يذكر مثالبها ، هؤلاء لا يُطِيقون إلا نَهِيق المُمجدين لهم أن استحقوا أو لم يستحقوا ذلك التمجيد .

بسبب الوضع في منطقتنا وكثرة المتربصين ، فإن هذه الحكومات الفاسدة دوما تُفَنْد المعارضة على أنها مجرد عميلة لجهات أجنبية وأنهم مجرد مخربين ، في حين نجد أن هذه الحكومات لم تكلف نفسها يوما لتختبر هذه المعارضات هل هي صادقة أو لا ، ومع اعترافي بأن ليس كل معارضه شريفة ، ولكن أيضا ليس كل معارضة عميلة , ثم أي عدو تتحدث عنه هذه الحكومات ؟ لست أدري بصدق ، فكل أعداء الأمة هم عبارة عن أصدقاء وأحباب وأسياد لهذه الحكومات .

ورغم كل الظروف أمتنا بحاجة للمعرضة الشريفة ، ولابد للحق أن ينتصر ويكسر حندس العجاج ، فالنور لا يتبدد بينما العجاج لابد أن يأتيه حين ويتبدد . فالمعارضة (الشريفة )  هي النور الذي تحتاجه أوطاننا ، فقد سئمنا من تقديس الحُكام والملوك وتأليههم ، هم مجرد بشر لهم أخطأ يحتاجون لمن ينبههم أن أخطئوا ، ويوقفهم أن تمادوا ، وبهذا تسير عجلة البناء للأمام قُدُماً .

أدعو كُلُّ وطنيٍّ غيور ـ يرى أن له الحق أن يقول للخطأ خطأ كما يقول للصواب صواب ـ أن يقرأ سيرة الصحابي أبو ذَرٍّ الغِفَاريّ ، ليس شرطاً أن تكون مسلماً لتقتدي به ، لأنَّ  ( الشُرَفاء ) تكون أخلاقهم النبيلة قُدوة لكل إنسانٍ نبيل بغض النظر عن دينهِ أو مذهبهِ .

سأل الرسول ـ صلَّ الله عليه وسلم ـ يوماً أبا ذَرٍّ الغِفَارِيّ ـ رضي الله عنه ـ :( يا أبَا ذَرّ ، كيفَ أنتَ إذا أَدْركَكَ أُمراءٌ يَستَأْثِرون بِالْفَيء ؟
فأجاب قائلاً : إذاً ـ والذي بعثَكَ بالحقِّ ـ لأضرِبنَّ بسيفي .
فقال له الرسولُ صلَّ الله عليه وسلم : أَفلا أَدُلُّكَ عَلى خَيْرٍ مِنْ ذلكَ ؟ اصبرْ حتَّى تَلْقَانِي . )

أجل ( أصبر )  ، ولم يكن قصد النبي عليه السلام ـ وهو الرجل الحكيم المحنك ـ إسكات ( أبا ذَرّ )  و إنما وجهه للصواب ، فلقد كان هذا النبي مُعَلماً مُلهما لتلاميذه ومُريديه ، ولم يكن مُلقنا ، كان يعرف أطباع أصحابه ويسبر أغوارهم ويعلم مواهبهم وقدراتهم ـ وكذلك كل مُعلما مُلهم يجب أن يكون كذلك ـ فهو عَلِمَ من أول يوم أسلم فيه أبا ذَر ـ حين أتاه متخفيا يسأل عن الدين الجديد ـ علم صلَّ الله عليه وسلم قوة شكيمة هذا الرجل ، وعرف شجاعته وصدقه وقوة لسانه . فأراد أن يكون لسانه هو سيف الحق بدلا من أن يكون سيفه هو سبيل الفتن .

و ( أبو ذَرٍّ )  فهم وصية معلمه ونبيه أيما فهم فطبقها خير تطبيق وكان لسانه دوما سيفا مشهرا في وجوه أولئك الأُمَراء الذين أَغْرَقوا في الطيبات ، بينما رعيتهم غارقةٌ في الفقر ، فأطلق في وجوههم اللسان والكلمة المستبسلة وكلمة الحق . فالحق أبدا لا يكون فضيلة خرساء ، وما نفعها وهي جبانة صامتةٌ خرساء .

كان من أولئك الأمراء أصحابه وأخوته في الله أمثال أبو هريرة وأبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنهم جميعا ـ إلا أنه لم يصمت ويُجامل .

حين كاد يهُزُّ الشام بلسانه لا بسيفه على رأس معاوية بن أبي سفيان الذي كان حينها واليا من قِبل عثمان بن عفان ـ رضي الله عنهم جميعا ـ على الشام ، أرسل معاوية لعثمان يقول له : " أن أبا ذر قد أفسد الناس بالشام "
فاستدعاه عثمان للمدينة المنورة ـ وهي عاصمة الدولة الإسلامية حينئذ ـ فعرض عليه عثمان عرضا رقيقا رفيقا فقال له : " ابقَ هنا بجانبي تغدو عليك اللِّقاحُ وتروح "
فقال له أبو ذر : " لا حاجة لي في دنياكم ".

أنه  ( المعارض الشريف )  و ( المواطن الغيور ) ، لم  يكن يعارض ليسكن القصور أو لينال السلطة أو الثروة و يجمع الدثور ، لذا طَبَعٌّي جداً أن تسمع منه هكذا جواب :" لا حاجة لي في دنياكم " .

وفي حين كان لا يَطلب سلطة ولا ثروة من معارضته الشريفة ، فهو أيضا حريص على أن لا يكون ( جسرا لفتنةٍ ) و هو الذي تعلم الحكمة من كتاب الله { الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }[1] ، { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ }[2] ، وهو الذي يحفظ  وصية  نبيهِ  و مُعلمه "اصبرْ حتَّى تَلْقَانِي " .

فحين أعتزل إلى " الرِّبذَة " جاءه وفد من ( الكوفة )  يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة ، فزجرهم قائلاً : ( والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو جبل لسمعت و أطعت ، و صبرت واحتسبت و رأيت ذلك خيراً لي . و لو سَيَرني ما بين الأفق إلى الأفق لسمعت و أطعت ، و صبرت و احتسبت و رأيت ذلك خيراً لي . و لو ردّني إلى منزلي لسمعت و أطعت ، و صبرت و احتسبت  و رأيت ذلك خيراً لي).

فأهل الفتنة علموا أنه بلسانه  و قوة شكيمته و جسارته انقادت له الجموع  و لو شاء لأشار لها و لأطاح  برؤوس الفساد إلا أنه حفظ  وصية نبيه .

هكذا حَسَمَ الرجل الأمر وحدد منهجه ، هو ( لا يسكت عن باطل )  لكنه ( لا يقود فتنةً ) أبدا .

كان الإمام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ يقول في أبا ذَرّ : ( لم يبقَ اليوم أحدٌ لا يبالي في الله لومةَ لائم غير أبي ذَرّ ) .

فلقد عاش يناهض استغلال السلطة و احتكار الثروات حتى منعوه من الفتوى فرفض أن يخرسوه ، فقال لمانعيه : ( والذي نفسي بيده ، لو وضعتم السيف فوق عُنقي ثم ظَننتُ أني مُنفذٌ كلمة سمعتُها من رسول الله ـ صل الله عليه وسلم ـ قبل أن تَحتزُّوا لأنفذتُها ) .

ذلك مثال شامخ للمعارضة الشريفة الشجاعة المستبسلة ، وأن المرء ليبصر ما يحدث حوله في أقطار الأمة فصيبه كمدا و حزنا . فكم من متلبس ثوب المعارضة و ما هو إلا عميلٌ خائن ، ما يكاد يظهر حتى تنكشف خباياه الخبيثة ، فينفث سمومه في جسد الأمة . فالخونة في كل زمان ومكان { َلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً }[3]

والأدهى من المعارض ( المَصْلَحْجِي ) هو المعارض الغوغائي ، الذي يمضي خبط عشواء ، لا يعلم إلى أين يسير ولا ماذا يريد ، فيكون وبالا على قومه من حيث يدري ولا يدري ، و كم قد تم استغلال أمثال هؤلاء لتنهب ثروات الشعوب وتضيع أوطانها.

فللمعارضة أصول ، فلا تصح المعارضة لمجرد المعارضة أو لاستعراض العضلات أو لتسفيه الأخر ولمجرد الانتقاص منه ، أو يرى أن المعارضة تمنحه وجاهة في الناس ليقال أن لفلان رأي و شجاعة أو فلان من المهتمين بالسياسة ، فإنما تلك سفاهة خطيرة . ولا تصلح المعارضة بدون رؤيا  و أهداف محدده واضحة ، ومنهاج قويم تنطلق منه .

لابد أن تكون لك أجندة وأن يكون لك هدف ترتكز عليه أفكاركَ  و مبادئكَ ، و يجب أن تكون ( معارضا شريفا نبيلا  ) و إلا كنت مجرد ( ذُبَاب ) يراعي موضع الخلل ليس إلا .

وللمعارضة الشريفة أخلاقيات لا تخفى على ذي لُب ، منها احترام الخصم ، وأن يكون نقدك نقداً بناءً  لا غوغائيا همجياً . أن تكون معارضتك لا ترتكز على  انتهاك الحياة الشخصية للخصم  و أنما أنتقد أعماله . نريد معارضة تدفع عجلة البناء ، لا معارضة تهدم ما تم بنائه . ولا تكون لأجد الحصول على مكاسب شخصية أنما لآجل رفع مكانة الوطن والمواطن والازدهار والسمو والكرامة .

و المُعَارض الشريف لا يهرب من وطنه إلا مضطرا . وليسوا سواء من بقى في  وطنه يناضل من أجل الحق ومن هرب وصار ينادي من مكان سحيق . هو لا يطمح بمعارضته تلك لمجد شخصي ، أو مصالح فردية ، هو لا ينتهك حرمة خصمه ، بل يكون عادلا مع خصمه بذات قَدر العدالة التي تمناها أن تسود وطنه الغالي .

فخصمك مهما كان فهو بشر . وكما للبشر سيئات ، لهم كذلك حسنات ، وليس لأنه خصم أو لأنه في السلطة يصبح شيطانا رجيما يحق لك رجمهُ  بما شئت و وقت شئت ، فخطيئةٌ  كبرى في حقوقنا أن نضيع بين ( الإفراط  و التفريط ) ، بين مُقَدِّسٍ مطلق لمن في السلطة ، و بين كارهٍ مطلق لهم ، كشعب نحتاج أن ننظر بوسطية للأمر ، فأي ملك أو حاكم له ايجابياتهُ و سلبياته ، فواجبنا أن نحافظ على الإيجابيات ونصحح السلبيات و نعارضها .

نحوكم العراق ، يقولون صدام كان ( ديكتاتوريا ) ـ ولن أُعِقب على هذه أبدا ـ و رأوا أنه يجب أن يزاح ، فأسأل أهل العقول :

هل يزاح بيد قوات أجنبية ؟

سيقولون : أنتم لا تعلمون ما عانينا ، فكيف نزيح هذا الدكتاتوري ؟

أقول : ليست إيران عنكم ببعيدة ـ ولن أُعَقْب أيضا على تفاصيل الأمر ـ كيف تم إزالة الشاه (الدكتاتور) عن عرش إيران ؟

لماذا لم يستعن الخميني بقوات أجنبية ؟ وهو الذي جاء إلى طهران على متن طائرة فرنسية وبدعم غربي ، لقد كان يقدر ـ لو شاء ـ أن يجعل الأجنبي يطأ  أرضهُ . لكنه كان يعلم علم اليقين ـ و هو مالا يخفى على عقل بشر ـ  من  { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }[4]  .

هل تظن أن يأتي الأخر و يضحي بماله  و أبنائه لأجلك ( ببلاش ) ؟

طبعا (  لا ) ،  و هذه لم تخفى على أولئك الذين نصبوا أنفسهم متحدثين باسم العراق ، لكنهم لم تكن ( العراق )  أجندتهم ، بل ( المجد الشخصي )  و ( المصالح الخاصة) من ثروة و سلطة وغيرها .

ثم أنكم دخلتم البلد و أسقطتم النظام ، فأروني ماذا فعلتم ؟

أين العدل ؟
أين الأمن ؟
أين تقسيم الثروة ؟
أين المساواة ؟

لي أصدقاء من العراق يحكون لي كيف يتم توزيع المنح الدراسية تبعا لحصص حزبية ، ثم أنه أن تصادف وجود طلب لأحد المحسوبين على أحد ( المسئولين ) في السلطة ، فسيتم  تقديمهُ على المواطن العادي حتى لو كان يتمتع بأحقية من الناحية القانونية و حتى لو توفرت فيه الشروط أكثر من قريب ذلك ( المسئول ) .

ثم أكان عهد ( صدام ) كله سيء ؟؟!

ألم توجد حسنة أبدا ؟

لقد أطلعنا على كثير من التقارير الغربية وتقارير الأمم المتحدة تتحدث عن المستوى العالي في العراق أيام ( صدام حسين )  في شبكة المواصلات وفي الناحية الطبية وفي ارتفاع عدد العلماء النوابغ وخاصة في الكيمياء ، و الفيزياء ، و الطب ، و في مجال التعليم .

أين كل ذلك الآن ؟

ألم يكن حقيقا على أولئك المُدَّعِين أن يحافظوا على تلك الإنجازات ، وليبدؤوا من حيث انتهت ، لأجل سمو الدولة  و رُقيّها و ازدهارها ؟

لكن ماذا حدث ؟؟

أحرقة المتاحف ، وأحرقت أكبر مكتبه تضم مآثر هذه الأمة ( مكتبة دار الحكمة) ، وضاعت تحف سومرية و آشورية ، وصارت من المقتنيات الشخصية لأثرياء أوروبا و أمريكا ، وقتل العلماء بكافة تخصصاتهم ، ومنهم من لاذ بالفرار نجاة بحياته فتلقفتهم أمم أخرى لتستفيد من عقلهِ  ، لنخسر نحنا أولئك النوابغ و يستفيد من علمهم و نبوغهم غيرنا .

وأما ( التعليم )  فتلك قصة حزينة ، تُظهر الوجه البشع لأهل المطامع و الدثور المتسترين بعباءة المعارضة .

إليكم ( قصة التعليم الحزينة ) : أيام كان صدام حسين ( نائبا لرئيس ) العراق بدء مشروعا طموحا ، وهو ( محو الأمية )  في دولته ، يظهر مدى جدية الرجل في تأكيد هذا الطموح ولبلوغ الهدف السامي له أنه سن قانونا يصل إلى ( السجن ثلاث سنوات ) لمن يتخلف عن فصول محو الأمية لتعلم  القراءة و الكتابة .

ماذا كانت النتيجة ؟؟؟

النتيجة هي أن اختارت الأمم المتحدة ( العراق )  عام 1982م بلدا ( خاليا ) من الأمية ، بينما كان مستوى التعليم في عام 1973 م أقل من ( 40% ) .

واليوم بعد أن أتى أولئك المعارضين المزعومين ، صار ( أطفال العراق ) في الشوارع بين ( متسول )  ، أو ( بائع بنزين )  يمتص البنزين بفمه ليدفعه عبر الخرطوم ويسكبه في خزان السيارات التي يبيع لها البنزين مقابل دينارات لا تساوي ثمن صحته والخطر المحدق به من هذا العمل ، و آخرون يعملون هنا وهناك في ورش نجارة أو خبازين أو حمالين ، ليعولوا أسرهم ، ضحوا بالتعليم مقابل لقمة العيش .

ستعود الأمية في العراق أقوى مما كانت ، بفضل (المعارضين المزعومين ) . فقلي بالله عليك :

مَتى يَبلُغ البُنيانُ يَوماً تَمامَه
اِذا كُنت تَبنيهِ وَغَيرك يَهدِم


في كتاب الأستاذ ( خليل الدليمي )  ـ محامي الرئيس صدام حسين أيام محاكمات الأمريكيين له وأعوانهم ـ ( صدام حسين من الزنزانة الأمريكية : ماذا حدث ) أورد مقالا للأستاذ ( علي الصراف ) كنموذج من مجموعة مقالات لهذا الرجل الذي كان طيلة حياته ( معارضا )  لصدام حسين ، كان هذا المقال شاهد للأستاذ ( علي الصراف )  كرجل وطني و معارض شريف ، لأنه و ببساطه أمتلك الشجاعة لأن يعلن للملأ ـ عبر مقالاته ـ عن حسنات أمتلكها خصمه ، وما خشي أن يتهمه أولئك القابضين على رقاب العباد باتهامات وسب فاحش تعودوا أن يطلقوها على خصومهم حتى في أبسط المقابلات الصحفية ، تحية لشجاعة ذلك المعارض النزيه ، ولكل محب لوطنه ، ولكل نزيه و شريف .

وأخيرا ...

كُنْ معارضاً شريفاً بلسانك ونبل أخلاقك لا بسيفك ولا تكون عونا على أمتك بل عونا لها ، أو أترك المعارضة لمن هم أجدر وأعلم بأصولها منك ، لأنَّ :

من يُلاقِي النار بالنارِ يزِدْهَا
لهَباً  أطفاءهُ   يغدُو   مُحالاَ


[1] - البقرة217
[2] - البقرة191
[3] - الأحزاب14
[4] - النمل34

الخميس، 20 مايو 2010

لماذا تسخرون من حلم الوحدة العربية ؟


"طالما سمعت تكرار شعار "أوروبا" من رجال
 السياسة ، بينما كانوا بنفس الوقت يتوجهون إلى
 قوى أخرى بطلبات لا يتجرؤون على صياغتها
                                           بأسمائهم الصريحة "

    أوتو بسمارك ، المستشار الألماني الأسبق.







في كثير من المحافل تدور النقاشات بين المواطنين العرب سواء بين أبناء الجنسية الواحدة أو الأقطار العربية المختلفة ، هناك الكثيرون ـ وأنا أحد هؤلاء ـ يتمنون أن يرون أمتنا موحدة تملئها العدالة وتنعم بالتنمية الحقيقة الفاعلة وأن يكون المواطن فيها مكرما ، وأن يتنقل بين أقطاره بحرية وسلاسة كما يحدث في أوروبا اليوم إذ لا حواجز بين دولها .

لست قُطْرِيًّا ولا حزبيا وأرفض رفضا تاما أن أرى وطني من ثقب صغير ، دوما حين أسأل أقول : أنا مواطن عربي وبس . فأنا أمقت التحزب لأن أفقه ضيق جدا .وطني ليس القطر الذي نشأت فيه ، فهو بالنسبة لي فقط  أشبه بمدينتي الصغيرة التي نشأت بها و ترعرعت ، أنما وطني هو الوطن العربي الكبير .
أحلامي هذه التي يشاطرني بها أغلب أبناء هذه الأمة هي مدعاة لسخرية بعض المتهكمين الذي لا يرون أبعد من أنوفهم . فأنت لا يحق لك أن تسخر من حلم أي إنسان مهما كان حلمه .

فالعلم والتاريخ والعقل المنير يقولون جميعهم أن لا شيء مستحيل ، كم من حلم كان حلم وظنه الناس خرافة لا يمكن تحقيقها ، لكنها اليوم حقيقة ، ففي العلم نجد الطيران والهاتف وباقي التكنولوجيا . يقول اديسون : ( الآمال العظيمة تصنع الأشخاص العظماء)

كيف كانت آمال التحليق في السماء والتحدث عن بعد عبر أسلاك قبل أن تصبح حقيقة ؟

كانت مجرد حلم ظنه الجميع وهما وجنونا لا يمكن تحقيقه وها هو اليوم أصبح أمرا معتادا وعقلانيا ، وفي السياسة مثلا كانت أوروبا  دوقيات ، و دويلات ، و أمارات تسعى كل منها لالتهام الأخرى . حَلُم كثير من ساستها بالوحدة ، وكانوا مَثار تهكم البعض وسخريتهم ، وها هي اليوم حقيقة رغم أنها كانت أشبه بتحقيق معجزة . يقول المثل الغربي : "لا تفزع من أن أفكارك غير المعقولة ، فكل الأفكار العظيمة بدأت كذلك"


لذا أقول ..


يمكن لأمتنا أن تعيش في الوحدة التي تريدها ليس شرط أن تكون وحدة سلطة ووحدة حدود ، أنما وحدة تكاملية يسودها التعاضد والتكافل والتعاون والمحبة المتبادلة ، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي .

نحن أجدر منهم بها ، لأننا نمتلك من المقومات ما يجعل تلك الوحدة التكاملية أكثر نجاحا عندنا منهم ، فنحن نشترك في اللغة (حتى الأعراق غير العربية في الوطن العربي تجيد العربية ) ، ونحن نشترك في الدين ، ونشترك في القيم والعادات إلى حد بعيد جدا ، ونشترك في الدم ( وحتى غير العرب فينا يعيشون أخوة لنا وأنساب وأصهار ) ، عندنا موارد اقتصادية يمكننا أن نشكل بها تكاملا اقتصاديا غنيا و رائعا يغنينا إلى درجة كبيرة عن الحاجة للأخر .

هذا النوع من الوحدة التكاملي ـ أن صح الاصطلاح عليه هكذا ـ أرى أنسب ما يكون وخاصة في الوضع الراهن ، وهو يناسب الوضع الحالي للأقطار العربية ، و به لن يهمش احد ولن يكون بعيدا ونائيا .

فقط على حكامنا أن يكونوا شجعان ، وأن لا يضعون العقبات الوهمية أمامنا ليسدوا هذا الباب كالمعتاد طبعا . فأوهامنا دائما تحول بيننا وبين قدراتنا على تحقيق أهدافنا ، وأن يتركوا تلك الألاعيب الأطفال  التي تنشأ عن الغيرة من بعضهم البعض أو عن أنانية في حب الظهور بمظهر الزعيم الخالد ، أو القائد الفريد الملهم لهذه الأمة ، أو الركض وراء مصالح خاصة ضاربا بعرض الحائط مصالح الأمة وحتى مصالح شعب قُطره ودولته ، فخزعبلات كهذه كانت دوما سبب انحطاط أمتنا وتخلفنا وتعين عدونا علينا ، وليس الدين واللغة كما زعم الجاهلين .

إذن نحن لا نتحدث عن شيء خيالي أو محال ، هناك أمكانية فقط أن توفرت الإرادة الصادقة والقرار السياسي المخلص كما حدث في أوروبا فهي على اختلاف لغاتها واختلاف أعراقها وعدم تكاملها إلى حد بعيد ، وحتى الدين رغم أن الشائع هو المسيحية إلا أنها بمذهبيتها تكاد يشكل كل مذهب دين مستقل بكتبه وقيمه الدينية .

في أوروبا كان الأوروبيين في عهد بسمارك يحلمون بأوروبا موحدة ، كانت العقبات كثيرة ، لذا كان تحقيق الأمر أشبه بمعجزة ، أما نحن فلنا من الأسباب الكثير يسهله ، فإذا كانت قد نجحت مع أوروبا بهذا القدر العظيم مع كل تلك الصعاب فحريٌ بها أن تنجح عندنا نحن العرب ، ولن تعتبر معجزة بل وضع صحيح سليم .

أذن فالمُرددين لسخرية بعض أعداء الأمة في أن حلم الوحدة هو تخلف أو شيء شاذ ، أو التساؤلات التي يطرحها بعض السياسيين الغربيين بهدف مغرض مثل : لماذا تبكون على قضية فلسطين مثلا ، فتلك دولة أخرى لا شأن لكم بها .

فأنا أطرح سؤال واحد فقط على هؤلاء الساسة وعلى المرددين خلفهم :

لماذا يتباكى الأوروبيون والأمريكيون على الكيان الصهيوني ؟

رغم أن لا صلة بينهم أبدا لا دينيا ولا عرقيا ولا لغويا ولا ثقافيا ولا بحدود ولا بأرض ، وهم يعلمون أن اليهود لا يحبون أحد أبدا ، وتاريخ أوروبا كله يشهد كره أوروبا لهؤلاء اليهود بسبب أفعال الأخيرة المشينة في حق أبناء أوروبا و أيضا لأسباب دينية مسيحية .

أما نحن فأهل فلسطين هم من لغتنا وديننا وتاريخنا العميق المشترك ، و من دمنا فحق لنا الألم لألمهم ، والفرح لفرحهم وغير ذلك ، وقس على هذا كل دول الوطن العربي الكبير .

هم لا يفهمون مدى ترابط شعبنا العربي والإسلامي ، حتى المسيحيين من أبناء هذه الأمة أثبتوا ارتباطهم بهذا الوطن وأثبتوا وطنيتهم .

وأخيرا ...

في هذا الوطن العربي الكبير نحن نكمل بعضنا البعض فنحن حقا كجسد واحد لا يمكن أن تنزع طرفا منه وتطلب منه أن يعيش معافى . أنما سيعيش بعلهٍ  و أعاقه .


ورغم الساخرين سأظل و معي كل العاشقين لهذا الوطن العظيم نردد قصيدة  فخري البارودي :


بلادُ العُربِ أوطاني ** منَ الشّـامِ لبغدانِ
ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ ** إلى مِصـرَ فتطوانِ

فـلا حـدٌّ يباعدُنا ** ولا ديـنٌ يفـرّقنا
لسان الضَّادِ يجمعُنا ** بغـسَّانٍ وعـدنانِ

بلادُ العُربِ أوطاني ** من الشّـامِ لبغدانِ
ومن نجدٍ إلى يمـنٍ **إلى مصـرَ فتطوانِ

لنا مدنيّةُ سَـلفَـتْ ** سنُحييها وإنْ دُثرَتْ
ولو في وجهنا وقفتْ ** دهاةُ الإنسِ و الجانِ

بلادُ العُربِ أوطاني ** من الشّـامِ لبغدانِ
ومن نَجدٍ إلى يَمَـنٍ ** إلى مصـرَ فتطوانِ

فهبوا يا بني قومي ** إلى العـلياءِ بالعلمِ
و غنوا يا بني أمّي ** بلادُ العُربِ أوطاني

الثلاثاء، 30 مارس 2010

لا تقسموا الإسلام لتُرضوا أهوائكم ...


" لا يمكن أبدا أن تكونَ علمانياً و مسلماً في آنٍ واحد "

رئيس الوزراء التركي / رجب طيب أردوغان


كثيرا ما صرنا نسمع ( الإسلام السياسي ) ، ( مسلم علماني ) ، ( مسلم ليبرالي ) ،  ( مسلم سلفي) وغيرها من الألفاظ ، الإسلام هو الإسلام بذات التعاليم منذ أن أنزله الله لسيدنا محمد ـ صلَّ الله عليه السلام  ـ  إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

لا يوجد إسلام متشدد وأخر غير متشدد ، ولا يوجد إسلام سياسي وأخر غير سياسي ، الإسلام هو نهج قويم أنزله الله بما يناسب فطرة الإنسان السوية شأنه شأن باقي الديانات السماوية التي سبقته .

الإسلام هو دستور رباني شامل ، وأتحدى ـ وأنا أقولها بكل ثقة ـ أن يوجد أي دستور وضعي في الكون كله يستطيع أن يكون بمنهجية وشمولية ودقة وتسامح  و اعتدال ووسطية الإسلام . يقول ميشال شودكيفيكس : ( ليس هناك من حلّ وسط في مجال الأديان ، إما أن نؤمن أو لا نؤمن . و الإسلام ليس بإمكانه فقط أن يكون منفتحا ، بل إن تاريخه كله يثبت أنه كان كذلك ، وأن دعوته في الأساس هي دعوة إلى الانفتاح ).

جعل الله الإسلام منظما لكافة التفاصيل البشرية ( سياسية ، و اقتصادية ، و إنسانية حياتية وغيرها ) ، لا يمكنك أن تصنف الإسلام بين إسلام عبادة وإسلام سياسي وإسلام متشدد وإسلام متسامح ، إنما تلك تصنيفات يراد بها تظليل الناس ، لكن لا يبرأ أحد على جهله بالإسلام ، فمن أراد الحق فالحق أبلج والباطل لجلج ، ولا يمكن أن تغطي نور الشمس بغربال .


البحث عن المعرفة قبل الحكم على الشيء هي الطريق الأقوم والأقرب للمنطق والفطرة البشرية التي كرم الله الإنسان بعقله لأجل الحفاظ على نقاء الفطرة .

السبت، 12 ديسمبر 2009

عائض القرني بين حب المذهب وحفظ الحق






   و ما  انتفاع  أخي الدنيا بناظره
 إذا استوت عنده الأنوار والظلم

 أبي الطيب المتنبي ، شاعر عربي











والله أني أحب أهل العقل ، وأحترمهم وأن اختلفوا معي في رأي أو عقيدة ، ويزداد حبي أن كان عقلهم تصيغه مبادئ إنسانية سامية وخالطته الحكمة والأدب و الثقافة ، وهؤلاء قليلا ما هم .

فإن وجدت من هؤلاء في أمتي ـ وأن خالف عقيدتي ـ أبهجني الأمر ، و والله لا أقول هذا تمهيدا لموضوعي هذا و أنما هي عقيدة نشأت معي منذ صغري .

يقول أبو تمام :


                         من لي بإنسان إذا أغضبته
                         وجهلتُ كان الحلمُ ردَ جوابه
                         و إذا  صبوت  إلى  المدام
               شربت من أخلاقه ، وسكرت من آدابه
                         و تراه  يصغي  للحديث
                      بطرفه  و بقلبه ، ولعله أدرى به


عائض القرني داعية سعودي مشهور ـ  بعيدا عن مذهبه ، وماهية دفاعه عنه ـ  فإني دوما وأخواني نقرأ بعض كتبه وكنا أن وجدناه في برنامج أو محاضرة في التلفاز حضرناها ، ذلك لأسلوبه الشيق ، وأنفاسه المحبة المخلصة للأمة والدين ، وأنه لأمر لا يخفى على أحد ( على الأقل من خلال ما أعرفه عن الشيخ ، ولا أزكي على الله أحد ) ، أما اختلاف المذاهب فتلك أمور نسأل الله خيرها ونعوذ به من شرها ، وعسى الله أن يهدينا دوما لسواء السبيل .

حين تؤمن بمبدأ أو دين أو ثقافة وترسخ في ذهنك إلى درجة الاعتقاد قد يُعميك الأمر إلى درجة قد تظلم فيها من يخالفك بدون أن تعطي نفسك فرصة لمجرد النظر هل أنا على صواب أم خطأ .

وهذا ما يحدث في المذاهب والاختلاف فيها ، وأنه ليصل الأمر أن يناقشه غير أهل العلم والفقه فتجدهم يتفوهون بما يسئ لهم ولدينهم من حيث يدرون ولا يدرون ، وفي ذلك بلاء من الله عظيم .

ولا ألوم من تمسك بمذهبه ـ  ففي الحقيقية وبعيدا عن المجاملات لأنفسنا قبل غيرنا ـ  ليس لدينا ما يثبت صحة مذهبنا مقابل مذهب الأخر مع الاعتراف بأن هناك مذاهب فعلا جمحت عن الصواب أيما جموح . فلابد للمرء من عقيدة ومبادئ يؤمن بها ، وله في كل شأن رأي يتمسك به سواء سياسية أو دينية أو ثقافية وغيرها .

إلا أن الحكيم لا تعميه عقيدته ، فإن وجد أن ما يتمسك به ينقصه الصواب حاد عن الخطأ وألتزم الصواب ، ولا يبخس خصمه حقه أبدا ، فهو يعلم أنه أن كان للمرء مساوئ  فلابد أن تكون له محاسن ، وهو لا يصم أذنه ويتعامى عن الحقائق .

عود على الشيخ ( القرني )  دوما كنت أشيد بالرجل من حيث علمه وثقافته وأسلوبه الممتع ، وها أنا اليوم أجده يتحدث عن أهل بلدي المخالف لمذهبه وهو الرجل الذي دوما يذود عن مذهبه ، هو لم يتطرق للمذهب بل تحدث عن الناس وأخلاقهم وعلمهم ، فذلك شأن أهل الحكمة إذا أنهم لا يخلطون الحابل بالنابل ، ولم تعمه محبته وحرصه على مذهبه فلم يبخس القوم حقهم فيما استحقوه .
ومنذ أن عاد القرني من زيارته لعمان ما أنفك يذكر أخلاق القوم ، في مقالاته وفي مقابلاته وحتى في شعره ، وهو القائل في عُمان :


حـــديـــث الــشـــوق مـــتــصـــــل لــه
أســــانـــيــد مـــن حــــب وإجـــــــــلال
الـديـن والـجــود والأخــلاق حـاضــرة
ليــســت مــن الـيوم بل من قبل أجيال
أزد ومــجـــد وأبـــطــــال وأولـــــيـــة
وأمــــة مـــن حــضـــارات وأقــيـــــال
المــطـعــمـون إذا هــبـت شــئـامــيــة
والـطـــاعــمــون بــأرمـاح وأنـصــال
والـراكـبـون هـضـاب الـبحـر بـهـمـم
يـلـقـون هـول الـردى عـزما بـأهوال
سل عنهم البحر والصحراء وأندبهم
لـــكــشــف نـــائــبــة أو فتـك أغـلال
يــا مــزنــة عـبـرت غـراء صـادقــة
مـاسـت مع البـرق فـي ردن وأذيـال
جـودي بأرض عمان صـوب غـادية
كـونـي كـجـودهـم في رفـض نـزال


وأخيرا ...


أتمنى أن تكون في هذه الأمة حكماء علماء مخلصون ، فنحن أشد ما نحتاجهم لتنجوا السفينة و السفين . لا أذكر الداعية ( القرني )  هنا لأنه ذكر بلادي و أنما أريد أن يرى الشباب كيف يمكننا أن نسمو بفكرنا وهذا مثال .القرني بشر والبشر غير كاملون ، وأنا هنا أتحدث عن موقف لرجل له احترام بين شريحة كبيرة من الشباب من مذاهب مختلفة .




هذه وصلة للقرني وهو يثني على أهل سلطنة عُمان في برنامج في قناة إقرأ








تقبلوا فائق إحترامي




الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

الخصام والموت


" ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ،
 كانوا إذا مدّوها أرخيتها ، وإذا أرخوها مددتها ".

الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان .








نعيش في هذه الحياة في مجتمع ، و مهما كانت نوع شخصيتنا أكانت اجتماعية أم لا ، فأنه لابد لنا من أن تربطنا مشاعر ما مع البشر ، ولابد أن يكون في حياتنا أشخاص لهم منزلة طيبة في قلوبنا مثل الوالدين أو الأخوة أو الأصدقاء أو الأبناء أو الزوج أو الزوجة .. إلخ .

لكن الحياة لا تمضي بصفاء دوما ، فلابد أن يعكر صفوها كدر ما ، فهذا من المسلمات المفروغ منها ، لكن هل نقف عند هذه المسلمات ؟؟
تمضي الأيام ونحن نأمن غوائلها ، وفجأة تكر علينا بمصائبها ، فجأة تجد نفسك قد سلبك الموت شخص عزيز غالٍ ، والموت زلزال يهز كيان البشر ، فيعمل الحزن الذي يملأ  قلبنا حينئذ على إعادة شريط الذكريات مع ذلك الإنسان الذي فقدناه ، كل الذكريات : الخير والشر ، السعادة والحزن ، الخصام والصلح ، ثم نتوقف كثيرا ـ بغير إرادة منا ـ مع تلك اللحظات التي خاصمنا فيها ذلك الشخص وخاصة أن كان غال على قلبنا ، و حتى الذي نحمل له مشاعر عادية ، و أحيانا كثيرة حتى من كنا نحمل له العداء . نتوقف و نقول  بندم حارق :

ليتنا لم نضيع العمر في خصام ،
ليتنا لم نتخاصم ولا لحظة واحدة ،
من كان يعلم أنه سيرحل عنا بهذه السرعة ،
لو كنت أعلم أن حياته قصيرة هكذا لما خاصمته ولا غضبت منه ،
ليته يعود للحياة لن أخاصمه مهما فعل ،
اللهم شغبه ولا فقده ....

لكن وسط عجاج الحزن والألم والندم تبقى حقيقة واحدة هي الحاضرة ، وهي أنه قد رحل عن عالمنا ، وأنه لات حين مندم .

لنأخذ وقفت مع أنفسنا ، لحظات صادقة نتساءل فيها :

كم من عمرنا يضيع في الخصام مع من نحب ؟
ماذا نستفيد من تلك العزة التي تأخذنا بالإثم في الخصام ؟؟
ماذا حققنا من كل تلك الأيام التي ضاعت في تلك السخافات ؟
ألم يكن في وسعنا حقا تجاوز تلك الخصومات ؟
ألم يكن من الممكن أن نغضب ولكن دون أن نتخاصم وتحدث قطيعة بيننا ؟
ألم يكن يوم واحد أو ساعات كافيه حتى يحاول أحدنا أن يُسكت غضبه ، لتعود بعد ذلك المياه إلى مجاريها ؟
ماذا كان سيحدث لو أننا حاولنا بشجاعة أن نتفادى الغضب ، وعدنا لبعضنا لنقول حبا في الله : إنني أسف ؟
ألم يكن كثير من ذلك العتاب وتلك الكلمات التي تثير حنق الأخر ألم نكن قادرين حقا على تجاوزها وتفاديها حتى لا نزيد اشتعال الموقف و احتقانه ؟
إذا أغضبك من إنسان صفة أفلا يمكنك أن تتجاوزها لتنظر لصفة أخرى فيه تعجبك ؟
ألم تفكر في لحظة أنه : ربما يكون هذا الإنسان أيضا يكره مني صفات قد لا أنتبه لها أنا ؟
ألم تفكر أنه : ربما أن هذا الإنسان يتجاوز عن بعض ذنوبي في حقه ، أفلا أتجاوز عن ذنوبه ؟
ألم تفكر في يوم أن تصفح وتعفو حباً في الله ، فتكظم غيظك ، ليبدلك الله خيرا من هذا ؟
هل تعرف حقا ما هو الصفح والعفو ؟
هل تعتقد أنك قد صفحت عن ذنب إنسان أخطأ في حقك ، وأنت مستمر في كل فرصة تذكر ما فعله بك ؟
أن فعلت هذا فدعني أقولها لك بصراحة : أنت لم تسامحه .

الحقيقة كل هذا ممكن أن توفرت رغبة الإنسان ، كل هذا ممكن لأن الله كَرَم بني البشر بالعقل فميزه عن الحيوان به ، لذا هو في الأصل سيد نفسه ، وسيد مشاعره .

أن من يعتقد أن الصفح والعفو سذاجة ، فهو شخص غبي ، ولا يثق في الثواب من الله أبدا ، فمن فعل شيء لله عوضه الله .

                      و فاعل الخير لا يعدم جوازيه
                                             لا يذهب العُرف بين الله والناسِ

وليس الشجاعة أن تغضب ، فأكثر الناس يغضبون  و ينجرون خلف غضبهم ، لكن الشجاعة الحقيقية تكمن في مقدرتنا على امتصاص غضبنا ، وتمالك أعصابنا ، ومن الشجاعة أيضا أن تعترف بخطئك ، وأن تملك شجاعة على الاعتذار . قال صلَّ الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصرع إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ).

إذا كرهت من حِبّك خُلق ، رضيت منه غيره ، وأجعل ولو خيط صغير يربطك بأحبتك ، ليشفع لهم عندك ، مثلا ليشفع حبك لأولادك لتصفح عن زوجتك ، وحاول أن تحيى معها محبا ، وليشفع حبكِ لأولادكِ لتصفحي عن زوجكِ ، لتكوني له محبةً ، وليشفع حبك لوالديك عندك لتصفح عن شقيقك ، وليشفع حبك لله عندك لتصفح عن صديقك وجارك وزميلك ، وهكذا .

                    و إذا الحبيب أتى بذنب واحد
                                                جاءت محاسنه بألف شفيع


أنت الوحيد القادر على أن تبقى مُحِباً ، وأن تصفح عن الأخر ، ولو أن كل منّا فكر هكذا ، لوجدنا أن الصفح صفة غالبة في حياتنا ، ونحن أحق بها كمسلمين لأننا أمة الصفح والتسامح ، يقول المولى جل سبحانه في علاه :{ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }[1] . أننا نعيب على ملوكنا ضعف سياساتهم وتدبيرهم ، لكن هل وقفت للحظة للتدبر سياستك في بيتك ، وفي مجتمعك ، ومع من حولك ؟؟

الحياة كلها تتطلب العمل بالحكمة والسياسة  "والحكمة ضالة المؤمن" ، لا تخدع نفسك بأنك كامل ، ولا تخدع نفسك بأنك حقير أو ناقص ، بل كون حكيما ، وعين الحكمة الوسطية ، أنقد نفسك  نقدا  بناءً  لترتقي بها ، وسُس حياتك ، لأنك فيها الراعي والرعية .

وأخيرا ..

نصيحة محب مجرب ، لا تسمح أن يأتي عليك يوم تندم فيه على خصام حبيب ، فتبحث عنه فلا تجده ، و قد لات حين مندم .

لا تطلب أن يكون الآخرين ملائكة بينما أنت لست كذلك .

قف ساعة تأمل صادقة لما حولك وستعرف الطريق ، فالتأمل عبادة الأنبياء .

قال نبيكم صلَّ الله عليه وسلم : (  ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة " أي درجة الصيام النافلة وصدقة نافلة والصلاة النافلة " ، فقال أبو الدرداء : قلنا :  بلى يا رسول الله .  قال : إصلاح ذات البين ) .

فتذكر أن  "خيرهما الذي يبدأ بالسلام" .

وتذكر أن من صفات المنافق  " إذا خاصم فجر "  أي تجاوز الحد في الخصام والقطيعة والكلام البذيء وغيره من الأمور التي تزيد الموقف سوء .




[1] - آل عمران 134