الجمعة، 11 مارس 2011

إلا خيانة الوطن



بلادي وإن جارتْ عليَّ عزيزة

 و أهلي و أن ضنُّوا عليَّ كرامُ
بيت شعر عربي مشهور





( الخيانة )  لفظ  ذا وقع قوي على النفس قبل الأذن ، ففي حياتنا الشخصية يؤدي وقوع الخيانة إلى ( تدمير الثقة )  بين الأفراد والعلاقات بينهم ، حتى لو اقتصرت الخيانة على عدم الإيفاء بوعد أو عهد ، ناهيك عن أن تؤدي الخيانة إلى تدمير حياة إنسان أو أهانته وجرح مشاعره .

هذا فيما يتعلق بنا كأفراد ، أما ( خيانة الوطن ) فهي أعظم وأكبر مما تحتمله أي نفس ، ويكاد يجمع البشر على مقت الخائن ، فكل فعل مشين يمكن للمرء أن يجد مبررا لفاعله إلا خيانة الوطن ؛ فإننا لا نستطيع أبدا أن نجد لها مبرر ، أينّاً كان السبب الذي يدفعك لهذا الفعل المشين فهو أبدا لا يشفع لك لتبيع وطنك و تغدو في عرفه خائن .

مهما اختلفنا في أفكارنا أو عقائدنا أو مبادئنا ، مهما ظلمَنَا بني أبينا ، و قومنا ، و أهل وطننا الواحد  فهذا أبدا ( لا يمكنه )  أن يبرر لنا خيانة الوطن .

ثلاثة صفات أحداهن لا يكون إلا بالأخرى : ( الغـدر ، و الخيانة ، و النفاق ) . فالغدر يتطلب الخيانة ، و الخيانة تتطلب النفاق ، و جميع هذه الصفات هي من أقبح و أرذل الصفات التي قد تجتمع عند إنسان .

حتى أقبح الناس صفات يكره ويمقت الخائن و يزدريه ، لأن خيانة الوطن تعني عدم المروءة  بالضرورة ، والإنسان الذي ( لا يملك المروءة  ) يمكنه أن ( يبيع عِرضهُ  وشرفه ) كما يمكنه أن ( يبيع وطنه )  ، لأن الوطن هو بمنزلة العرض والشرف للإنسان . ومن هان عليه وطنه يهون عليه عرضه و شرفهُ ببساطة .

قد أختلف مع الحاكم وقد أمقته وأمقت حكومته ، قد يظلمني وطني ، قد أحيا غريبا فيه بسبب ما ألقاه من أبناء قومي وأبناء جلدتي ، لكن ما من عرف أو دين أو عقيدة أو فكر ( يبرر لي خيانة وطني )  . أنه ( العار ) نفسه أن تخون وطنك ، أنه عار لن يكتفي أن تلبسه وحدك بل حتى جميع أهلك وذريتك ، سوف ينظر لهم الناس شزرا ، سوف يزدرونهم ، ( ليس لأن الناس أشرار )  ، بل ( لأن الجرم الذي اقترفته عظيم ) ، وعظيمٌ جدا ، لذا فأنت به تظلم نفسك وأهلك فوق ظلمك لوطنك وأهل وطنك ، وما من شيء يغفر خطيئة خيانة الوطن ـ  للأسف ـ  ما من شيء أبدا .

حتى ( من تخون وطنك لصالحهم ) ، ينظرون إليك كشخص ( حقير ) ، هم لا يثقون بك ولا يحترمونك بينهم وبين أنفسهم وأن أظهروا لك الاحترام ، فأنهم يبطنون المقت و الازدراء لك ، فهم يعلمون أنه لا يمكن لعاقل أن يأمن الخوان ، و من يبيع وطنه يبيع أوطان غيره بسهولة . ومن هان عليه وطنه ، تهون عليه أوطان الآخرين .

ولن نذهب بعيدا في التاريخ حتى لا نزعج الأموات في قبورهم ، وسنكتفي بذكر الأحياء . فها هو ( أنطوان لحد ) صاحب جيش لحد ، مليشيا عسكرية قتلت اللبنانيين وروعتْ الآمنين منهم لصالح الكيان الصهيوني ، وحين أنسحب الصهاينة من أرض لبنان الطاهرة ، ( تخلوا عن عبدهم الخائن ) علنا لهم ، تخلوا عنه تماما ، ولم يقبلوا حتى منحه اللجوء إلى كيانهم الغاصب . حتى اليهود يمقتون الخائن فما بالك بغيرهم .

أخيرا ..

يذهب كل شيء و ( يبقى الوطن )  ما بقيت السماوات والأرض ، ومهما كان عذرك للخيانة ، فــ ( لا عاذر لك )  ، والوطن لا ينسى من غدر به وخان ( سراً أو علناً ) فالخيانة تبقى خيانة ، وجه قبيح لا يُجمله شيء ، وأن صَفَحَتْ السُلطات عن خائن ـ لحاجة في نفسها ـ  فالوطن و التاريخ لا يصفح أبدا ، و يظلان  يذكران  الخائن حتى بعد موته . فهما ( لا  يغفران  لخائن ) أبدا .


يقول الشريف قتادة أبو عزيز بن إدريس :

بلادي وأن هانت على عزيزة
ولو أنني أعرى بها و أجوعُ

ولى كف ضرغام أصول ببطشها
و أشرى بها بين الورى و أبيعُ

تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها
وفى بطنها للمجدبين ربيعُ

أأجعلها تحت الثرى ثم أبتغى
خلاصا لها ؟ أني إذن لوضيعُ


الثلاثاء، 8 مارس 2011

عجبا لأمركم !!




( يا ماخض الماء عدمت الزبد )

حكمة عربية قديمة






أن يخرج ( المجتمع العُماني )  عن صمته هذا شيء رائع ، وخاصة أن هذا المجتمع دائما ما كان يعرف الثورة عبر أتباع قائد يتم انتخابه ، ليقود هو المسيرة والناس معه بالروح والمال ليُفني الظلم في أرض عُمان الطيبة . طبعا بحكم أن الظالم عادة ما يستخدم السلاح ـ سواء كان ملك ظالم أو استعمار جائر ـ فكان المجتمع وقائده المنتخب يحمل السلاح أيضا ، وفي النهاية يقضي على الظلم فما قامت عُمان مشمرة لدرء الظلم إلا ونفضته عنها لتعود لوداعتها و سكونها ثانيةً .

هي أول خروج ـ غير مسلح ـ  لرافضي الظلم والفساد الإداري في عُمان شهدناه في مسقط ، و صحار ، و صور ، و صلالة ،  والبريمي ، وغيره من المناطق ، ووجدنا ردت فعل جميلة من السلطان ( قابوس )  ، أول سلطان من ( آل بو سعيد ) تتوحد عُمان تحت لوائه وأول سلطان من آل بو سعيد يكاد يتفق عليه العُمانيون ، لكنه في سنواته الأخيرة سلَّمَ ( الخيط و المخيط ) ـ كما يقال ـ  لوزرائه و أعونه ، والذين صار كل واحد منهم أشد ثراءً من الأخر وأكثر فلسفة في تقديم الحلول للفقراء من أهل عُمان ، و ليس أخر من قدم لنا الحل الفريد للغلاء هو رئيس ( غرفة تجارة وصناعة عُمان ) سعادة ( خليل بن عبدالله الخنجي ) ذلك الثري حتى البشم ، حيث ينصح سعادته الشعب العُماني بـ ( استخدام ملعقة سكر واحدة في الشاي بدل اثنتين ) وذلك في لقاء متلفز له في شهر رمضان قبل الماضي ، نصيحة ثمينة حقا تشبه كلمات ( ماري أنطوانيت )  ملكة فرنسا التي قالت للشعب الذي خرج يطالب بالخبز قالت : ( فليأكل البسكويت ) . يحق لك يا سعادة رئيس غرفة تجارة وصناعة عُمان .

وبعيدا عن ( الخَنجي ) ، أجد أن الإعلام العُماني أذى آذننا وهو يقول ( منَّا ) و ( تفضل ) و ( تكرم ) ، غريبة ! أليس هذا وطننا ؟!

أليست الثروات هي ملك للشعب ؟!

أليس السلطان و الوزراء وأعضاء الحكومة هم خدام للشعب ومصالحه ؟!

أليس ذلك واجب السلطان ، وحق للشعب ؟!

ما نعرفه في المن والتفضل والتكرم حين تكون من لدن المُعِطي للمُعَطى ، وليس من جيب المعُطَى يتفضل به المُعِطي . من أرد أن يمن ويتفضل فليعطي من جيبه لا من جيب غيره .

وإلى المحتجين المعتصمين . نعم نريد الإصلاح ، لكن أتسأل أولئك الذين يطالبون بـ ( دستور تعاقدي ) متجاهلين تماما التكوين المجتمعي لعُمان ، وحقيقة غياب الوعي السياسي الشعبي العام فيها ،

عن أي دستور تتحدثون ؟

و باسم من تطالبون به ؟

أنتم حتى لم تقبلوا يوما النقاش الحقيقي البنَّاء عنه ؟ فكيف سأقبل بشخص لا يقبل النقاش العادي ؟ كيف سيقبل انتقادي لسياساته غدا ؟!

هل شرحتم لعامة الناس ما تعنونه بالدستور التعاقدي ؟

هل أقمتم دراسات علمية توضح الكيفية و الماهي التي سيكون عليها ، و الآلية للعمل به ؟

أشخاص معدودين يثيرون زوبعة لا تعدوا حجم قُطر فنجان ، ليقدموا مطلبا ليس بالهين ، ويقدمونه باسم الشعب ، شعب لم يخولهم ، شعب لا ناقة له في معمعتهم تلك ولا جمل .

أولئك الأشخاص لا يرقون لمستوى مفكرين سياسيين ولا حتى اقتصاديين ولا اجتماعيين ، فعلى أي أساس قُدم طرحهم ، كيف أثق في أناس لا يملكون أيديولوجيات واضحة ، ولا أهداف ولا استراتيجيات . ولسوا أصحاب فكر حقيقي ؟ ، حتى انتقاداتهم للحكومة جاءت من باب ( مشاكل خاصة ) بهم وليس دعما للوطن ولا من الوطنية الخالصة ( ولا أقصد هنا الانتقاص من أخلاصهم للوطن ) ، ما أعنيه أن الذي حركهم هو ليس فكرهم المتوقد ولا حب الوطن والحزن على وضعه بل ( قضايا شخصية ) و هم معروفين بالاسم ، فكيف لي أن أسلم لأشخاص هذه هي كيفيتهم ؟ .

لا تتحدث عن نفسك بعلمك بنفسك ، فأنا لا أعرفك ، قدم لي أعمالك وفكرك حتى استطيع أن أخوض معك ولو نقاش عادي بسيط  و أنا مطمئن ، ناهيك عن أن أسلمك قدري كمواطن .

السياسة ( مثل النار )  أن لم تحسن توجيهها تدمر ، ولا تكتفي بتدمير نفسها بل تدمر كل ما تطوله .

شخصيا لا أؤمن لا بدستور تعاقدي ولا بملكية دستورية ، وأعارض ما يحدث من فساد وسوء إدارة لموارد الدولة وظلم للناس على كافة الأصعدة . ولست من عبدة السلطان ، أن ما أطالب به كمواطن هو العادلة الاجتماعية والتنمية الحقيقية التي تستهدف الإنسان ، وحق المواطنة الكامل .

وإلى الذي يتباكون على بعض الأسماء التي تم إزاحتها من مناصب حسبناها لم تخلق لغيرهم ، على ماذا تبكي ؟

على رجل فاسد ( ولن أتطرق لحياته الشخصية فذلك شأنه ) عن شخص حوَّلَ موارد الدولة و المال العام ليصبح سلطانا مع السلطان بأن أنفق من ميزانية الدولة على رفاهه الخاص  حتى ظننا أنه هو السلطان الحقيقي لعُمان وليس قابوس ، ومن فرط هذا  سرى بين الناس أنه هو من سيرث عرش السلطان بعد رحيله لأن العائلة المالكة لن تتفق .

رجل وجه أموال الدولة ومناصبها لخدمة أبناء قبيلته الواسعة الانتشار ، حتى المجالس العامة ( السبلة ) لقبيلته في مناطق تواجدها تظنها قصرا لا مجرد ( سبلة ) ، ناهيك عن المناصب الرفيعة في مناصب حساسة حتى يكاد يظن المرء أن الرجل يُعدُّ لانقلاب ، وليس مجرد محسوبية وفساد إداري ، فأي طيبة بعد هذا تأتي لتتحدث عنها لهذا الشخص ، ماذا تفيدني طيبته ؟! وأنا مواطن مسلوب الحقوق وهذا الرجل يوزع المال العام لقبيلته وأهله وأتباعه وأصدقائه ومثلها المناصب والعطايا وحفلات الآُنس .

أخيرا ..

من يدعي الديمقراطية عليه أن يكون نفسه ديمقراطي ، لا تطلب أمرا أنت تفتقده ، ففاقد الشيء لا يحق له أن يعطيه أبدا .

ولا تتحدث بلسان من  لم يخولك ، فأنت لا تملك الحق أن تستغل خروج الناس للمطالبة بحقوق عامة لتطلب حقا ليس وراءه سوى حب الشهرة والظهور وحب السلطة .

وتعود أخي أن لا تكون مجرد ببغاء تردد ما تسمع ، فيقال لها : ديمقراطية . قالت : ديمقراطية . لاهي تعي ما تقول ولا تفهم مغزاه .



الثلاثاء، 1 مارس 2011

الـمـؤامـرة







المؤامرة كلمة حق يريد بها كثيرون باطل ، حتى أصبح من يتحدث عن مؤامرة ـ حتى لو كان صادق ـ يعتبر محض سفيه ، أو مواسٍ لنفسه ومطمئن لها .

صرنا لا نعلم حقا من هو العدو ومن الصديق ، ومن الصادق ومن الكاذب ، رغم أن الحق بيِّن والظلم بيِّن ، ولكن بينهم متشابهات شتت عقول الناس ، أنه أمر يصيب المرء باليأس و الإحباط .

أجل هناك نار تتصاعد من دخان كثيف ، لكن هناك من يسعى لبث الدخان في مستوى أفقي متعمدا لتشتيت النظر ، ولتعتيم الرؤية ، لنمضي بسببها متخبطين ، إلى أن يشاء الله وينكشف الدخان ، ويعود الصحو ليتكشف لنا عما كان ، ويفضح الخبايا ، ولكن في الغالب يكون لات حين مناص .

كنتُ ليلة أمس أشاهد ( قناة الجماهيرية ) وهي قناة ليبية رسمية تابعة للسلطة ، لماذا أشاهدها ؟  لأنني لا أحب أن تكون معلوماتي حكرا على جهة إعلامية وحيدة ترسم لي الموقف كيفما تحب ، فأنا أحب أن أُكَوِّن أوضح صورة ممكنة عما يدور من أحداث سواء في ليبيا أو غيرها ، ثم أخذ منه نصف ما أرى ، ولا أصدق إلا ربع ما أسمع ، هكذا علمتني الحياة .

أمس وأنا أشاهد ( قناة الجماهيرية ) كانت تستضيف كاتب مصري وهو ( أنيس الدغيدي ) ، ربما لا يعرفه كثيرين رغم أنه يقول أنه من الكتاب المعروفين وأنه الأعلى أجرا بين الكُتَّاب العرب وأن كتبه هي الأكثر مبيعا . كل هذا قاله وهو يتحدث عن نفسه في اللقاء المباشر الذي بثته قناة الجماهيرية عبر الأقمار الصناعية في محاولة لإقناع الرأي العام الليبي بما تريده السلطة الليبية .

لكن الرجل كان بين الجمل المتكلفة في دفاعه عن القذافي يوجد عشرات الجمل المسهبة في الحديث عن نفسه ، الأستاذ ( أنيس )  هو صاحب كتب تحمل عناوين صاروخية ، تجعل الكثير من الناس تلهث لشرائها ، لتكتشف بعد ذلك أنها لا تحمل سوء مضامين فضفاضة تخلوا من البرهان والأدلة على مصداقيتها . وذلك مثل كتابه ( صدام لم يشنق ) والذي يتفاخر الأستاذ أنيس الدغيدي بأن كتابه هذا حقق أعلى مبيعات في معرض الكتاب في القاهرة والذي هو ثاني أكبر معرض للكتاب في العالم .

لكن السيد الدغيدي تجاهل متعمدا أن غالبية الجماهير ـ في العالم كله وليس العرب وحدهم ـ  ينجرون وراء العناوين قبل المضامين ، وما من أحد ينكر بأن ( صدام حسين )  كاد يكون أسطورة ملئت الدنيا وشغلت الناس بطريقة غريبة لما تحمله هذه الشخصية من جاذبية وجدلية نادرا ما تتوفر في إنسان . لذا فمن البدهي أن يجري الناس وراء أي عنوان يتحدث عن صدام حسين ، وخاصة بعد مقتله الذي كانت لحظات فارقة جعلت من ( شموخه ) وهو يتقدم إلى حبل المشنقة يحول كثير من خصومه إلى أناس يحترمونه و يجلونه ( مع البقاء على نقاط الاختلاف ) .

المهم من هذا كله ، أن الأستاذ الدغيدي في أخر اللقاء ـ الذي سعى المذيع الليبي لإنهائه جاهدا ـ صار يتحدث عن ما وصفه ( صواريخ وقنبلة ) وهو أن بن لادن هو صديق لأبن حاكم قطر (  فهد بن حمد )  ، وأنه قام بلقاء سري مع أمير قطر قبل أن يقوم الأخير بعدها بسنتين بانقلاب على أبيه .

وأهم من هذا قال أنيس الدغيدي صاحب رواية ( محاكمة النبي محمد ) : أنه يصرح ـ وأمره على الله كما قال ـ بأن المملكة العربية السعودية ستشهد قريبا انقلابا وتغير ( النظام الملكي )  السعودي ، و تحويله إلى (  جمهورية ليبرالية )  تأتي بالأمير ( الوليد بن طلال )  صاحب التوجه الليبرالي الغربي لرأس السلطة في السعودية وتأتي بابن لادن ليحل محل آل الشيخ ( أصحاب السلطة الدينية في المملكة ) ليعيث فسادا ـ كما قال ـ وقال أن لديه أدلة سرية على ذلك .

ما أستغربه حقا أن جميع كتب الصحفي المثير للجدل أنيس الدغيدي تتحدث عن وثائق سرية ، وأحيانا ما يدمغ غلاف كتبه بجملة ( سري للغاية ) ، فمن أين له هذه الوثائق والتي هي في الأصل شديدة السرية ، وتحتفظ بها جهات غريبة ( الولايات المتحدة ) ولن تفصح عنها قبل أن تقوم بتنفيذها ، وهو ينفي علاقته بوكالة الاستخبارات الأمريكية ( السي أي إيه ) . وفي أحدى كتبه واسم ( الـسي أي إيه وملفات الحكام العرب ) رأيته يستشهد بصورة تبدو لشخصين على أنهم صدام حسين وجورج بوش الابن وهما يجلسان قرب بعض ( جلسه شبابية في حديقة عامة ) وصدام يضع يده حول أكتاف بوش ، صورة يستطيع حتى الإنسان الذي لم يتعامل مع التكنولوجيا أن يفند صدقها ، أولا / لأن دمج الرؤوس وتركيبه على الأجسام واضحا جدا ، ثم أن الأجسام هي لشباب في العشرينات والوجوه لرجال تعدو الخمسينات ، ثم أن هيئة الأجساد لا تشبه لا من قريب ولا من بعيد جسم صدام ولا جسم بوش ، لكن الأستاذ أنيس أوردها كإثبات على العلاقة الحميمة بين صدام وبوش الابن وأن حرب العراق تمثيلية . وهذا هراء كبير .

أنني ـ و للأمانة ـ لا أنكر أن القذافي ( شوكة )  في حلق الأطماع الغربية في ثروات ليبيا ، وأن الغرب هب هذه الهبة المتأخرة بعد أن توثق من سيطرة الشعب على الأوضاع في البلاد ، ليجد لنفسه موطئ قدم في حقول النفط والغاز الليبية . ولا ننكر أننا بدأنا نستشعر دخول طرف ثالث في الأوضاع في ليبيا ، ولكننا نسأل الله أن يعجل الفرج لليبيا وأن يقيض لهم و أن يتولى أمرهم شخص مخلص أمين . ونضع ثقتنا في شباب ليبيا ووعيهم التام بالأمور ومعرفتنا أنهم حاربوا ابن بلدهم لأنه استعبدهم وظلمهم لذا لن يرضوا بعد أن ضحوا كل هذه التضحيات العظيمة بأن يأتيهم مستعمر يمتص ثرواتهم ويستعبدهم ويفرق بينهم باسم توزيع السلطة واسم تقسيم الثروات كما رأينا في العراق و نرى .

وللأمانة أيضا نحن نقر أن القذافي ليس غبي ولا مجنون بل هو عبقري ، ويمكنك أن تناقش المختصين في علم النفس ، وعلم نفس الشخصية ليؤكدوا لك ، لكن العبقرية الزائدة عن الحد تنقلب إلى شيء صعب على صاحبها ، تجعل منه مجرد شخص غريب الأطوار ، خاصة أن خالطها اعتداد مبالغ فيه بالنفس ، وهذا النوع من الناس يكون شر على الناس أن كان قائد أو زعيم لأمة ما ، وكثير من الكلام في هذا الصدد نجده لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فقد كان يرى أن الوالي الذكي وبالا على رعيته ، وهذه حقيقة أثبتها العلم الحديث ، ثم أن المطلع على ( الكتاب الأخضر ) يعلم أن للرجل نظرة فلسفية ، لا أنكر أنه في بعض النقاط فشل في عرضها بالصورة التي تسمح بوضوحها للمتلقي وذلك لإغراق الرجل في عقل ذاته أكثر من اهتمامه في بث الوعي للمتلقي ، أما غير هذا فهو فقط ناقش قضية جدلية في أساليب الحكم الديمقراطي كانت ولا زالت موضع جدال عند علماء الاجتماع السياسي والمُنِّظرين السياسيين في العالم .

ولعقل الرجل الكبير وعبقريته الفذة ، إضافة لغروره ،  و إغراقه في أنانيته ، و هوس العظمة ، وطول الأمد في كرسي الحكم أمام التعظيم والتبجيل ،  اجتمعت كلها و تكاتفت ، لتنتج لنا هذا  التخبط الكبير الذي يظهره بمظهر المعتوه ، أعلم أن كلامي غريب ، لكن وجب طرحه توخيا للأمانة وحتى لا ننجرف خلف عواطفنا المؤيدة للشعب فنتطرف في الحكم على الرجل .

أخيرا ..


أرجو أن تطرحوا رأيكم في الأسئلة التالية بكل صراحة وبعيدا عن المجاملات :

- هل جزء من الثورات العربية الأخيرة هي مؤامرة ؟ أو لنقل أن طرفا ثالثا خفي يثير الشعوب بشعارات حق أريد بها باطل ، فأنقاد الشعب لصالح الأعداء بدون أن يشعر ؟

- هل ترون أن ما قاله بخصوص السعودية وارد ؟ ولماذا ؟

- ماذا تقترح كحل للوضع القائم في ليبيا ؟

- ما رأيك في الكُتَّاب والكتب التي مثل أنيس الدغيدي و كُتب ؟



الجمعة، 25 فبراير 2011

حاكم ظالم خير من مستعمر ياليبيا







لقد سمعنا ما تردد من بعض الدول الغربية من احتمال  ( التدخل العسكري ) لها لأجل ما سمته ( فك معاناة الشعب الليبي ) ، إياكم يا ( شعب ليبيا الحرة  ) أن تقبلوا ، وإلا والذي لا إله إلا هو لن تفلحوا بعدها أبدا .

لا تأمنوا للغرب ، لا تأمنوا لأمريكا ، وإلا لأصبح حالكم كحال العراق ، لو كانوا يحبونكم ويهتمون لأمرك لتحدثوا على الأقل بكلمة حق أول ما بدأ القتل فيكم ، لكنهم صمتوا إلى أن بحثوا و رأوا ما يمكنه (  كسبه ) منكم .

إياكم ثم إياكم ، يا أحفاد الثوار ، يا أبناء المناضلين ضد الاستعمار ، إياكم أن تقبلوا بالمستعمر ، وإلا ستكونوا بهذا قد خنتم دماء شهدائكم ، ليس شهداء الثورة ، و أنما شهدائكم الذين ناضلوا ضد الاستعمار .

والله أن الغرب منافقون كاذبون . ورب الكعبة أنهم منافقون كاذبون .

أثبتوا للعالم أن شباب ليبيا هو من سيحرر ليبيا ، ولا تسمحوا بأي تدخل أين كان هذا التدخل ، ولا يغرنكم كلامهم المعسول ، وما العراق عنكم ببعيد أن كنتم تعقلون .


لا تسمحوا لمتقول كان يقول أن الثوار عملاء بأن يستدل عليكم بقبولكم ، أخرجوا وكما تنددوا بالقذافي أرفضوا تدخل الغرب في بلادكم وشؤونكم الغرب فورب الكعبة ما يريدون لكم أصلاحا ولا يريدون لكم خيرا .

ليس للتاريخ مزبلة




" إنني لم أعكر صفو حياتهم أبدا ، إنني فقط

أخبرهم بالحقيقة فيرونها جحيما "
هاري ترومان ، الرئيس الأمريكي الأسبق





كثيرا ما سمعنا خلال ثورات الشعب العربي الأخيرة وهم يقولون لحُكامهم : ( إلى مزبلة التاريخ )  ، لكن للأسف ( ليس للتاريخ مزبلة ) ، وهذا من سوء حظ هؤلاء الحُكام . لأنه لو كان للتاريخ مزبلة لارتاحوا من محاسبة التاريخ لهم ومحاسبة الأجيال القادمة على فسادهم حتى وأن لم يكونوا على قيد الحياة حينها .

أن للتاريخ صفحات ، فأما ( صفحات مجد ) ، وأما ( صفحات خزي وعار ) . وعلى بني الدنيا أن يختاروا في أي الصفحات يحبوا أن يكونوا . التاريخ عادل لا يمكنك أن تغيره بشطب بعض الأسطر من هذا الكتاب أو ذاك ، ولابد للبراهين أن تظهر مهما حاول البعض ـ لحاجة في نفسه ـ أن يخفيها ، وليس أدل من أحداث ما يُعْرَف بـ ( الهولوكوست ) وكيف هوَّلها اليهود وبالغوا في سردها ليستدروا بذلك عطف الجماهير في العالم ، وكيف حاربوا كل من حاول فضح حقيقتهم بمصادرة كتبه أو بسجنه ولا يتوانون حتى عن اغتياله وتصفيته جسدياً ، ورغم هذا نجد الأدلة تظهر ، وكتب كثيرة تثبت مدى كذب اليهود وتهويلهم لمحرقة ( هتلر )  تلك لهم ، التي طالما سردوها للجماهير مرارا وتكراراً وهم يذرفون دموع التماسيح .

أن التاريخ لا يمكنه أن ينسى الفاسدين ـ كما لم ينسى المخلصين ـ وما ذاك إلا ليقدم العبرة لمن يأتون من بعد أن كانوا يعتبرون ، فلو كان للتاريخ مزبلة فسيسعد الفاسدون والمستبدون والعملاء وسيتطاولون في بغيهم وغيهم ، لأن المزبلة تستدعي النسيان ، والتاريخ لا ينسى ، لأنه لا يمكن لأمة أن تنسى مآسيها ، ليس لتظل تبكي عليها وتتباكى ، و أنما لتشحذ بها عزائمها وهممها لتنطلق نحو مجدها وعزتها وكرامتها . وكما يقول المثل الصيني : ( البكاء ضرورة  و لكنه ليس حلا ) .

إنَّ ما يُسَجْل اليوم كحدثاً ، يصبح في الغَدْ تاريخاً ، وسيذكر التاريخ كيف حطمت إرادة الشعب العربي قيود الذل والهون ، تلك القيود التي لم تكن إلا محض خيوط ـ كخيوط العنكبوت أو هي أوهن ـ كانت تقيد عملاق طالما خضع له الزمان و ركع . وكيف أنها أسست مجدها الجديد ـ  بإذن الله وعونه ـ بسواعد أبنائها وأرادته الحرة وليس بإرادة بعض العسكر ، وليس بإرادة أحزاب أو انقلابات تطالبُ بحقٍ ما أردتْ به إلا باطل .

ما من ثورة أو معارك هدفها بلوغ ذرى المجد والعزة والكرامة إلا ولها ضريبة ، فلابد لكل مجد من ضريبة ، وضريبة مجد الأمة هي دماء أبنائها قُرْبَاناً ليرضخ لهم الزمان ، وما خُلِقَتْ صدور الرجال لعناقِ الغواني و الخُود وإنما لتكونَ درعاً يحمي الوطن من كل معتدٍ غاشم وأن لبس ثوب الوطنية وتشدق بها ، و أنْ أبطنَ فساده حتى تمكن فصار أشر و أعتا على الشعب من عدوهِ وأنَّ ( أشقى الولاة من شقيت به رعيته ) .

و الإرادة الصادقة تُحطم كُلَّ مستحيل ، وتحطم كُلَّ القُيُود ، وتدكُ كُلَّ الأسوار . أنَّ صاحب الحق أن ثار ، فأنه يطلق الرعب في قلب الظالم ، لأن الحق سيف بتار لا ينهزم ولا يفل ولا يلين .

إنْ كانَ للمرءِ عزمٌ في إرادتهِ
فلا  الطبيعةُ  تثنيه و لا  القدرُ


وأخيرا ...

كل إنسان في الوطن عليه أن يكتب تاريخهُ المُشرف ، فالأمر ليس مقصوراً على الحُكام و الساسة والعسكريين ، كل إنسان في الوطن هو ( لبنة مهمة )  في بناء الوطن ، و لابد عليه أن يكون قويا ، حتى لا ينهار بناء الوطن من جانبه . يقول إديسون : ( الآمال العظيمة تصنع الأشخاص العظماء ) .




الحُكام لا يعتبرون



" إنه لم يكن عجيبا أن يعبد المصريون ( القدماء )
 فرعون ، ولكن العجيب أن فرعون آمن حقا أنه إله "

نجيب محفوظ ، روائي من مصر ، ثرثرة فوق النيل .




لله درك يا ( تونس )  يا أرض الإرادة ، هاهي ليبيا الحرة تنفض غبار الهوان عنها ، أحفاد ( عمر المختار )  يحطمون قيود الذل ، ويسحقون الظالم ، أجل أن ليبيا فيها الرجال و ( معمر القذافي ) سيرحل هو وعياله قريبا جدا بعزة الله القوي الجبار.

أتراك سمعت يا أبا القاسم الشابي ؟! الشعب العربي يهتف جميعا بـ:

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد  أن  يستجب  القدر

أظنك فخورا بقومك ، أهل تونس ، أهل الإرادة وشعب الإرادة قد نهض وحطم القيود وقد استجاب القدر يا ( شابيّ ) ، لقد استجاب ، وكيف لا يستجيب أمام إرادة جبارة أنحى لها الكون تقديرا و أجلال ، لله درك يا تونس الإرادة ، ولله درك يا مصر الحرية ، ولله درك يا ليبيا العزة ، ولله درك يا يمن يا منبت العروبة وأصلها ، ولله درك يا جزائر الشهداء .

أن الثورة الليبية هي من أقوى الثورات والتي أظهرت بطولة حقيقة للشعب الليبي ، كيف لا وهم أحفاد عمر المختار ورفاقه ، نذكر عمر المختار ولا نقصد أن نبخس أبطال ليبيا حقهم ، لكن لهذا الرجل مكانة خاصة ليس في قلوب أهل ليبيا الحرة وحدها بل وكل العرب ، أنهم يحبونه وينظرون إليه كما ينظرون لخالد بن الوليد ولصلاح الدين الأيوبي ، أبطال الأمة الذين أصبحوا ببطولتهم وتفانيهم رمزا للشجاعة وحب الوطن والإخلاص للدين والمبدأ والحرية والشجاعة و النزاهة ، الذين بذلك فرضوا الاحترام على عدوهم قبل أبناء أمتهم .


أن ما لفت انتباهي هو توافر العلم الليبي القديم في أيدي أبناء ليبيا ليس في الداخل فحسب بل حتى في الخارج ، الأمر الذي يؤكد بأن الإجماع في ليبيا على أن نظام القذافي لا يمثلهم ، هو أجماع عفوي لكنه صادق ، لأنه ينم عن شعور الانتماء أو اللا انتماء في نفوس أهل ليبيا .

الغريب في هؤلاء الحُكام هو أسلوبهم الممل المترنح بين اتهام الثوار بالعمالة والعمل لأجل أجندة خارجية و تفاهات أخرى ، وكأنهم تركوا للعملاء مكان فيكم الخير والكفاية يا حُكام . والمضحك المبكي فوق كل ذلك هو استخدام السلاح الحي ضد الجماهير المسالمة وكأنهم بذلك يقولون : ( أن كلماتكم يا جماهير شعبنا قوية ) ومن شدة ما أرعبتهم صار يظنونها طلقات كلاشنكوف أو أر بي جي ، فما وجدوا غير الرصاص ليردوا عليهم . ثم يخرج الحاكم بعد أن يقتل جماهيره ـ ويبدو أنه أنتبه أن ما ظنه طلقات نارية ما كانت إلا كلمات حق أصمْت أذنه النتنة ـ فيخرج كالحمل الوديع ليعلن تكوين لجنة تحقق في الأحداث التي جرت ،

تحقق في ماذا ؟

في أوامر أصدرتها بنفسك ؟.

وحتى لو افترضنا جدلا أن أجهزة الأمن تصرفتْ بنفسها فلابد أن يصلك أخبار ما يجري ، فالمفروض أن توقف الأمر ، هذا عدا أنه من المفروض أن تكون الأوامر قد صدرت سلفا بمنع أطلاق النار . لكن لا نملك إلا أن نقول : حبسنا الله ونعم الوكيل .
أي رعونة هي التي يتصف بها هؤلاء ، هم يعترفون بفسادهم وبخيانة أمانتهم في خطاباتهم بشكل ضمني ، وإلا ما معنى أن يقول أحدهم :  سنجري انتخابات نزيهة وحرة ، وسوف نجري تعديلا اقتصادية و سنحقق في الفساد و و و .


أن هؤلاء الحكام يستخدمون نفس المزامير ، وحين لا يعرفون ـ في أول روعتهم من الثورة ـ ما يجيبون تجدهم يفرغون غضبهم في قناة الجزيرة ، كمن يزعجه ذباب مستنقع بجانبه ، فبدل أن يردم المستنقع تجده يلعن الذباب ، وأقصد بالمستنقع هي مفاسد هؤلاء الحكام وأتباعهم .

يمنون علينا بما فعلوه من واجباتهم اتجاه الوطن ، قل لا تمنوا علينا ، أنها واجباتكم و أنتم ملزمون بها ، وأن كنتم لا تقدرون فدعوا مناصبكم لمن يقدر .

 أن أهل ليبيا قوم طيبون قمة في الأخلاق والرزانة والأدب والطيبة ، ودودين إلى أبعد الحدود ، لكنهم مع ذلك لا يرضون بضيم ، أهل عُمان يعرفون جيدا أهل ليبيا ، نعرف ( سليمان باشا الباروني ) كمصلح نهضوي عاش بيننا ، و آثار مدرسته موجود إلي يومنا هذا في مدينة ( سَمَائِل ) العُمانية .

نعرف ( خليفة النامي ) ذلك الرجل العبقري الفذ الذي ما قدره هذا النظام  حق قدره ، فضايقه وحبسه مرارا وتكرارا ثم اختفى في ظروف غامضة رغم أنه أعتزل في الصحراء يأسا من ( القذافي ) ونظامه ، ومع هذا ما سلم من شره ، وكثير كثير . لنا أخوة و أحبة في جبل نفوسه ، و بنغازي ، و طرابلس .


أسأل الله أن ينصرهم  ، ويفرج كربهم ويمدهم بمدد من عنده يزلزل الطاغية وجنوده وأزلامه .

أن هؤلاء الطغاة لن يعتبروا ، فقد تلبسهم شيطان الهوى ، وأعماهم السلطان وجاهه فهم في غيهم يعمهون ، صاروا يتخبطون ، لأن أزلامهم تخلوا عنهم حين حق الحق ، ولأن أسيادهم تخلوا عنهم ، وقد كانوا بآراء أسيادهم يهتدون ، واليوم بعد أن تخلوا عنهم لا هادي لهم ، فطبعي أن تصيب مبارك جلطة وتصيب بن علي جلطة وهلم جر ، لأنهم أدركوا أنهم تمسكوا بقشة لا تقاوم رياح الحق أن هبتْ .

وأخيرا ..

يا أهل ليبيا الأحرار ، لا تتعجبوا من صمت حُكام العرب فهم يخافون أن يصيبهم ما أصاب القذافي وأقرانه في مصر وتونس ، ولا تستغربوا فتور ردت فعل الرأي الرسمي الغربي ، فهم بصمتهم يقولون لباقي الشعب العربي : أنظر ما سيحل بكم أن تمردتم على أعواننا ، ستموتون ، ستدمرون ، ولن يكون أحد لكم عونا . كذلك أن الغرب ينتظر البديل في ليبيا : هل سيكون مثل القذافي الذي حرمهم من ( النفط الليبي ) أم سيكون حملاً وديعا يمنحهم ما يريدون .

أنهم يريدون أن يردعونا بكم ، حتى لا يتم إسقاط  الباقي  في الوطن العربي ، فأنكم ترعبونهم ، وما أتغض هؤلاء الغربيون كما لم يتعظ عبيدهم هنا ، بأن هذا الشعب كالنار ، كلما زدته قدحا زاد اشتعالا . وتوقدا ، كلما أطلقوا الرصاص خرج الناس أكثر و ازدادوا أيمانا بأنهم على حق ، فاتسعت الثورة وعجلوا أكثر بإسقاط الأصنام .

اللهم أنصر أهل ليبيا والجزائر واليمن وكل الأمة نصرا عزيزا ، وحفظهم من كل كيد وشر ، اللهم أنك على كل شيء قدير .


السبت، 12 فبراير 2011

أن تدبيرَ الإله عجيب


"أهوى الحياة كريمة لا قيد ، لا
 إرهاب ، لا استخفاف بالإنسان
فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزتي
 يغلي دم الأحرار في شرياني"
هاشم الرفاعي . شاعر من  مصر .






سبحان الله كيف يدبر الأمور فلا يقوى البشر على تغير شيء ، وكيف يهيئ للأمور لتصير واقعا دون أن يشعر الإنسان ، أن نجاح الثورة المصرية ( ثورة الكرامة ) حق لأهل ( تونس ) أن يفخروا بنجاحها ، فبعزمهم شتتوا سطوة الطغيان ، وكشفوا عن جبن وضعف الطغاة ، فـقتلوا الخوف في قلوب جماهير الأمة ، فحق لكم يا أهل تونس بأن تحتفلوا بهذا النصر وأن تفخروا ، فأنتم من أشعل فتيله من حيث تدرون ولا تدرون ، وحق لنا في هذه الأمة أن نسعد به أيضا .

كنا نحبس الأنفاس ونرسل الدعاء لله عز وجل فهو ملك الملوك وهو فوقهم والقادر عليهم ، وبيده كل أمر ، وكنا نوقن أنه عز وجل لن يخذلنا ، فحاشاه سبحانه أن يرد أكفنا من سنِّي فضله فارغة ، وحاشاه أن تضيع دماء من قُتلوا ظلما هدرا ، فيقال : ( أن الله يساعد من يساعدون أنفسهم ) وهذا ما كان ، وأنني في هذا الموقف اليوم لا أخفي سعادتي الغامرة .

أنها أمتي أفلا يحق لي أن أسعد ؟ بل أن أنتشي فرحاً .

سجدتُ لله شكرا أنْ استجاب لدعائنا له بأن ينزاح الظلم عن مصر ـ وبعزته تعالى ـ سينزاح عن باقي أمتي ، بالأمس كنت أتابع خطاب مبارك ، خطاب لا يوصف إلا استخفاف بالعقول ـ بالرغم من محاولات التجميل التي حاول أن يقوم بها البعض لذلك الخطاب ـ . ما كان لنا ألا أن نرفع أكف الدعاء في جوف الليل ضارعين لله عز وجل بقوته وسلطانه المكين أن يهز عرش ذلك الطاغية ، فسبحانك يا ذا المجد سبحانك .

اليوم أكتب مقالي في توجه غير معتاد ، فمنذ أن أنشئت مدونتي هذه كان هدفي أن يكون هدفها توعوي وخاصة في المجال السياسي والاجتماعي ـ و والله ما أردت من ذلك جزاء ولا شكورا ولا شهرة ولا مجدا ، بل واجب رأيت أنه ابسط ما يمكن لمثلي أن يقدمه لأمته ، ولأيماني الراسخ أن المعرفة ـ  فالعلم شيء والمعرفة شيء آخر ـ هو سبيل لأمةٍ كريمةٍ ذات أركان ثابتة .

وكنت كلما تأملتُ حولي أحوال أمتي أصابني جزع ويأس فأعزم أن لا أكتب ، ويزين لي الشيطان أن لا فائدة مما تكتب ولا فائدة من القلم ، ثم تستثيرني المواقف فلا أجد إلا قلماً أخط به . لكن حالي كما قال الشاعر :

قيثارتي مُلِئَتْ بأنَّاتِ الجَوُى
لابدَ للمكبوت من فيضانِ


 حين انزاح ذلك الكابوس لا أنكر إني من فرط سعادتي سجدة شكرا لله ، حامدا إياه على فضله ـ سبحانه ـ وعلى عدله ، وهاأنا أسطر سطور مقالتي هذه ليس لأذكر هذه الأمورـ التي هي واجب وأحوال بديهية لمن يحب وطنه ـ ولكن لأشارككم أمرين :

الأول /  عبرة عجيبة نغفل عنها نحن البشر ، فورب الناس طالما استوقفني عجيب تدبير الله ، والله والله أيمانا مغلظة أنه لأعظم ، وأنه أمجد مما يتصوره عقل بشر ، ولكن أنما نحن بشر ، والنسيان طبعنا الأزلي :


وما سُمِّىَ الإنسانُ إلا لنَسْيِه
و ما  القلبُ إلا  لأنه  يتقلّبُ


لكن نسيان البشر سيئ وليس ايجابي في أغلبه ، لأننا ننسى الحسنات ونتذكر السيئات مهما طال عليها الأمد ، لذا دوما نغفل عن عظمة الله ، وننسى فضله وننسى العبرة بعد أن تَمُرَ العبر ، و هذا مغزى ما عناه الشاعر بقوله :

نُراع إذا الجَنَائِز قابلتنا
و يُحزِنُنَا بُكَاءُ البَاكِياتِ

كروعةِ ثُلَّةٍ لمَغَارِ سَبْعٍ
فلما غَاب عَادتْ رَاتِعَاتِ


العبرة في هذه الموجة التي تجتاح الأمة ( موجة الكرامة ) ، نرى كيف أن الله حين أراد أن يزلزل عُرُوش الطغيان استجابة لدعاء المظلومين من أبناء هذه الأمة كيف أنه عز وجل دبر الأمر من حيث لا يدري الطغاة { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }[1] . فما أتتهم إلا بغتة { فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }[2]


أنظروا كيف أذلهم الله بأضعف خلقه ـ سبحانه ـ زلزل عُروشهم بشعوبهم التي أذلوها ونشروا فيها الجهل والأمية والفقر والتضليل ليضمنوا كراسيهم ، ورغم ذلك قام نفس هذا الشعب المقهور المغلوب على أمره لإخراجهم صاغرين . { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }[3]


لا  تحقرنَّ صغير في معاملةٍ
أنَّ البعُوضة أدمتْ مقلة الأسدِ

المتأمل للأحداث يرى كيف ـ فجأة ـ أنقلب الحال في تونس من رجل بسيط ، لم ُيسقط طاغية تونس بل حتى مصر ، من كان يتوقع أن يكون الإعصار الذي يقتلع حسني مبارك سيهب من تونس ، سبحان الله ، وسبحان الله كيف هبَّ الناس من المحيط للخليج مهلليل فرحين مستبشرين بما حدث في تونس متفائلين بأنه بداية خير ، كيف استشعروا ذلك ؟  بل كيف أيقنوه ؟! .

رغم أن سكان القاهرة وحدهم عشرون مليون إلا أن ثلاثة ملايين كانوا بشجاعتهم وعزمهم و وعيهم قادرين على هزيمة الظلم والفساد ، وكم من جالس في بيته وقلبه مع الثوار لكنه لم يكن بشجاعتهم وجرأتهم على الباطل ، رغم أن النظام الفاسد حاول أن يروج إلى أن الصامتين ـ صمت أهل القبور ـ هم مؤيدين لمبارك لذا لم يخرجوا مع الثائرين . ولكن تلك القلة كانت خيرا كثيرا .


أما الأمر الثاني /  فهي الخشية مما سيكون ( بعد رحيل ) الطاغية و طغمة الفساد في مصر ، يقال " الهزيمة يتيمة وللنصر ألف أب " سيلهث كثيرين ـ من أهل النفاق ـ لمحاولة جعل أنفسهم الآباء الشرعيين لانتصار ثورة شباب مصر ، فكم من متربص ليعلم من المنتصر ثم يقول أنا معكم يناله من الغنائم قسطا . وكذلك ستسعى أمريكا والصهاينة لأن يأتوا ( بنسخة لا تختلف ) عن الرئيس المخلوع لحماية مصالحها  ليس في مصر وحدها بل في المنطقة ككل .

ومن كل قلبي أقول يا أهل مصر فيكم مخلصين لا تنكرهم عينٌ صحيحة فإياكم أن تفرطوا في دماء شهدائكم ، و إياكم أن تظنوا إن ثورتكم انتهت بل هي الآن بدأت بتحديات اكبر . وأننا نثق ببصيرتكم ووعيكم فيما رأيناه منكم .

أقول لكم ( أحذروا الجيش )  ولا يغرنكم ماضيه المجيد ، فأن قياداته غير مأمونة ، ولا يغرنكم قول القائل أن الجيش لا يمكن أن يخون ، فإنما الجيش مكون من بشر ، والبشر يستزلهم الشيطان . ففي هذا المقام " حسن الظن ورطة و سوء الظن عصمة " .

وأقول للمخلصين من أهل القيادات والفكر لا يجوز لكم أن تتخلوا عن المسئولية حتى ترسي سفينة الثورة في بر الأمان ، أنتم محاسبون أمام الله أن تهاونتم وخذلتم الناس ليس في مصر و أنما في كل أمتكم ، فأمتنا جسد واحد أن تداعى فيه طرف اهتزت باقي الأطراف وآلت للتداعي ، فاحذروا أن تكونوا خصوم الأمة أمام الله .


في هذه الظروف التي تمر بها أقطار الأمة أتأمل حالة التلاحم الروحي بين أبناء أمتي ، فأُعْجَبُ به أعجَابا ـ والله ـ يثير الفرح في داخلي ، فأقول ( اللهم أدمها علينا من نعمةٍ وأحفظها من الزوال ) ليس الأمر في هذا التلاحم الروحي حالة عابرة نضعها ضمن أطار ( أن المصائب يجمعنَّ المُصَابِينا ) كما يقول أحمد شوقي في شعره ، بل هي حالة طبعية لأمة تُشكل جسداً واحداً ، و تتشارك الدين والدماء ، واللغة و الانتماء . وعندي على ذلك ـ من الأحداث الكثيرة التي مرة بها الأمة مؤخرا ـ شاهدٌ  و دليلُ .


وأخيرا ...


الحمدلله على نصره العزيز وأساله سبحانه أن يتم على الثائرين في مصر وتونس وكل الأمة نصرهم ويشد أزرهم ويعصمهم من زلات الشيطان ، ومن دسائسه . وأدعوه أن يدوم التلاحم الروحي بين جماهير الأمة فمهما فرقت بينهم الحدود والسياسة فهم على قلب واحد ، و همٍّ واحد .

وأتمنى أن أرى العراق وقد نفض الغبار عن  شعث رأسه و رفعه شامخا ، وأن يتقدم أبنائه للنصر شامخين رافعين الرؤوس كما تقدم ( صدام حسين[4] )  للموت شامخا رافع الرأس فأذهل العقول برباطة جأشه وشموخه . فوالله أن الحال فيها محزن كلما شاهدت حالها تذكرت أبياتَ أبي تمام في بغداد إذ يقول :

لقدْ أقـامَ علـى بغـداد ناعيهـا
فليبكها لخـرابِ الدهـرِ باكيهـا

كانَتْ على ما بِها والحَرْبُ مُوقَدَة ٌ
والنّارُ تُطْفِىء ُ حُسْناً في نَوَاحِيهـا

تُرجى لها عودة ٌ في الدهرِ صالحة
فالآنَ اضمرَ منها إلياسَ راجيهـا

مِثْلَ العَجُوزِ التي وَلّـتْ شَبِيبَتُهـا
وبانَ عنها كمالٌ كـانَ يحظيهـا

لَزَّتْ بِها ضَرّة ٌ زَهْراءُ واضِحَـة ُ
كالشمسِ أحسنُ منها عندَ رائيهـا


[1] - آل عمران54
[2] - الأعراف95
[3] - النحل34
[4] - لستُ من أنصار صدام حسين ، لكن وجب لنا أن نذكر محاسن الرجل ، فحقا كانت تلك اللحظات ترينا صورة من صور الرجال العظماء و الفرسان العرب النبلاء القدماء لم نعرفها إلا في الكتب وهو وحده فقط جسدها لنا مشهدا عيانيا .