السبت، 12 فبراير 2011

أن تدبيرَ الإله عجيب


"أهوى الحياة كريمة لا قيد ، لا
 إرهاب ، لا استخفاف بالإنسان
فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزتي
 يغلي دم الأحرار في شرياني"
هاشم الرفاعي . شاعر من  مصر .






سبحان الله كيف يدبر الأمور فلا يقوى البشر على تغير شيء ، وكيف يهيئ للأمور لتصير واقعا دون أن يشعر الإنسان ، أن نجاح الثورة المصرية ( ثورة الكرامة ) حق لأهل ( تونس ) أن يفخروا بنجاحها ، فبعزمهم شتتوا سطوة الطغيان ، وكشفوا عن جبن وضعف الطغاة ، فـقتلوا الخوف في قلوب جماهير الأمة ، فحق لكم يا أهل تونس بأن تحتفلوا بهذا النصر وأن تفخروا ، فأنتم من أشعل فتيله من حيث تدرون ولا تدرون ، وحق لنا في هذه الأمة أن نسعد به أيضا .

كنا نحبس الأنفاس ونرسل الدعاء لله عز وجل فهو ملك الملوك وهو فوقهم والقادر عليهم ، وبيده كل أمر ، وكنا نوقن أنه عز وجل لن يخذلنا ، فحاشاه سبحانه أن يرد أكفنا من سنِّي فضله فارغة ، وحاشاه أن تضيع دماء من قُتلوا ظلما هدرا ، فيقال : ( أن الله يساعد من يساعدون أنفسهم ) وهذا ما كان ، وأنني في هذا الموقف اليوم لا أخفي سعادتي الغامرة .

أنها أمتي أفلا يحق لي أن أسعد ؟ بل أن أنتشي فرحاً .

سجدتُ لله شكرا أنْ استجاب لدعائنا له بأن ينزاح الظلم عن مصر ـ وبعزته تعالى ـ سينزاح عن باقي أمتي ، بالأمس كنت أتابع خطاب مبارك ، خطاب لا يوصف إلا استخفاف بالعقول ـ بالرغم من محاولات التجميل التي حاول أن يقوم بها البعض لذلك الخطاب ـ . ما كان لنا ألا أن نرفع أكف الدعاء في جوف الليل ضارعين لله عز وجل بقوته وسلطانه المكين أن يهز عرش ذلك الطاغية ، فسبحانك يا ذا المجد سبحانك .

اليوم أكتب مقالي في توجه غير معتاد ، فمنذ أن أنشئت مدونتي هذه كان هدفي أن يكون هدفها توعوي وخاصة في المجال السياسي والاجتماعي ـ و والله ما أردت من ذلك جزاء ولا شكورا ولا شهرة ولا مجدا ، بل واجب رأيت أنه ابسط ما يمكن لمثلي أن يقدمه لأمته ، ولأيماني الراسخ أن المعرفة ـ  فالعلم شيء والمعرفة شيء آخر ـ هو سبيل لأمةٍ كريمةٍ ذات أركان ثابتة .

وكنت كلما تأملتُ حولي أحوال أمتي أصابني جزع ويأس فأعزم أن لا أكتب ، ويزين لي الشيطان أن لا فائدة مما تكتب ولا فائدة من القلم ، ثم تستثيرني المواقف فلا أجد إلا قلماً أخط به . لكن حالي كما قال الشاعر :

قيثارتي مُلِئَتْ بأنَّاتِ الجَوُى
لابدَ للمكبوت من فيضانِ


 حين انزاح ذلك الكابوس لا أنكر إني من فرط سعادتي سجدة شكرا لله ، حامدا إياه على فضله ـ سبحانه ـ وعلى عدله ، وهاأنا أسطر سطور مقالتي هذه ليس لأذكر هذه الأمورـ التي هي واجب وأحوال بديهية لمن يحب وطنه ـ ولكن لأشارككم أمرين :

الأول /  عبرة عجيبة نغفل عنها نحن البشر ، فورب الناس طالما استوقفني عجيب تدبير الله ، والله والله أيمانا مغلظة أنه لأعظم ، وأنه أمجد مما يتصوره عقل بشر ، ولكن أنما نحن بشر ، والنسيان طبعنا الأزلي :


وما سُمِّىَ الإنسانُ إلا لنَسْيِه
و ما  القلبُ إلا  لأنه  يتقلّبُ


لكن نسيان البشر سيئ وليس ايجابي في أغلبه ، لأننا ننسى الحسنات ونتذكر السيئات مهما طال عليها الأمد ، لذا دوما نغفل عن عظمة الله ، وننسى فضله وننسى العبرة بعد أن تَمُرَ العبر ، و هذا مغزى ما عناه الشاعر بقوله :

نُراع إذا الجَنَائِز قابلتنا
و يُحزِنُنَا بُكَاءُ البَاكِياتِ

كروعةِ ثُلَّةٍ لمَغَارِ سَبْعٍ
فلما غَاب عَادتْ رَاتِعَاتِ


العبرة في هذه الموجة التي تجتاح الأمة ( موجة الكرامة ) ، نرى كيف أن الله حين أراد أن يزلزل عُرُوش الطغيان استجابة لدعاء المظلومين من أبناء هذه الأمة كيف أنه عز وجل دبر الأمر من حيث لا يدري الطغاة { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }[1] . فما أتتهم إلا بغتة { فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }[2]


أنظروا كيف أذلهم الله بأضعف خلقه ـ سبحانه ـ زلزل عُروشهم بشعوبهم التي أذلوها ونشروا فيها الجهل والأمية والفقر والتضليل ليضمنوا كراسيهم ، ورغم ذلك قام نفس هذا الشعب المقهور المغلوب على أمره لإخراجهم صاغرين . { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }[3]


لا  تحقرنَّ صغير في معاملةٍ
أنَّ البعُوضة أدمتْ مقلة الأسدِ

المتأمل للأحداث يرى كيف ـ فجأة ـ أنقلب الحال في تونس من رجل بسيط ، لم ُيسقط طاغية تونس بل حتى مصر ، من كان يتوقع أن يكون الإعصار الذي يقتلع حسني مبارك سيهب من تونس ، سبحان الله ، وسبحان الله كيف هبَّ الناس من المحيط للخليج مهلليل فرحين مستبشرين بما حدث في تونس متفائلين بأنه بداية خير ، كيف استشعروا ذلك ؟  بل كيف أيقنوه ؟! .

رغم أن سكان القاهرة وحدهم عشرون مليون إلا أن ثلاثة ملايين كانوا بشجاعتهم وعزمهم و وعيهم قادرين على هزيمة الظلم والفساد ، وكم من جالس في بيته وقلبه مع الثوار لكنه لم يكن بشجاعتهم وجرأتهم على الباطل ، رغم أن النظام الفاسد حاول أن يروج إلى أن الصامتين ـ صمت أهل القبور ـ هم مؤيدين لمبارك لذا لم يخرجوا مع الثائرين . ولكن تلك القلة كانت خيرا كثيرا .


أما الأمر الثاني /  فهي الخشية مما سيكون ( بعد رحيل ) الطاغية و طغمة الفساد في مصر ، يقال " الهزيمة يتيمة وللنصر ألف أب " سيلهث كثيرين ـ من أهل النفاق ـ لمحاولة جعل أنفسهم الآباء الشرعيين لانتصار ثورة شباب مصر ، فكم من متربص ليعلم من المنتصر ثم يقول أنا معكم يناله من الغنائم قسطا . وكذلك ستسعى أمريكا والصهاينة لأن يأتوا ( بنسخة لا تختلف ) عن الرئيس المخلوع لحماية مصالحها  ليس في مصر وحدها بل في المنطقة ككل .

ومن كل قلبي أقول يا أهل مصر فيكم مخلصين لا تنكرهم عينٌ صحيحة فإياكم أن تفرطوا في دماء شهدائكم ، و إياكم أن تظنوا إن ثورتكم انتهت بل هي الآن بدأت بتحديات اكبر . وأننا نثق ببصيرتكم ووعيكم فيما رأيناه منكم .

أقول لكم ( أحذروا الجيش )  ولا يغرنكم ماضيه المجيد ، فأن قياداته غير مأمونة ، ولا يغرنكم قول القائل أن الجيش لا يمكن أن يخون ، فإنما الجيش مكون من بشر ، والبشر يستزلهم الشيطان . ففي هذا المقام " حسن الظن ورطة و سوء الظن عصمة " .

وأقول للمخلصين من أهل القيادات والفكر لا يجوز لكم أن تتخلوا عن المسئولية حتى ترسي سفينة الثورة في بر الأمان ، أنتم محاسبون أمام الله أن تهاونتم وخذلتم الناس ليس في مصر و أنما في كل أمتكم ، فأمتنا جسد واحد أن تداعى فيه طرف اهتزت باقي الأطراف وآلت للتداعي ، فاحذروا أن تكونوا خصوم الأمة أمام الله .


في هذه الظروف التي تمر بها أقطار الأمة أتأمل حالة التلاحم الروحي بين أبناء أمتي ، فأُعْجَبُ به أعجَابا ـ والله ـ يثير الفرح في داخلي ، فأقول ( اللهم أدمها علينا من نعمةٍ وأحفظها من الزوال ) ليس الأمر في هذا التلاحم الروحي حالة عابرة نضعها ضمن أطار ( أن المصائب يجمعنَّ المُصَابِينا ) كما يقول أحمد شوقي في شعره ، بل هي حالة طبعية لأمة تُشكل جسداً واحداً ، و تتشارك الدين والدماء ، واللغة و الانتماء . وعندي على ذلك ـ من الأحداث الكثيرة التي مرة بها الأمة مؤخرا ـ شاهدٌ  و دليلُ .


وأخيرا ...


الحمدلله على نصره العزيز وأساله سبحانه أن يتم على الثائرين في مصر وتونس وكل الأمة نصرهم ويشد أزرهم ويعصمهم من زلات الشيطان ، ومن دسائسه . وأدعوه أن يدوم التلاحم الروحي بين جماهير الأمة فمهما فرقت بينهم الحدود والسياسة فهم على قلب واحد ، و همٍّ واحد .

وأتمنى أن أرى العراق وقد نفض الغبار عن  شعث رأسه و رفعه شامخا ، وأن يتقدم أبنائه للنصر شامخين رافعين الرؤوس كما تقدم ( صدام حسين[4] )  للموت شامخا رافع الرأس فأذهل العقول برباطة جأشه وشموخه . فوالله أن الحال فيها محزن كلما شاهدت حالها تذكرت أبياتَ أبي تمام في بغداد إذ يقول :

لقدْ أقـامَ علـى بغـداد ناعيهـا
فليبكها لخـرابِ الدهـرِ باكيهـا

كانَتْ على ما بِها والحَرْبُ مُوقَدَة ٌ
والنّارُ تُطْفِىء ُ حُسْناً في نَوَاحِيهـا

تُرجى لها عودة ٌ في الدهرِ صالحة
فالآنَ اضمرَ منها إلياسَ راجيهـا

مِثْلَ العَجُوزِ التي وَلّـتْ شَبِيبَتُهـا
وبانَ عنها كمالٌ كـانَ يحظيهـا

لَزَّتْ بِها ضَرّة ٌ زَهْراءُ واضِحَـة ُ
كالشمسِ أحسنُ منها عندَ رائيهـا


[1] - آل عمران54
[2] - الأعراف95
[3] - النحل34
[4] - لستُ من أنصار صدام حسين ، لكن وجب لنا أن نذكر محاسن الرجل ، فحقا كانت تلك اللحظات ترينا صورة من صور الرجال العظماء و الفرسان العرب النبلاء القدماء لم نعرفها إلا في الكتب وهو وحده فقط جسدها لنا مشهدا عيانيا .

الخميس، 3 فبراير 2011

أمة كثرة فيها العِبر و لا من معتبر




" الذين يرفضون الاعتبار من الحدث، ومن ثم يرفضون تسلم رسائله، هم أنفسهم الذين ما برحوا يروجون للزعم القائل بأن تونس حالة خاصة ليس لها مثيل في العالم العربي،
ليطمئنوا أنفسهم على مصيرهم ، وإن ادعوا أنهم يطمئنون الناس والنظام ... ولاحظت أن
 كتابات الصُحُف القومية في مصر هي الوحيدة التي تتبناه وتروج له ، في حين أن الإعلام الخارجي يعتبر أن التشابه مع مصر بالذات أمر مفروغ منه ومسلَّم به "
فهمي هويدي ، كاتب وصحفي ومفكر إسلامي من مصر




في تساؤل طرحته في تساؤل طرحته المدّونة المغربية ( لطيفة شكري ) في مدونتها قالت : " هل أخذ الحُكام العبرة من هذه التدهورات الأمنية داخل البلاد ؟ "

هذا تساؤل مشروع لكل مواطن عربي حريص على بلاده وأمته ، كل مواطن حُلمه أن يعيش بسعادة وازدهار واستقرار على تراب وطنه ، أجبتُ على تساؤلها ذاك بـ ( لا ، ولن يتخذوه أبدا ، لأن البشر من طبعهم عدم الاعتبار ، وإلا فما أكثر العِبر وما أقل الاعتبار ) .

ما جرى في الأمة خلال الشهرين الماضيين وما زال يجري يبعث برسائل قوية ليس للحُكام فقط و أنما حتى للشعوب ، لكن رسائلها للحُكام أقوى { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }[1]

لقد ضاق الناس ذرعا بهم ، ويأسوا من أمكانية فهم هؤلاء الحُكام لمطالبهم في أقامة العدل ، وتحقيق العدل الاجتماعي و سيادة القانون بشكل حقيقي وتكافئ الفرص وتحقيق تنمية حقيقية هدفها المواطن .
يقول فهمي هويدي : ( حين تمعن الأنظمة السلطوية في إحكام الانسداد السياسي وتغلق أفق المستقبل في وجوه الجميع ، فإن لغة الشارع وخروج الجماهير إليه تصبح الخيار الوحيد أمام الضائقين بالاستبداد ، والراغبين في تخليص المجتمع من براثنه ) .

لكن بدل من أن نرى تغييراً يقي الأمة الصدام ويحقن الدماء ويسد الباب على الفتن ، نجد الحُكام متمسكين بتخلفهم ، وأن غيّروا شيء لا يكون إلا تغيير خجول لا يرقى لطموح الشعب ، وأغلبه كلام لا واقع له . تغيير الهدف منه تخدير العقول و المراوغة أكثر منه الإصلاح والصلاح .

لم يتعلموا ولن يتعلمون أنه عندما تكون في موضع القوة فلا تغتر بقوتك ، بل تخيل حين ينقلب حالك وتصبح أنت الضعيف كيف ستكون ، لأن الشيطان يزين لهم سوء أعمالهم ويغريهم بطول الأمل و بالأمنيات ، فيظنوا أنه لن ينقلب حالهم .

وعادة القوى المتجبر أنْ صار في محل ضعف يعلم شعور المتجبر  ، لأنه كان مكانه يوما فيصاب بحالة نفسية عجيبة جراء ذلك . فحالهم كما قال تعالى : ( لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ )[2]

فتجده يحاول بشتى الطرق عدم فقد منزلته القوية ولو استخدم أساليب غبية ومفضوحة و بكل وضوح ، وهانحن نرى محاولات التفاف مبارك وأزلامه على الثورة بطرق شتى ، كاستخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين والتعتيم الإعلامي ـ مؤخرا ـ بالاعتداء على الإعلاميين التابعين لقنوات غير مصرية بلغ الأمر للوصول للفنادق للبحث عن إعلاميين لترويعهم والاعتداء عليهم ، و لن يكون آخرها بث مجموعة بلطجية و فتوات ـ من أزلام مبارك الصغار مع أفراد من بسطاء المجتمع الذين تم شحن مشاعرهم و تجيشها بالأكاذيب وتزيف المعلومات ـ في الشارع يدَّعُون تأييدهم لمبارك .

وانظروا الفرق بين فئة تَجَمَعَ فيها أكبر المفكرين والعلماء المشهود لهم عالمياً وعُرف عنها إخلاصهم و وطنيتهم ومعهم صفوةُ المجتمع المخلصين من طبقة المثقفين والعلماء والمفكرين والفنانين ، ومن المخلصين الشرفاء ، تظاهرت هذه الفئة مدة أسبوع و لم ينتج عنها إلا تظاهرة حضارية حاول البعض أن يدس خلالها ، إلا أن الشباب الواعي تصدى لها ببراعة وتم القبض على المشاغبين وتم تسليمه للجيش حيث أُكتشف أنهم ضباط من الشرطة والأمن .

كانوا مثالا رائعا في الإخلاص للمبدأ الذي خرجوا لأجله وفي سرعة أيجاد الحلول للأزمات التي حاولت القوة السلطوية توريطهم فيها ـ مرة بسحب الشرطة ومرة بإثارة النهب والحرق والشغب وغيرها ـ فنجحوا ببراعتهم وسرعة بديهتهم و وعيهم في أعطاء مثالا جميلا بل رائعاً يبعثُ على الفخر ، وبين فئة ليست إلا مجموعة بلطجية و فتوات وأميين تم التغرير بهم بالأكاذيب وغيره ، في أول يوم تظاهر لها خرجت تضرب وتكسر ، و تحاصر الثوار في ميدان التحرير تمنع عنهم الأكل وغيره . وهذه نتيجة طبيعية لمؤيدين لشخص مثل مبارك يقول أهل المغرب : " الحاجة اللي ما تشبه مولاها حرام ".

يقول أبو منصور الثعالبي : " وقد صدق من قال : إن الناس على دين ملوكهم والسلطان سوق يجلب إليها ما ينفق فيها ".

والأدهى و الأكثر شرا هو استخدام الجيش . جيشٌ ـ طالما أحبه الناس ـ يقف متفرجا ، أولا : حين كان الأمن يقتل الناس وقف متفرجا ، واليوم حين أتى بلطجية الرئيس وقف متفرجا ، معتذرا بأنه لا يمكن للجيش الوقوف مع أحد ضد أحد . فعلا ، و نحن معه في عدم وجوب انحيازهِ لأحد ، لكن كان بإمكانه الحيلولة دون اشتباك الفريقين بمنع المؤيدين ( كما يزعمون ) من الوصول إلى أماكن تواجد المعارضين ( كما يحب البعض تسميتهم ) في ميدان التحرير . لكنها حيلة الطغمة الفاسدة للالتفاف و الانقلاب على الثورة ، ولإظهار الثُّوار بمظهر المخربين . سحقا لهم ولمبرراتهم وأعذارهم التي يسوغونها كيفما شاءوا .

جيشٌ صار الأعلام الأمريكي ـ بإيعاز من الحكومة الأمريكية ـ يُظهر قائد أركانه على أنه الرجل الأنسب ليحل محل مبارك ، رجل قضى أغلب الفترة الأولى من عمر الثورة الشبابية في البنتاجون الأمريكي في دورة تهيئه لتولي منصبه الجديد المرتقب . يقول المفكر الإسلامي فهمي هويدي ( أن أجهزة الأمن حين تتوحد مع النظام المستبد وتصبح سوطه وسجانه ويده الباطشة ، تتحول من مؤسسة تحرس المجتمع وتسهر على أمنه إلى مؤسسة تسحق المجتمع وتعاديه ) .

وكذلك مازال هذا الرجل وأزلامه يتحدثون عن حوار .
حوار مع من ؟ وعن ماذا ؟

مع رجل أسقط شعبه شرعيته ؟ أم مع نائب رئيس فاقد شرعيته قبل أن يبدأ منصبه لأنه تم تعينه من قبل رجل فاقد الشرعية أصلا ؟  غريب أمرهم .

لماذا أرسل بلطجيته في هذه الفترة ؟

ببساطة لأن الأمن عجز أن يشتت الثّوار وأن يثني بالعنف عزائمهم ، حتى حُرمةُ الله لم يرعوها فصاروا يصوبون على المصلين خراطيم المياه الساخنة والغازات المسيلة للدموع والتي يسبب غازها الاختناق أن أستنشقه الإنسان بكمية كبيرة ، وحين بالغ في العنف و ندد بهم العالم ـ الذي ندد مضطراً طبعا لأن صمته صار محرجاً ـ كان لابد من حل بديل فأطلق أولئك البطجية ـ كالكلاب المسعورة ـ على الثّوار يضربونهم ويسبونهم ويتهمونهم بالخيانة والعمالة بلا دليل ولا بينة ، بينما يؤيدون رئيسا سامهم من الظلم والذل والفساد والعمالة درجة لا تخفى لا على القاصي ولا على الداني . و ببلطجيته أولئك ـ الذين خرجوا كجزء من الشعب مؤيد للخائن الفاسد ـ سيكون عذر الحكومة ( القبيح طبعا ) أنهم من الشعب وليسوا محسوبين عليها لذا لا يحق لها أن توقفهم .

يقول المفكر الإسلامي فهمي هويدي في معرض استعراضه للعبر المأخوذة من ما حدث في تونس : ( أن احتكار السلطة حين يتحول إلى هدف في حد ذاته ، فإنه يدفع المستبد إلى القبول بالتلون والتقلب بين مختلف المبادئ والاتجاهات ، طالما كفل له ذلك أن يبقى في موقعه )

أن الشدائد تُظهر معادن الرجال ، وبسبب ثورة الكرامة أصبح المستبدون ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ )[3] . وهاهم المستبدين المتسلطين يعيثون فسادا واستبداد وينهبون أموال الدولة ، وحين تدور عليهم الدوائر يتلونون كالحرباء ويتمسكنون ويخضعون كل ذلك ليبقوا في مراكزهم ، يظهرون أمام العَيان كم هم جبناء و سفهاء . وهم كما وصف عِمْرَانَ بن حِطان يوما أحد الولاة وقال :

أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ
ربداء تجفل من صفير الصافرِ

·   الولايات المتحدة وأتباعها الصهاينة والرأسماليين يخشون صعود الإسلاميين أن تُرك الأمر للشعب ، لأنهم يعلمون أن ذلك سيكون خيار الشعب لذا هم يحاولون بكل جهدهم عدم أعطاء الفرصة للشعب لقول كلمته ، وهذا تناقض واضح .

أمريكا مازالت تحاول الاستخفاف بعقول الجماهير العربية ، ما زالت تستخدم نفس تلك الشعارات والكلمات الرنانة ، وهي لا تستخف بها إلا أصحاب العقول السفيهة ، لقد أصبح وجهها القبيح مفضوحا أمام نطاق واسع من شباب هذه الأمة ، ما عاد يخفى على أحد ما تستخدمه من أساليب التشويش والدسائس لتبلغ مأربها من مص ثروات الشعوب وأيضا لحماية مدللتها ( سوسو ) كما يسميها أخٌ  لي ، ويعني بها الكيان الصهيوني .

·   أن اليهود لا يسعفون الخائن ، وهذا ما يشهده تاريخهم الحديث والقديم . فاليهود يتبرؤون من الخونة الذين أعانوهم كما يتبرأ الشيطان من أهل النار { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ }[4]

فمن خان أمته من السهل عليه أن يخون الأمم الأخرى ، والصهاينة والغربيين يستغنون عن الذي مدَّ لهم يدهُ وخان قومه حين يسقط ، لأنه في نظرهم كالعاهر ـ أكرمكم الله ـ التي باعت عِرضها لقاء بعض دُريهمات ، لذا فأجرها مدفوعٌ سلفاً ، وهم غير مسئولين عما قد يحدث لاحقا ، و أن من باع أرضه كمن باع عِرضِه ، والتاريخ خير شاهد ، و ليس ( أنطوان لحد )  عنَّا ببعيد .

هذا بالضبط ما حدث لـ ( زين العابدين بن علي ) ، وهذا ما نرى بوادره الآن لـ ( مبارك )  ، فهاهم يطالبون الجيش بالضغط على مبارك ليتنحى عن السلطة ، في بادرة كان الكثير من الإعلاميين و المفكرين والمراقبين والمدونين قد تحدثوا عنها كورقة سوف تلجأ لها أمريكا لحفظ مصالحها ليذهب ـ مقابلها ـ مبارك ككبش فداء .

اليهود أطلقوا مخاوفهم صراحة ولم يأبهوا أن تصريحهم سيحرج مبارك فوق موقفه المتأزم أمام شعبه . هكذا هم اليهود بالطبع ـ أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق وأهل خيانة وغدر ـ و ليس بخفي أن الشعب العربي يعلم مدى خيانة حُكامه لكن كان حريا بهم ـ أعني اليهود الصهاينة ـ من باب الالتزام بالواجب الأخلاقي ألا يصرحوا علانا ، لأنها شهادة صريحة بتهمه من التهم التي بسببها طالب الشعب بنزوله من سدة الحكم وهي العمالة لهم .

يقول البعض أن أمتنا مثل اليتيم وحيدا يتعاون عليه الداخل والخارج ، وأقول : لا ، لأن أمةً فيها شباب مخلص واعي ـ مثالا لهم شباب تونس ومصر ـ لم ولن تكون يتيمة أبدا وأن تكالب عليها الأعداء والخونة .

·   هذا هو حال الحُكام المستبدين ، يرى الكثيرون أن مبارك الآن يسعى أن يخرج بكرامة وليس خروج ذليلا من السلطة ، لأنه ـ كما يرى ـ قدم الكثير لمصر وأنه من هذا الشعب .

يريد أن يخرج بكرامته ونسى أنه أنتهك من كرامة شعبه وأمته الكثير ، أن كان يظن أنه ذا فضل على الدولة ، فغبي من يظن أن ما يفعله من أجل الوطن يجب أن يأخذ مقابل له ، أو من يظن أن قيامهُ بواجبه فضل منهُ و منَّة على الوطن ، لأن ذلك واجب هو ملزومٌ به بحكم أنه مواطن ، وبحكم موقعه كموظف في هذه الدولة يجب عليه القيام بواجبه ومسؤولياته ، فهو أيضا لا يعمل مجانا ، بل يتقاضى عليه أجراً ليس بالبسيط ، هذا عدا المميزات المالية و الوجاهة التي يمنحها له ذلك المركز.

يقول مبارك أنه سيطلق الحقوق والحرية ، ها هو منع قناة الجزيرة وأخرجها من مصر ، نحن لا ننكر مدى انحياز ( الجزيرة ) وحماسها المفرط مع الثوار ، لكن الديمقراطية ـ المزعومة ـ تقتضي أن لا تتخلص من الأخر أن كان يُخالفك ، بل أن تتعامل معه بالدلائل والحجج وأساليب حضارية أخرى . لكن الكبت والقمع عادة تسري في دماء هؤلاء المستبدين ، فالسجن والبلطجة والقتل والاغتيالات هي وسيلتهم الأزلية .

• أولئك الذين أعماهم قصر بصيرتهم وأمنوا بقول الإعلام الرسمي فلم يمدوا بصرهم ليروا تبذير الحكومة لأموال وموارد الأمة ، ولم يروا مدى غياب القانون والعدالة الاجتماعية ، وإهمال الحكومة في أداء واجبها ، و الهالة العظيمة التي يرسمها الأعلام ـ الكاذب ـ حول الحُكام حتى كادت أن تجعل الحاكم ( إله )  يُعبد من دون الله . وتزيف الوعي وتميع الأخلاق ونشر الفساد وتهكم بالدين .

• هل يتعلم الحكام الدرس من تونس ؟

بالتأكيد لن يتعلموا ، أنما سيتعلمونه فقط في كيفية منع خروج الشعب وليس في كيفية امتصاص غضبه .

يقول فهمي هويدي وهو مفكر إسلامي وشخصية معتبرة ليس في مصر وحدها بكل في كل الوطن العربي : ( وحين سألني أحد المراسلين الأميركيين عن أوجه الشبه بين مصر وتونس والجزائر . قلت إن بينها أربعة قواسم مشتركة على الأقل هي: استمرار احتكار السلطة ، وانتشار الفساد ، والتغريب وفقدان الهوية ، والدوران في فلك السياسة الأميركية . وهي أمور يطول فيها الحديث ويضيق بها المكان ) .

أعي جيدا مخاوف البعض من المستقبل ، ومن التدهور الذي قد يحل إذا ما انفرط العقد ، لذا تجده من فرط ما هجم عليه الخوف والتبلبل تجده يُطلق الكلام جوادا جامحا بلا لجام . لكن ـ صدقوني ـ لم يكون ولن يكون الحاكم الفاسد هو سفينة نوح للشعب والوطن . لكني لا ألوم المتخوفين المترددين فالليل حالك والعجاج قاتم و البصيرة خدرها الخوف . يقول بن جونسون : " أكبر جحيم أن يكون المرء سجينا للخوف " .


[1] - النحل34
[2] - البقرة 275
[3] - المنافقون 4
[4] - الأنفال 48

السبت، 29 يناير 2011

الانقلابات العربية الجديدة



" أنَّ مَنْ يعتقد أنَّ نجم الثورة قد أفَل ، فهو أما متساقط أو خائن أو جبان .
 فالثورة قوية كالفولاذ . مشتعلة كالجمر ، حامية كالسندان ، والطريق مظلم
وحالك . أن لم تحترق أنت وأنا فمن سيضيء الطريق ؟"
تشي: أرنستو جيفارا ، ثائر عالمي من الأرجنتين




لقد شهدنا في الخمسينيات من القرن العشرين سلسلة من الانقلابات على النُظم الحاكمة في المنطقة العربية ، وحتى فترات قريبة كنا ومازلنا نرى هذه الانقلابات هنا وهناك ، مرة انقلابا أبيضا ومرة أخضر ( تيمنا بلباس الجيش كما هو شائع ) .

ونحن الآن نشهد انقلابات لكن من نوع جديد ، نوع قريب إلى قلوبنا لسبب بسيط وهو أن ( أصله الشعب ) و  ( وقوده أرادة الشعب ) ، عكس الانقلابات البيضاء والخضراء والتي ( تنطلق باسم الشعب )  و ( وقودها حب السلطة والتسلط ) لشخوص تلك الانقلابات ، وكم قد أُخذت الدنيا باسم الشعب المسكين والذي في النهاية يظهر أن لا ناقة له في منجزات الثورة ولا جمل ، إلا الفُتات طبعا لأن عُشاق السلطة لا يحبون الفتات وكما يقول المثل الشعبي في الخليج بالدارجة ( لو فيه خير ما سلاه الطير ) سلاه أي تَرَكَهُ ونَسِيّه .

أما لسان حال الشعب فكما وصف الخليفة العباسي نفسه في أواخر الحُكم العباسي والذي كان حُكْمُه اسميا فقط ، حين قال :

أليس من العجائب أنَّ مثلي
يرى ما  قلَّ  ممتنعاً عَليْهِ

و تُؤْخَذُ باسمه الدنيا جميعا
وما من ذاك شيءٌ في يديهِ

هبت رياح التغيير من تونس فأنعشت قلوباً ملأ اليأس حناياها وجعلها تُسلم بأن هذا الواقع هو أمر قدر لا يمكن تغييره ، لكن النار المشتعلة في جسد ( محمد بو عزيزي ) أضاءت الطريق أمام الشعب العربي . وأحسب أن ( محمد بو عزيزي ) حين أضرم النار بجسده لم يكن يعلم أن نار جسده ستنير الطريق لإرادة الشعب ليس في تونس وحدها بل حتى في الأقطار العربية .

يقول تشي جيفارا : ( أن لم تحترق أنت و أنا فمن سيضيء الطريق ؟ ) . لكن الشعب المصري أراد أن يكون الاحتراق ليس عبر الأجساد بل عبر أيقاد شموع الحرية ، لتنير لهم السبيل نحو دولة أكثر احتراما للمواطن فيها ، و أكثر عدلا ، وأن تكون تنميتها لأبنائها وليس لأجل شعب ودولة مفتعله مثل الكيان الصهيوني الهمجي . فكانت الثورة في مصر ، ولا أسميها يوم الغضب ، بل ثورة الكرامة .

ما المجد زُخرفُ أقوالٍ تطالعه
لا يُدركْ المجد إلا كُلِّ فعّالِ


أجل ، خرجت الجماهير ـ في تونس والجزائر واليمن ومصر والبقية تأتي ـ تَهتف ضد الظلم والقهر والذُّل ، ضد الفاسدين والمفسدين والعابثين بموارد أمتهم وأرزاقها ، ضد أصنام السلطة وأزلامها ، ولسان حالهم يقول :

لقد مضينا فلم تضعف عزائمنا
عما نروم ولا خابت مساعينا

قوم إذا خاصموا كانوا فرعنة
يوما ، وأن حكموا كانوا موازينا

تدرعوا العقل جلبابا فإن حميت
نار الوغى خلتهم فيها مجانينا

أنَّا لقومٌ أبتْ أخلاقنا شرفاً
أن نبتدي بالأذى من ليس يؤدينا

بيضٌ صنائعنا ، خُضرٌ مرابعنا
سودٌ وقائعنا ، حُمرٌ مواضينا

لا يظهر العجز منَّا دون نيل مُنَّى
ولو رأينا المنايا في أمانينا



أن ما ميّزَ ثورة (  مصر ) عن احتجاجات ( الجزائر واليمن )  هو أن الأولى قادتها وأبطالها الشعب وليس الأحزاب ، لذا هي من القلب ، وما كان نابعا من القلب فأن نبض الصدق والإخلاص يُغذيه ويُشعله ، وكلما أراد أحد أن يُطفِئُه أزداد إضاءة واتقادا ، وأزداد قوة و وهجاً.

و الجميل في ثورة مصر أيضا أن موعدها هو نفس يوم احتفال أكبر مؤسسه قمعية ، مؤسسة الظلم والبطش بعيدها وهي مؤسسة الشرطة  .

أن من زار مصر يعلم كيف هي تلك المؤسسة المشوهة ، وأن أكثر ما يَأَسف عليه المرء هو كون أفراد هذه المؤسسة جزء من الشعب للأسف ، لكنهم يتعاملون معه وكأنهم جاءوا من كوكب أخر لا يَمُتُ لهذا الشعب بصلة ، وطريقتهم لقمع المظاهرات تكفي لتفسير ما أقصده . فقد قتلوا الشعب لأجل مصالح فردية لضباط داخل الشرطة ـ ومنهم قصة المُدون خالد سعيد الذي قتلته شرطة الإسكندرية حين وثق بالدليل الساطع متاجرتهم بالمخدرات ـ و هي مؤسسة جنودها مجرد شحاذين ومرتشين وفاسدين وكم حقروا أفراد الشعب وتعاملوا معه كأنهم عبيد وليسوا مواطنين واجب هذه المؤسسة خدمتهم وحمايتهم .

لكن ما أخشاه هو أن اللئام لن يتركوا للشعب الحر في مصر مجالا لتحقيق مطالبه ، ممثلين في الولايات المتحدة ، و أعني باللئام ثلاثة :

·       أصحاب رؤوس الأموال في أمريكا ( وجلهم من اليهود أو المسحيين المتشددين ) .
·        و الصهاينة ( في أوروبا وفي أمريكا وفي الكيان الصهيوني ) .
·        و عَبَدة  ( الكراسي والسلطة ) في السلطة المصرية وفي السلطات العربية .

أن هؤلاء مصلحتهم في مصر أكبر من تونس ومن الجزائر ، و أتفاق المصالح بينهم سيجعلهم يتكاتفون و يستميتون لتحقيق هدف بقاء عَرّاب الفساد العربي وعبد اليهود محمد حسني مبارك ، رأس النفاق والفساد . ليس لسواد عيني ( مبارك ) طبعا بل لأجل مصالحهم وأن لم يكن ( مبارك )  فعلى  الأقل سيأتون بنسخة مثله .

لا يخفى على ذي لُب أن ( خمس نقاط ) في جسد الوطن العربي تُكوّن العصب الرئيس في قوة الأمة ، وأن الإمساك بها يعني السيطرة التامة عليها وشل حركة هذه الأمة ،ليمكن توجيهها وفق ما تبتغي طغمة اللئام تلك ، والنقاط التي أعنيها هي : ( السعودية ، و العراق ، و مصر ، و السودان ، و المملكة المغربية  )  .

فهذه الدول الخمسة تعني ( العصب الديني ، و الاقتصادي ، و السياسي ، و العسكري ، و الأمني ، و الجغرافي  ) ، وهي تشكل لجسد الأمة نفس ما يُشكله الأعضاء الرئيسة في الجسد البشري : ( القلب ، و المخ ، و الرئتين ) . أما باقي الدول فهي بمثابة باقي الأعضاء في الجسد ، أن السيطرة عليها يكون من أجل أبقاء إخضاع الأعضاء الرئيسة فقط ، وأن سقوطها لا يسبب بالغ الأذى ـ بالنسبة لطغة اللئام ـ كما يُشكله سقوط أحد الأعضاء الرئيسة . لأجل هذا طال ( موت الأمة  السريري ) ، وربما الآن ـ وهذا ما نتمناه بصدق ـ سنشهد عودة الحياة من الرمق المتبقي فيها وهو الشعب ، لأنه روح الأمة ومادامت ( الروح ) بخير فالأمل لعودة الحياة للجسد يبقى موجودا .

يقول الصهيوني(  بن إليعزر )  للإذاعة العامة في الكيان الصهيوني : ( سيكون للانقلابات في العالم العربي تأثيرا مباشرا على إسرائيل وقد تزيد الكراهية والعنف اتجاهها ) . طبعا هذا في حال جاءت هذه الانقلابات بحكومة وطنية مخلصة شريفة ، وأنهم أشد ما يخافونه هو صعود ما يسمونهم بالإسلاميين لأنهم يعلمون أن هؤلاء لن يساوموا على كرامة الأمة .

لا يغرنَّ أحدكم خطابات الحكومة الأمريكية ، والتي تؤكد ـ  للمتأمل والعارف ـ مدى استياء أمريكا من ثورة الشعب في مصر ، فهي لن تجد مثالا لـ ( مبارك ) ، والذي لم يكن مباركا على مصر أبدا . وكأن الحكومة الأمريكية لم تكن تعرف أن ( نظام مبارك ) نظام فاسد وقمعي وتسلطي وغبي أيضا .

لقد قيل : أنَّ الظُلم داء
فلا تأتمن أهل الرياءِ

يدعون شعب مصر لضبط النفس ونبذ العنف ، فليدخروا نصائحهم لهم ، هم أهل العنف الذي ليس في محلهِ ، فأمريكا ـ طول تاريخها منذ البدايات الأولى ـ كانت مثل العَلَق والقِراد ، نَمَتْ وكَبُرتْ وتربت على الدماء ، حتى عندما لم يكن أراقت الدماء ضرورة .

أننا لا نلوم أمريكا على بحثها على مصالحها ، ولا نلوم الصهاينة كذلك ، ونحن أيضا من حقنا كأمة أن نبحث عن مصالحنا ، وأن نتعامل مع من نريد وأن نمقت من لا نريد .

في لقاء لقناة الجزيرة مع سفير أمريكي سابق في مصر يقول أن أمريكا لا تحب التعامل مع الإسلاميين وأنها تفضل العلمانيين ، علمانيين بالقدر الذي يسمح للآخرين بالتعايش والعيش في بلد كمصر به مسيحيين مع مصر .

عندما كنت أسمعه كنت أتسأل :

إلى أي حد يُصور غرور الأمريكان وتعاليهم وأنانيتهم إلى أي حد يصور لهم أن الآخرين أغبياء ؟

ألم يقرؤوا تاريخ الأمة ، و تاريخ مصر ؟

لو كان المسلمون يحملون نفس تعصب الأوربيين الذين دخلوا أرض أمريكا أول ما دخلوها ، أترى نجد إلى يومنا هذا مسيحي على أرض ( مصر )  وغيرها من أقطار الوطن العربي والإسلامي ؟

لو كنا متعصبين مثلهم ألن ينقرض أصحاب الديانات الأخرى في الأمة كما أنقرض الهنود الحُمر في الولايات المتحدة أو كادوا ينقرضون ؟  أو كما أنقرض السكان الأصليين في استراليا أو كادوا ينقرضون ؟  أليس كذلك ؟

أننا اليوم و بعد مرور أكثر من ( ألف وأربعمائة  ) سنة على وجود الإسلام لازلنا نجد عدد لا ليس بالقليل من الصابئة واليهود والمسيحيين وحتى المجوس والبوذيين .

هل الصهاينة ـ في دولة تدعي نفسها ( إسرائيل ) تقوم على أساس ديني بحت ـ مسالمين ؟

إلا يقتلون العرب والمسلمين والمسحيين لأن دولتهم يهودية بحته ؟

لماذا لا تُطالب أمريكا ( إسرائيل المزعومة ) بوضع دستور مكتوب يحدد هويتها السياسية ؟

لماذا لا تطالب أمريكا ( إسرائيل المزعومة ) بتبني نظام علماني بدل النظام الديني ؟ حتى يستطيع الآخرين العيش بسلام معهم ؟

كم هي غريبة فلسفة أصحاب المصالح الأنانية والمغرورين !!!!

يحاولون تخويف الناس لتفريقهم بطرق شتى مثل محاولة فرض الجيش لحضر التجول وتهديد الذي لا يتقيد به ، و محاولة إشاعة أن ـ ما يسمونهم ـ الإسلاميين هم من نظم هذه الثورة وأن المسيحيين غير مشتركين بها وذلك لتشويش على الناس وتخويفهم ، وهذه طبعا غير صحيح فكل أهل مصر نزلوا للشوارع لم يطلب منهم أحد النزول وهم لا يمثلون غير أرادة الشعب فقط ، فيهم المسيحي والمسلم ، الصغير والكبير ، المثقف و الأمي .

يقول المفكر الدكتور ( محمد عمارة ) أن سبب عدم تدخل الأزهر ولو بالتصريح فيما يخص ثورة أهل مصر ، أنما يرجع إلى أن سياسات الأزهر تقتضي عدم التدخل في السياسات الداخلية للدولة ، ولكنها تتدخل في القضايا الإسلامية لأنه دورها .

لست أدري ما كان مقصد الدكتور ( عمارة ) وهو مفكر له مكانته في نفوسنا كشباب في هذه الأمة ، هل كان تبريرا أم تذكير فقط ؟

فإن كان تبريرا من باب الدفاع عن عدم مشاركة الأزهر ، فهذا غير مقبول بتاتا ، فالأولى لمؤسسه دينية بمثل الأزهر أن لا تقف على الحياد في مثل هذه الظروف تحديدا ، والأولى بها النظر في أحوال البلد بدل التفلسف في أحوال الأبعدين ، وهذا أقرب للمنطق ، وإلا لما أوصى الله نبيه قائل : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ }[1]

وكما يقول الداعية الأمريكي المسلم حمزة يوسف : " أن الحياد في المسائل الأخلاقية يعتبر خيانة " وإلا فلما صمتهم طوال تلك المدة على ظلمه وتجبره وفساده ، و " الساكت عن الحق شيطان أخرس " ، فما بالك أن كان هذا الساكت بمنزلة مثل منزلة الأزهر و الكنيسة .

لكن لا يمكن لشيخ الأزهر ولا للكنيسة أن يتحدثا ، لأنهما مجرد مؤسستان تابعتان لحزب مبارك ـ وأن ظهر أمام العيان غير ذلك ـ لأنهما أن انحازا في صف الجماهير لن يكونوا سوى متسلقين يبحثون عن المكاسب و يلوذان إلى صف المنتصر ، وأن تحدثا في صف مبارك فأنهما يشوهون صورتهم بأقبح مما هي عليه أصلا .

أجل ، أننا نحزن بالغ الحزن لمن قضوا في هذه الثورة ، لكنها الثورة هكذا ، لابد لكل ثورة من شهداء ليعلوا مجدها ، ولو خُيِّر أهل مصر وأهل تونس وكل الشعوب المظلومة لما اختاروا أراقت الدماء ، و لاختاروا العدالة والحرية والكرامة والازدهار . لكن أمام جحافل الظلم لا خيار إلا ببذل الدماء


هجرته   و   أنا   أدرى   بعلتهِ
لابد في العضو ـ إن يفسد ـ من البترِ


ونسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يتقبلهم شهداء عنده لأنهم ثاروا ضد الظلم ، اللهم آمين .

مما لا نشك فيه أن مبارك وأزلامه في اتصال تام مع ( طغمة اللئام ) وسيستميتون جميعا لإخماد الثورة ، وهذا ما نشهده الآن من قطع الاتصالات والانترنت ، واستخدام الرصاص ، وغيره من أساليب سنشهدها في الأيام القادمة .

وأكبر حيلة هي زج ( الجيش المصري )  في خط المواجهة ، أهل مصر فرحوا وهللوا ترحيبا بالجيش ، لكن ماذا سيكون دور الجيش في مثل هذا الموقف الحساس جدا ؟

هل سيترك للثُّوار السير اتجاه القصر الجمهوري ؟

أم هل سيفجر رؤوس الثوار بدباباته المدرعة دهسا أو بإطلاق القذائف ؟

في اعتقادي لو كان الجيش وطنيا بصدق ـ وأقصد الآن ودعنا من التاريخ فللتاريخ أبطاله ـ لرفض الدخول في هذه المواجهة ، لأنه سيكون فيها بين نارين . وأن أفراد الجيش هم من صميم الشعب لذا هم يعلمون أن ( مبارك )  ظالم فاسد و سارق ، وأن ثورة الشعب ليست تمردا ولا خيانة ، وإنما حق مشروع .

ليت الجيش و قيادته ـ تحديدا لأن المسؤولية تقع على عاتقها أولا و أخيرا ـ اكتفى بحماية المتاحف و الممتلكات العامة للدولة ، لأن أهل مصر يرفضون الشرطة جملةً وتفصيلاً ، ولا يحق لأحد أن يلومهم أبدا على هذا الكره والحقد . ورأيناهم ما فعلوا حتى بالشرطة العسكرية .

قال أفراد الجيش للثوار عند أول لحظات انتشار الجيش في الساحات قالوا : جئنا لكي نحميكم .

تحمونهم مِنْ مَنْ ؟ وكيف ؟ وأنتم جئتم بأمر من عدو هؤلاء الثوار .

تحمونهم مِنْ مَنْ ؟ وكيف ؟ وأنتم تتفرجون عليهم والأمن يفرغ فيهم رصاصاته القاتلة وأنتم تقفون متفرجين لا تبتون ببنت شفه . ولا تتحرك فيكم النخوة .

تحمونهم مِنْ مَنْ ؟ وكيف ؟ وأنتم تسدون الطريق علي الثُّوار بمدرعاتكم لتمنعونهم من إسقاط الخائن الفاسد .
تحمونهم مِنْ مَنْ ؟ وكيف ؟ وقائد الجيش منذ أول يوم للثورة وهو في الولايات المتحدة مع أكثر من عشرين فردا من أفراد قيادة الجيش يأخذون الأوامر من العدو .

هذا ليس جيش مصر ، أنما هو جيش ( محمد حسني مبارك )  وحزبه . لو كان جيش مصر لمضى مع الشعب ليُطيح برأس الفساد أو على أضعف الأيمان بقى على الحياد لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء .

يلهث البعض ـ بعد أن تأكد من صدق عزم أهل مصر في الثأر للكرامة والعزة ـ يلهثون للحصول على مغانم و نصيب من المجد ، وهذا ما نراه من أمثال البرادعي الذي جاء على مهل ليأخذ دور الزعامة وما رأيناه من بعض المتحزبين.

حين لم نرى أي تصريح رسمي مصري قلنا : ربما خشي هؤلاء أن يصبحوا أضحوكة كما حصل لزين العابدين بن علي وخطابهُ المثير للشفقة . وهم أصلا لا يملكوا ما يقولونه .

لكننا فوجئنا بمبارك يظهر ليقول نفس ما قاله بن علي ، ألآن أستيقظ من غيبوبته وفهم مطالب الشعب ؟ الآن فقط علم المسكين أن شعبه يقاسي ويعاني ، وأن أتباعه هم محض لصوص مثله وفاسدون مثله ؟ كم هم ـ هؤلاء الحُكام ـ مثيرون للشفقة .

ألا يعلم أنه ممقوت ؟

أليس لديه ذرة كرامة ؟

بدل استخدام السلاح ضد شعبه وبدل أن ينعتهم بالمخربين والمتمردين ، وهو يعلم أنه ـ بعزة الله ـ وقوته ظاهرين عليه ،  كان جديرا به على الأقل أن يفعل ولو شيء واحد ينم عن أنه إنسان يملك ذرة كرامة ويقدم استقالته ويخرج من مصر احتراما لشعبه . أو احتراما لنفسه على أقل تقدير .

لقد سمعنا بعض الشائعات تقول باحتمال أن تكون ( سلطنة عُمان ) هي المكان الذي سيتم استقبال حسني مبارك فيه كلاجئ سياسي . لكننا هنا في السلطنة لا نقبل به ، فأرض عُمان الطاهرة لا يسعها تحمل دنس ونجاسة مثل هذا الرجل الذي ـ أعتقد ـ أن الشيطان نفسه يتبرأ من أعماله المشينة .

فليذهب لليهود ـ أسياده ـ ليحتمي بهم وليلجئ عندهم ، فقد كان طوال فترة حُكمه المقيت (  الحضي لديهم ) .

نحن لا نخاف على الثَّوار من خِدَع السلطة القديمة ، لأنهم أكثر وعيا و ذكاءًً منها ، لكننا نخاف عليهم من الخونة والمرتزقة ، ونخاف أن تلجئ السلطة المنبوذة ـ في محاولاتها اليائسة للبقاء ـ إلى استخدام الاغتيالات وتصفية الزعامات والشخصيات الوطنية . نسأل الله لهم ولأهل مصر السلامة منهم ، وأن يرد كيد الكائدين في نحورهم وأن يدحر اللئام .

وأخيرا ..

أن في القلب الكثير مما تغص به الصدور ونحن نرى ما نراه لكن القلم لا يُسْعِف المَصْدُور ، ونعزي أنفسنا و نؤملها بأنه كما يقول الهَمَدانيِّ : ( أن بعد الكدر صفوا ، وبعد المطر صحوا )

لا نملك لإخواننا في الأقطار الأخرى سوى الصلاة والدعاء ـ وذلك أضعف الإيمان ـ بأن يحفظهم الله وأن يسدد خُطاهم ، وأن يسدد رميتهم ، وأن يمدهم بمدد منه ليطهر أرضهم من الأنجاس ، وأن يلقي الرُّعبَ والخوف في قلب مبارك ومن شاكلهُ في أقطار الأمة العربية ، اللهم أنصرهم نصرا عزيزا .




[1] - الشعراء214

الجمعة، 21 يناير 2011

أرادة الشعب هي السلطة الحقيقية


إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ

 فَلا  بُدَّ  أنْ يَسْتَجِيبَ  القَـدَر
أبي القاسم الشابيّ ، شاعر من تونس





قبل أن يقرر علماء الاجتماع وعلماء السياسة أن أرادة الشعوب هي السلطة الحقيقية في أي دولة . قررتْ شهادةُ التاريخ ذلك و أكدته . فعَبْر التاريخ الإنساني الطويل نجد أن الشعوب هي من تحسم الأمور و تعيد صياغة مسار القضايا و الأحداث .

أن ثورة الشعب التونسي على ( زين العابدين بن علي )  أبهرتْ الناس لأسباب كثيرة ـ رغم أننا نعلم مدى القهر والوضع الاقتصادي المتأزم في تونس ـ  كنا نتوقع أن تندلع الثورة في ( مصر أو العراق أو سوريا أو السودان ) و ليس في تونس .

لماذا هذه الدول تحديدا ، فكل أقطار الوطن العربي تُعاني ؟

أجل كلها تُعاني لكن تختلف معاناتها وتتباين لكن هذه تحديدا أوضاعها ليست سيئة بل مزرية جدا ، لكن أركان الثورة تتوفر في هذه الدول بقوة ، لكن علماء الاجتماع يؤكدون في دراساتهم الكثيرة (  أن توفر أسباب الثورة لدى شعب ما ليس بالضرورة مدعاة لاندلاع الثورة ) ، ولهم على ذلك شواهد تاريخية كثيرة . و شخصيا كنت أتوقع أن يثور الشعب المصري وكنت أقول أنها مسألة وقت فقط ، وهي مسألة توفر الشرارة .

أن ثورات الشعوب ـ أعني الثورات العفوية  ـ لا تكون أبدا ما لم تكون هناك أوضاع تستدعي خروج الشعب ضد حاكميه ، أن درجة الغليان الذي يحقق الانفجار الذي لا درء  له إلا العدل و التنمية الحقيقية العادلة . والحال كما قال الشاعر :

ما كانت الحسناء تكشف سترها
لو  كان بين  الحاضرين  رجالُ

الثورة جيدة ، وثورات الشعوب  ـ  كما أسلفنا ـ  دائما هي من يحسم الكثير من القضايا العالقة أكثر مما قد تحسمها الحروب حتى .

لكن الثورة الشعبية عندما تكون عفوية ـ كما هو الحال في تونس ـ قد تتحول إلى ( كارثة ) ما لم يُقيض لها الله قائد مُخلصاً يَهُّبُ لتوجيه مسارها لنحو تحقيق معه طموحات الشعب ، فالمغرضين كثيرين وأصحاب المصالح أكثر ، أولئك الذين يبيعون أوطانهم من أجل الدرهم و الدرهمين .

أن أرادة الشعوب أن اصطدمت بمصالح شخصية ـ لأفراد أو مصالح حزبية ـ  كانت وبالا ودمارا على تلك الشعوب ، أن الأحزاب لا تقدم الكثير من الخير لإرادة الشعوب لأنها مجرد وجه أخر ( لأطماع فردية تسلطية ) ، هذا ما يثبته الواقع والتاريخ السياسي ، حتى وأن حاول البعض إنكار هذه الحقيقية .

أن الوعي السياسي لأي أمة والوعي الحقوقي وخاصة حقوق المواطنة لأفراد الشعب تجعله يسير نحو الازدهار بخطى ثابتة ، خطى راسخة لا تنهار مع تقادُم العهد عليها ، بل تجعل من بُنْيَانها أكثر جمالا و رونقاً  و  رسوخاً .

وأن أكثر ما يَستغلهُ ( المتسلقون الطامعون ) هو ضعف أو غياب الوعي السياسي والوعي الحقوقي للشعب ، وتوجيه فكر الشعب نحو اتجاهات يرغب بها أولئك المُنَصبين أنفسهم زعماء و ناطقين بلسان الشعوب .

هم أشرُّ من حاكم دكتاتوري أو متسلط ، لأن هذا الحاكم تكون أفعاله واضحة و الحكم عليها سهل ، بينما هؤلاء يكونون شر مكان في الأرض ، يعبثون بمقدرات الشعوب لأجل أهدافهم ، وينطقون بالحق لكنهم يريدون به باطلا . يعبثون في الخفاء ويصطادون في الماء العكر ويشتتون فكر الشعب و بالتالي يُخدرون أرادته ، يصنعون من أنفسهم أبطالا ليُمجَدُوا وليُحْمَدُوا بما لم يَفْعَلُوا .

أن ( المتحزبين )  لا فرق بينهم وبين  ( القبليين )  ، بل أن الأخيرة أفضل من بعض الوجوه فهم يُرَاعون بعض معاني الشهامة والمروءة ـ على الأقل ـ في حق أهلهم ، أما المتحزبين فهم أوثان أنفسهم ، يَعْبُدُونها ويُخضِعُون الناس لعبادتها من حيث يدرون ولا يدرون ، ولا تجد إلا أنهم مجرد وجه أخر من الدكتاتورية و لكن بلباس الحرية و الديمقراطية ليُخدروا أرادة الشعب .

أن نَتَج عن الثورة الشعبية التونسية سَن قوانين فاعله و عادلة تُنظم السلطة والحياة ، ونَتَج عنها بناء أُسُس دولة تمنح الشعب التونسي العدالة الاجتماعية والاقتصادية ، لتقودهم نحو العدالة والتنمية الحقيقية التي يكون أساسها الإنسان وليس مصالح أفراد وأهواء أمم أخرى يتحمل عبئها الشعب التونسي .

حينئذ يمكن لأهل تونس أن يكونوا قريري العين لأن ثورتهم حينها ستكون ناجحة و أن من ماتوا في سبيل هذه الثورة ستهدأ أرواحهم لأن دمائهم لم تذهب هباءً  كم ذهبت قبلهم دماء أجدادهم الثُّوار ، الذين ثاروا ضد المستعمر الفرنسي الظالم والذي أعقبهُ حكم سلطان أشد ظلماً وتسلطا تدخل حتى في طريقة معاشرة الرجل لزوجته ، وما كاد ينزاح عنهم حتى أتى من هو اشد منه و أظلم ، والذي سلَّم تونس بكل ما فيها لزوجته لتهبها هي بدورها لأهلها . وهذا أمر يعلمه أهل تونس علما يقينيا .

وقد سعى هذان الاثنان ـ الحبيب بورقيبة و زين العابدين بن علي ـ على تعطيل كل ما يخص الإسلام ، كانوا أشد على أهل تونس من ( كمال أتاتورك ) على أهل تركيا . تونس أرض الصوفية و المتصوفة باتت في عهدهما تكاد تكون خالية من الإسلام وأصبحت فرنسية أكثر من فرنسا نفسها . فلله كيف هُدرتْ دماءُ الثُّوار .

و أقول كما قال أدولف هتلر بعد هزيمة ألمانيا المُذِلة في الحرب العالمية الأولى ـ وكان رجل عاديا حينها ـ معبراً عن أساه : ( تُرى أتُفتح أبواب قبور مئات الألوف من الرجال الذين لقوا حتفهم على الجبهة لتُرسل أشباحاً تنتقم لأرواحهم ؟! ) .

أخيراً ..

أتمنى من كل قلبي أن يُقَيِّض الله لتونس الحبيبة قائداً مخلصاً واعياً وحكيما يجعل ثورة شعبها الطيب ثورة خير وسعادة وازدهار . كما أتمنى الشيء ذاته لمصر و لكل أمتي الحبيبة ، فأمتنا تستحق الأفضل .

وكما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابيّ :

إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ
فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر

وَ لا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي
وَ لا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر

وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ
تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر