الأربعاء، 10 يونيو 2015

تدويناتي في ملف PDF


تحية طيبة

لقد قمت بجمع بعض مقالاتي و تدويناتي في ملف pdf ليسهل عليكم أقتنائها .

أرجو أن تجدوا فيها و لو بعض الفائدة


من مكتبة أرشيف :

للتحميل أنقر هنا

الحرب الدينية الكاذبة PDF



لتحميل مقالات "الحرب الدينية الكاذبة" فقد جمعتها لكم في ملف pdf  ليسهل لكم الأحتفاظ بها .

أرجو لكم قراءة مفيدة و واعية.



للتحميل من مكتبة أرشيف

بلوشستان المسلوبة



" أحقادنا الشخصية لا تظهر على هيئة أحقاد ، بل تخرج في هيئة غيرة ، أو حمية وطنية ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر . النفس البشرية تحسن ستر عيوبها"
عبدالله رفود السفياني ، شاعر و كاتب من السعودية .




يسعى صديق بلوشي ـ دمث الأخلاق كعادة البلوش ـ لطرح قضية وطنهِ "بلوشستان" ـ المسلوب منذ خمسة وستون عام ـ   لكنه كلما سعى لطرح قضية وطنه المقسم بين ثلاث دول وجد ردات فعل مختلفة من متابعيهِ العرب ، فإن كَتَبَ معاناة  وطنه في إيران وجد التصفيق و التصفير و التهليل و التكبير ، وأن كتب عن معاناة وطنهِ في باكستان ، وجد التشكيك و الشتم و السب و التحقير و التأنيب  . كتب مرة عن معاناة البلوش في باكستان و التي لا تقل وحشية وعنفا عن إيران فجاءته ردود أمثال : (يجب التركيز على الأكثر ضررا وهو صاحب الأيديولوجية وأعني إيران ، ركز على العدو الأول وهو الهدف الواضح الآن ولا خير في التشتيت).

كيف صنف الأخ (الوهابي) قضية البلوش في إيران أنها العدو الأول ، ولم يعتبر باكستان عدو أول ؟ ألا يعلم الأخ الوهابي مدى الألم و المعاناة و العذاب الذي يسومه الباكستانيون للبلوش ؟ و هو عذاب و تهميش و قتل و نهب وتدمير لا يقل أبدا عن ما يفعله الفرس المتشيعون ، فالفريقين يمارسان وحشية ضد البلوش لا  يقل أحدهما عن الآخر .

لأي حد تنعدم الإنسانية عند هؤلاء الناس ؟ حتى أنهم لا يهتمون بالمعاناة و المعاملة القاسية غير الإنسانية التي يعاني منها البلوش في باكستان و إيران على السواء. إلى أي حد لا يفهم هؤلاء الناس أن الوطن و الكرامة شيء مقدس يجب أن ننظر له نظرة إنسانية حقيقية بعيدا عن المصالح الشخصية؟ هل فكر هذا الإنسان أن يضع نفسه مكان هؤلاء البلوش ليعلم مدى مرارتهم وعذابهم؟ ليعلم أن الصراع بين أعداء الأمة ( الوهابيون و الفرس) لا يعنيهم ولا شأن لهم به. الفارسي يقتلهم لأنهم سنة ، و الوهابي يريدهم قنبلة يدمر بها الفرس تحت حجة نُصْرَة الدين.

أتَفهَّمُ كم يبدو تَعليق مثل هذا المتابع محبطا لصديقي البلوشي ، فالأخ الوهابي لا يهتم أبدا بمعاناة البلوش ، كل ما يهتم به هو تصفية حساباتهم التي يظنون أنها أيديولوجية ، بينما الحقيقة واقعيا لا يوجد خلاف بين آل سعود و الفرس من الناحية الدينية ، الاثنان وجهان لعملة واحدة تماما ، فقط الفرق أن آل سعود لهم تبعية مطلقة لأمريكا و يلعبون دورهم بحماقة ، و الفرس لهم تبعية جزئية لها و يلعبون دورهم بإتقان عبر كسب اليهود الإيرانيين في إسرائيل لصفهم. و كلا الفريقين لا يريد خير للأمة ، وكلاهما يتسترون بالدين لأجل بلوغ مصالحهم السياسية و القومية و العنصرية.

الجمهور الوهابي ، صاحب التبعية العمياء لكبرائه لا يهتم لمعاناة البلوش شأنه شأن حكومته ، لذا هو لا يرى أن باكستان عدوة ، حتى وأن قتلت البلوش ، و حتى أن دمرت و شوهتهم بأسلحتها المحرمة دوليا ، لأنها مسلمة في نظرهم ، ولأنها في حقيقة الأمر حليفتهم القوية ، وأيضا هي تحت حماية أمريكا المباشرة ، ولو كانت إيران تملك تحالف سياسي مع آل سعود فأننا لن نجد أي التفاتة من الجمهور الوهابي ولا الإعلام الوهابي لقضية البلوش في الشطر الإيراني أبدا.

لم يكن الفرس يوما مع الإسلام وهو أمر لا  يحتاج ذكاء ولا خبرة سياسة ، وهو أمر لا يخفى إلا على الحمقى ، لكن باكستان وهي الحليف القوي و القديم للدولة السعودية ، والتابع المطيع جدا لأمريكا حتى قبل قضية أخراج السوفييت من أفغانستان ، تلعب دورا خطيرا في السيطرة على بلوشستان ، دورا لا يتمتع بالإنسانية ولا المسؤولية أبدا ، وهي لا تقل وحشية وعنفا عن الفرس المتشيعين أبدا ، فكلاهما لا يهتمان لا بالناحية الدينية ولا بالناحية الإنسانية وكل همومهم سياسية بحته تتستر بالدين .

إقليم بلوشستان إقليم واسع و غني بالذهب ، وربما بمعادن أخرى ، كما يتمتع بموقع إستراتيجي مهم جدا . وهذا لم يكن خيرا على البلوش بل لعنة ، جعلت وطنهم يقسم بين ثلاث دول ، أثنين منهما هما أخطر أنظمة ، أعني باكستان و إيران. وجعلت البلوش يشتتون في البلدان ، ومن بقى منهم في أرضه فأنه يعاني و يسام العذاب من جميع المحتلين له. إضافة لممارسة التجويع و التهميش والإفقار للإقليم وأهله.

من الصعب جدا أن تجد عائلتك مقسمة بين ثلاث دول ، وأن تحتاج لعبور الحدود وأوراق ثبوتية لتتجول في وطنك . هذا ما يحدث لأهل فلسطين و أهل بلوشستان على السواء ، لكن بينما فلسطين محتلة من عدو صهيوني مخالف لنا في الدين و القيم ، فيمكنك أن تتفهم عدوانيته لك ، و وحشيته تلك ، لكن كيف تفسر وحشية أخوك في الدين ؟

و ظُلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ[1]

لستُ ممن ينادي بانفصال أي أحد ، فأنا أعلن أن لا خير في أمة مجزَّئة ، وأعلم تماما أن العدو البريطاني قسمنا أجزاء  كثيرة قبل رحيلهِ  ليسهل بذلك التحكم فينا ، عبر زرع الفتن و القلاقل بيننا عبر حكام هم في أصلهم عملاء ، أو أناس لا تهمهم ألا كراسيهم ، وحتى منهم من وجدت فيه نخوة ، فهو ضعيف لا يستطيع أن يواجه كل هؤلاء الأعداء وعملائهم وحده لان مصيره لن يكون أفضل من أولئك الذين تمردوا على العدو قبله. لست ممن يدعو للانفصال ، ولا أتعامل مع الأمر بازدواجية معايير ، لكني كلما تأملت واقع بلوشستان أجد أن لا حل لهم ألا توحيد إقليمهم وخروج جميع المحتلين عنهم .

لعلهم لو كان إقليمهم غير مُقسم ، و لو كانت الدولة التي احتوتهم تتعامل معهم بعدل وإنصاف وإنسانية ، لعلهم ما طالبوا بأي انفصال ، ولا تمردوا عليها ، فهم ليسوا طائفيين ، ولا يكرهون وحدة الأمة ،  البلوش شعب طيب ، وكثيرا ما أثبت حبه و ولائه لأمته الإسلامية ، لم يكونوا عنصريين ولا طائفيين رغم تمسكهم بدينهم ، و  لديهم قابلية عالية للتعايش[2] مع الجميع ، و علاقتهم بالعرب عبر التاريخ  كانت أقوى بكثير منها عن باقي الأمم و الشعوب.  لكنهم لم يستطيعوا تحمل الذل و الألم و الوحشية ، لذا فقد ثار الشعب البلوشي من أجل وحدة أراضيه ، ومن أجل لمِّ الشمل لأبناء شعبهم ، ولأجل العيش الكريم و الإنساني .

ما يؤسف حقا أن الأخوة البلوش يعولون على الحكام العرب متأملين نصرتهم ونجدتهم لما بينهم من تاريخ عريق مشترك ، ولما يجمعهم من أخوة في الدين ، لكن الحكام العرب لا يهتمون لذلك ، هم مجرد دمى تحركها أمريكا متى شاءت و كيف شاءت و أينما شاءت . و القليل من أولئك الحكام العرب الذين يحملون بعض النخوة وحب الخير لا يحبذون المغامرة بأوطانهم و بعروشهم ، فهم يعلمون أن لا سند لهم ولا ظهر من الحكام العرب ، فقد حارب صدام إيران بالنيابة عن الجميع ، و كانوا يصفقون له ، ثم حين تمرد على أمريكا وحلت عليه لعنتها ، وقفت البقرات الحلوب تدر المال لحرب أمريكية المبالغ فيها ضد بلد شقيق ، نعم أخطأ صدام في الكويت ، لكن لا يعني أبدا أن تسلم وطنا فيه أهلك و أفراد من أمتك لعدو تعلم أنه لا يريد لك ولا لأمتك خيرا. وفعلوا ذات الشيء مع معمر القذافي ،  وهم يكررون ذات الشيء مع بشار الأسد. ليس كما يدعون من أجل أهل تلك البلدان ، و أنما هي حرب نيابة عن أمريكا فقط ، وكل أدعائهم  فيها (حق أريد به باطل).

أي حاكم عربي سيتجرأ لمساعدة بلوشستان بدون رغبة أمريكية سيتم تدميره بطرق ما ، حسب ما سيكون متاح ، منها تأليب البقرات الحلوب على حرب بلاده تحت مسميات كثيرة . لذا لن يغامر أي حاكم هذه المغامرة الكبيرة لا ضد إيران ولا ضد باكستان.

المؤلم أكثر أن ترى من تظنهم أخوان لك يحاولون تحريضك و تجييشك ليس لأجل مناصرتك ، ولا تفهما و اهتماما بقضيتك ، بل لتصفية حساباتهم مع عدوهم عبرك أنت ، يريدون منك فقط أن تكون حزاما ناسفا تقلق عدوهم بل وتدمره دون أن يكلفهم الأمر أي شيء ، الهند تحرض البلوش على باكستان من أجل الانتقام من باكستان ، فالكل يعلم العداوة بين الهند وباكستان منذ انفصال باكستان عن الوطن الأم "الهند" و ما تبعها من قضايا ليس أقلها قضية "كشمير". و الوهابية يحرضون البلوش على إيران بسبب العداء الظاهر بين القطبين الشيعي و الوهابي.

صديقي البلوشي ، أيها الرجل الوطني النبيل ،  أعلم أن كلامي لا يمنحك الأمل بل  الإحباط ، لكن علمي بمدى وجعك ووجع قومك بسبب الفرس و بسبب باكستان عبر هذه السنوات الطويلة ، يدفعني للحديث بصراحة و واقعية ، هم لن ينصروك ، كل ما يفعلونه هو الكلام و الكلام فقط ، و أن اتخذوا خطوة لدعمكم بالسلاح أو المال في يوم ما ـ ولا أتوقع أن يحدث هذا ـ فأنهم سيتخلون عنكم في منصف الطريق أن وجدوا مصالح أخرى . فقد اعتادوا على بيع البشر ، و الاستغناء عن الإنسانية ،و تضييع الأوطان ، فلا تغرنك منهم الشعارات الدينية ، فالدين معدوم في أوطانهم لذا لا تنتظر أن ينصروه خارجها.

صديقي البلوشي النبيل ، لا تعول علينا ، فنحن لا نملك لكم نفعا ، كما لم نملك نفعا لفلسطين ، و أعْلامنَا العربي لا يهتم بقضايا الأمة ، كل همه الصراع المذهبي ، و التطبيل للحكام فقط ، و علماء الأمة غير موجودين ، فقد ماتوا منذ أن مات أخر تابعي من أتباع صحابة رسول الله صل الله عليه وسلم ، و أما من بقي منهم فهم مجرد متلبسين لعباءة الدين ، و مجرد سدنة لأصنامٍ تحكمنا .الحكومات العربية لا تهتم لا لوطن ، ولا لأمة ، ولا لدين ، تهمها مصالحها وعبوديتها لأمريكا و العمل على راحة بال الصهاينة في فلسطين ، و الشعب العربي مشغول فيمن هو  أجمل مِن مَن . و من هو من أتباع الفرقة الناجية ، لم يعلموا أن جميعهم لا يمثلون الدين وأنهم يجسدون الوليد بن المغيرة و أبو لهب فقط . صفوةٌ صغيرة  جداً هي من تمتلك الغيرة لكنها مستضعفةٌ في الأرض مثلكم ، يحاربها الجميع : الحكام ، و الإعلام ، و شيوخ السلطان ، و العوام ، فهي لا تملك شيء يمكنها أن تنفعكم به.

صديقي للأسف لا نملك إلا الدعاء أن ينصركم الله ، وأن يحفظكم ، و أن يعود لكم وطنكم حراً .  أتمنى من كل قلبي أن تركزوا جهودكم على العواصم الغربية و أمريكيا ، فلعلكم تستطيعون إحراجها بشكل من الأشكال حتى تضغط على باكستان حليفتها وتابعتها القوية ، وعلى إيران حليفتها وشريكتها الخفية ، ليعود لكم وطنكم العظيم.

أعلم أن الغرب ليس إنسانيا في سياسته ، لكن تبقى هناك بعض الطرق التي لعل وعسى يجدي انتزاع الوطن و استعادته عبرها . هم غالبا سيركزون على الجانب الإيراني من وطنكم ، ليس لأنهم يحبون لكم الحرية والأمن و السلام والكرامة ، لكن لأجل إذلال إيران فهم لا يريدونها شريكا ، بل يريدونها تابعا لهم ، شأنها شأن الدول العربية. لكن الفرق بين الغربيين و بين العرب ، أن الغرب بيدهم القرار ، بينما العرب مجرد بقرات حلوب و إمعات ، عبيد يفعلون ما يؤمرون ، و الدليل واضح اليوم ، وهي حربهم على إيران في سوريا و اليمن ، بينما يتركون فلسطين ترزح تحت ألم الصهيونية حليفتهم المفضلة.

صديقي البلوشي أني أعتز بوطنيتك العظيمة و أخلاصك ونقاء سريرتك ، و يعتصرني الأسى و أنا لا أجد في رسالتي أي شيء قد يمنحك الفرح و البشرى ، فنحن قوم نسينا الفرح و البشائر الطيبة ، و لم نعد نعرف إلا النعي و الجثث و القنابل و الدماء ، نهدم بيوتنا بأيدينا و أيدي أعداء الأمة ، أننا اليوم معول لعدو الأمة فقط.

ناضلوا في أرضكم ، فأنتم تملكون الشجاعة العظيمة لذلك ، و حاولوا استمالت الغرب لقضيتكم ، لعلكم تبلغون مطلبكم . و أعتذر بشدة عن خذلاني و خذلان قومي لكم.


[1] - البيت للشاعر العربي طَرَفة بن العَبد.
[2] - يعتنق أهل بلوشستان الدين الإسلامي وهم من أتباع المذهب الحنفي.

الخميس، 4 يونيو 2015

الحرب الدينية الكاذبة 3/3

"وَسِوى الرّومِ خَلفَ ظَهرِكَ رُومٌ
فَعَلَى أيّ جَانِــبَــيْكَ  تَمِيلُ"
أبو الطيب المتنبي ، شاعر عربي عباسي



كانت الدعوة للجهاد في أفغانستان أهم من الجهاد في فلسطين ، و كان الانتقام من علي عبدالله صالح أهم من الانتقام من الصهاينة في فلسطين ، و اليوم أخراج الحوثيون و علي عبدالله صالح  أهم من إخراج الصهاينة من فلسطين.

الوحدة اليمنية و التي تمت في 22 مايو  1990م ، و التي انتهت بعودة انفصال الجنوب مرة أخرى في 21 مايو 1994 م ، بسبب خلافات كثيرة بين الرئيس اليمني  علي عبدالله صالح ـ  حاكم اليمن الشمالي قبل الوحدة ـ و نائبهِ علي سالم البيض ـ حاكم اليمن الجنوبي قبل الوحدة ـ و التي بدأت بشكل أكثر بعد سفر الأخير للقاء مسئولين أمريكيين في أمريكا بدون علم رئيسه .

يومها كانت لا تزال أمريكا تؤيد الوحدة و بقوة ، لذا لم تستطع الدول الخليجية التصريح بتأييد الانفصال الجديد لليمن الجنوبي ، يومئذ تكاد تكون اجتمعت دول الخليج كلها ضد اليمن لمنع الوحدة ولتذكية الخلاف لولا  الرغبة الأمريكية في وحدة اليمن لأسباب تخص مصالحها ، وها هي تتكرر الرغبة و الفرصة لتجزئة اليمن مرة أخرى ، و لكن هذه المرة بمباركة أمريكية ، فالنفط اليمني سيكون أشهى و أنفع لأمريكا أن وجدت له بوليصتي تأمين بدل بوليصة واحدة ، فيكون التحكم في البوليصة سهلا و أكثر نفعا لها.

تملك اليمن الموقع الجغرافي و الاستراتيجي و القوة البشرية و الثروة النفطية ، فهي يمكن لها أن تكون صاحبة السيادة في الجزيرة العربية لو شاءت . لكن العجيب حقا في اليمن هو أن  الولاءات فيها تتغير بسرعة البرق ، فالجهل الشديد و نقص الوعي السياسي لزعماء القبائل  ـ وهم من يملك القوة الحقيقية في الداخل ـ  في اليمن تجعلهم لا يعلمون تماما ماذا عليهم أن يفعلوا ، و أين يجب أن يقفوا ، كل ما يفعلونه أنهم يميلون حيث تكون مصالحهم القبلية حاضرة فقط ، لذا فالولاءات غير ثابتة و غير واضحة . أمور كثيرة تجعل اليمن ـ مثل لبنان ـ  تسلم قدرها لآخرين يعبثون بها كقطعة شطرنج ، ويديرون معاركهم فيها ، معارك لا شأن لليمن فيها ولا مصلحة .

كل ميزات اليمن كانت لعنة عليه ، فالكل كان يريد له التجزئة مرتين ، ولكن يتدخل القدر فتنجو اليمن من الفرقة ، ولكن هذه المرة يجتمع الجميع لتصفية حسابات قديمة في اليمن ضد علي عبدالله صالح ، وضد إيران أيضا ، و التي كان دخولها في الخط هو الشعلة المطلوبة ليأخذها الخليجيون باليمين و يحرقون بها كل اليمن ، ويشطرون اليمن أجزاءً  كثيرة.
وكما أنطلق الجميع لتقويض الوحدة اليمنية يوم نشب النزاع بين الزعيمين الكبيرين في عام 1993 و الذي نتجت عنه الحرب الأهلية في اليمن عام 1994م و انتهت بهزيمة البيض  ليخرج من اليمن إلى سلطنة عُمان لاجئا سياسيا ـ  و يومها كان لكل دولة أسبابها للقضاء على الوحدة اليمنية في عام 1993 م ـ  فإن الآن في عاصفة الحزم وما تبعها ، يعود المتربصون القدامى لتحقيق ما لم يحققوه يومذاك .

 السعودية  ترى أن وحدة اليمن  خطرا على مصالحها و تهديدا لهيمنتها في المنطقة ، و قد قبلت الوحدة مكرهة في التسعينيات من القرن العشرين  ، لكنها ـ أي الوحدة ـ تمت برضا حكومة الكويت إلى أن حدثت حرب الخليج الثانية في أغسطس 1990م أي بعد إعلان الوحدة اليمنية بشهور قليلة . وقد أيدت اليمن صدام حسين في غزوهِ الكويت ، لكن اليمن دفعت الثمن باهضا بعد ذلك . حيث طُرِد أكثر من 800 ألف يمني من السعودية و 300 ألف من الكويت. و تم تصنيفها من دول (الضد).

كانت سياسة الكويت بعد حرب الخليج الثانية سياسة تشفي ، كان التشفي  يملي عليها سياستها المرحلية. لذا صنفت علاقاتها بين دول (المع) و دول (الضد) ، كانت اليمن من دول الضد ، و إلى اليوم يبدو أن صباح الأحمد لم ينسى ما حدث ، فربما تدخل صباح الأحمد اليوم ـ في عاصفة الحزم ـ  في اليمن عائد لقضية تأييد اليمن لصدام ، فقد كان صباح الأحمد هو وزير الخارجية[1] ، و كان من الداعمين للوحدة اليمنية و قد قدمت الكويت مساعدات مهمة جدا لليمن من بناء مدارس و مستشفيات و وساطات سياسية ، و كان لليمنيين مكانه بفضل صباح الأحمد[2] عند الكويتيين . بعد التحرير صارت الكويت تتعامل بسياسة تشفي تجاه الجميع . ويبدو أن صباح الأحمد لم ينسى و وجد الفرصة سانحة الآن ، و خصوصا أن جميع الجهود و المال الذي دفعهُ للجنوب في الحرب الأهلية اليمنية في 1994م ذهب هباءً بعد هزيمة الجنوب ، حيث فشلت مساعي الكويت ـ ومن معها من دول الخليج ـ  لتقسيم اليمن تشفيا منها على موقفهِ تجاه الغزو العراقي لها.

أما قطر التي  كانت أدوارها بسيطة في حرب الخليج الثانية ، و كانت أكثر دول المجموعة الخليجية التزاما بالسياسة السعودية . فقد أصبحت ـ قطرـ الآن حاضرة بقوة في كل الأحداث السياسية في المنطقة ، فقد شبت قطر عن الطوق السعودي بعد حوالي عشرين سنة من الاستقلال ، فبعد حرب الخليج الثانية صارت أغلب سياساتها الخارجية هي ردة فعل  لسياسة السعودية.

قطر تقدم نفسها حامي للدين ونصيرة  المظلوم و تستخدم شيخ دين مشهور كان يعد من علماء الأمة ، إلى أن صار من علماء السلطان ، يتغير خطابه و فتواه بتغير سياسة حكومة قطر ، تشارك قطر في عاصفة الحزم مع السعودية رغم ما كان بينهم من خلاف حاد بلغ حد سحب السفراء ، لكن فجأة عادة المياه لمجاريها ، و عربون المحبة كان قصف اليمن ، والتي كانت الاستخبارات القطرية حاضرة فيها من بواكير الانتفاضة الشعبية اليمنية فيها شأنها في ذلك شأن ما فعلت في مصر و سوريا و ليبيا و العراق.

عاصفة الحزم ، و التي تم توجيهها ظاهريا للقضاء على التمرد الحوثي ، أُلبست ثوبا طائفيا خالصا ، فصارت دول التحالف الوهابي  تظهر في الإعلام كحامية للدين ضد الحوثي "الرافضي الشيعي الكافر" كما يسميه الإعلام الوهابي و جمهوره ، كيف أقنع جمهوره بهذا الأمر إلى حد بلغ معه أن أم طيار تم إسقاط  طائرته في اليمن تقول أمه أنه ذهب ليحمي الكعبة ؟؟ ، لكن كيف تستطيع أن تقنع المثقف العربي أن الحلف يهتم بالدين و ينصره ، و أنه ضد إيران فقط لأنها شيعية ؟. الحمقى وحدهم يصدقون هذه الكذبة.

قطر التي قال  وزير خارجيتها مرة : ( إن قوة إيران هي من مصلحة المنطقة ) . و التي قام ولي عهدها ـ آنذاك ـ حمد بن خليفة آل ثاني بتوقيع اتفاقا يقضي بتزويد قطر بمياه الشرب من إيران عبر أنابيب تمر تحت البحر ، و تم التفاهم بين  طهران و الدوحة حول تقاسم حقول غاز الشمال الواقعة في مياه الخليج  بين البلدين . كان في 1991م في طهران ، و لم تكن أنقضت سنة على حرب الخليج .

و بلغت درجة العلاقة بين قطر و إيران أن عرضت قطر الوساطة بين الإمارات وإيران في قضية الجزر الثلاث ، و لأجل هذا  في 17 ديسمبر 1993 م زار أمير قطر الإمارات . و هذه الزيارة كانت قد تأجلت أكثر من مرة بسبب الخلاف القطري - الإماراتي حول التقارب القطري - الإيراني .

 أين كان الدين وقتها ؟ وآل ثاني يحسبون على التيار الوهابي في الخليج ، هم و القواسم في الإمارات. أليست المصالح السياسية لا تعترف بدين ؟ مهما حاول علماء الحكام أو ما يعرف ب (علماء السلطان) أيجاد تبريرات "شرعية" لأفعال و قرارات السياسيين.

أليست قطر هي  التي عقدت صفقة الغاز الطبيعي بينها و بين إسرائيل ( الصهيونية الغاصبة) ؟ ، قطر التي اتخذت سياسات متخبطة كل الهدف من ورائها أن تثبت لذاتها و للعالم أن سياساتها مستقلة عن القرار و السياسة السعودية ، فسعت بكل جهدها للوصول لأمريكا عبر التقارب مع الكيان الصهيوني ، كان كل شيء في العلن ، ولم تكن قطر تستحي ، وهي التي صرح وزير خارجيتها حمد بن جاسم بن جبر في 29 يناير 1994م قائلا : ( أن قطر ستستقبل الدبلوماسيين الإسرائيليين كغيرهم من الدبلوماسيين). وفعلا ففي 7 أكتوبر 1993 م ،أكدت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية أن مسئولاً إسرائيلياً كبير زار قطر واجتمع مع كبار المسئولين في الدوحة.

ثم بعدها كانت صحيفة (الشروق) القطرية أول من أجرى لقاء صحفي مع وزير الخارجية الإسرائيلي ـ  كان حينها الوزير هو شمعون بيريز ـ في 15 أكتوبر 1993م  عن طريق مُراسلها في القدس ، و كان هذا أول لقاء صحفي تجريه صحيفة خليجية مع مسئول إسرائيلي .

و في حادثة الرسوم المسيئة للنبي محمد صل الله عليه و سلم ، التي أعقبتها حادثة (شارلي إيبدو) في يناير 2015م ، ماذا فعلت قطر لتنصر نبيها بما أنها تقدم نفسها حامي للدين و داعم للجماعات الدينية ؟

لدى قطر استثمارات بقيمة (مليار دولار)  في فرنسا ، وهو مبلغ ليس سهل وخصوصا مع الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها فرنسا ، كان بإمكان هذا المبلغ أن يكون ورقة ضغط على فرنسا لتحترم ديننا ، كما تحترم اليهود فيها برغم زعمها أنها دولة علمانية ، الأمر لم يقتصر على أن قطر لم تهتم بفعل شيء يحسب لها عبر استثمارها في فرنسا ، بل أنه تم في الدوحة في 4 مايو 2015 م ـ أي بعد أشهر قليلة من حادثت الرسوم المسيئة للنبي ـ  توقيع صفقة لشراء 24 طائرة مقاتلة من طائرات (رافال) الفرنسية ، الصفقة بقيمة (سبعة مليارات) دولار ، إضافة لعقود أخرى جميعها كفيل بإنعاش الاقتصاد الفرنسي ، ذلك الاقتصاد الذي يسعى الناس لضربه عبر مقاطعة[3] المنتجات الفرنسية لتأديب فرنسا وانتصارا لنبيهم عليه السلام.

الحرب في اليمن اليوم ليست حرب لنصرت الدين ، و ليست حرب ضد إيران ، هي حرب أمريكية لتقسيم اليمن للاستفادة من نفطها و موقعها ، و لكن تقوم بها ( البقرات الحلوب) بالنيابة عن أمريكا التي تكتفي بتأمين الحماية من بعيد دون أن تتورط هي بنفسها في الحرب ، إضافة لتأمين تمرير مشروعية الحرب الدولية ، بينما تقوم الحكومات الخليجية  بتأمين الشرعية الدينية للحرب ، و لكل واحدة من تلك الحكومات هدفها. لكن بكل تأكيد لا يوجد الهدف الديني ضمن أجندة أي منها.

لو كان الدين هدفهم لكانت فلسطين أولى ، أو بورما ، و لو كان رفع الظلم لكانت بلوشستان أولى ، لكن هيهات . يدعي ملك الأردن أنه يريد حماية حدود السعودية و أمنها ، أن حدود بلاده أولى . و يدعي ملك المغرب أنه يريد حماية الشرعية ، أن استعادة الصحراء المغربية أولى ، و يقول محمد بن زايد أنه يريد أن يضرب إيران ، فجزره أولى ، لا أتوقع أن السيسي سيتحدث عن استعادة الحكومة الشرعية في اليمن. تقول العامة : ( الصقر يصقر في داره).

ستنتهي الحرب ، و ربما يعاد تقسيم اليمن ـ إلا أن تدخلت ألطاف الله وردت كيد هؤلاء المعتدين في نحورهم ـ و سيعود هؤلاء المعتدون ليتناحروا بينهم ، وليكملوا صراعهم ، بينما أواطنهم تزداد تخلفا ، وفسادا إداريا و ماليا ، و بينما أفضل وطن من أوطانهم ليس إلا بوليصة تأمين للدول الغربية في أزماتها الاقتصادية ، و مجمع مخلفات له ، و حديقة خلفية تضع فيها الدول الغربية مشاريعها بالوكالة ـ تحديدا المشاريع الثانوية ـ فبينما يتم في الغرب تنمية العلم بشكل حقيقي و احتواء العباقرة المهاجرون من أوطاننا ، تنمو أوطاننا على الحياة الاستهلاكية و تنمية اقتصادية هشة و هزيلة تعتمد في غالبها على السياحة و العقار ، إضافة إلى أسواق مالية هزيلة ما هي إلا مساند للأسواق المالية العالمية  ، ولا توجد لدينا مشاريع إستراتيجية ولا مشاريع إنتاجية حقيقية ، ولا استثمار حقيقي للخيرات الزاخرة في الوطن ، أن كل هذا الاقتصاد محض ( زبد ) { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء }[4].

قبل أن تصفق لعصبيات جاهلية بكل جهل ، أنظر حولك ، أفهم ماذا يحدث ، ثم أحكم . أن كنت لا تستطيع أن تنصر الحق ، فلا تصفق للباطل. هل سألت نفسك :
كيف عاد الحوثيون للواجهة ؟ و من أمدهم بالسلاح و المال ؟ كم هي نسبة الحوثيون مقارنة بشعب ضخم مثل اليمن يصل تعداد القبيلة الواحدة لأربعة ملايين و أفرادها يخضعون بالطاعة التامة لزعيمها ؟ ألا يوجد حل غير التدمير و سفك الدماء ؟

بالطبع ستقول إيران جلبتهم ، لأنك لن تفكر ، ستكتفي فقط بترديد ما قاله الساسة . إيران لا تورط نفسها أبدا إلا أن وجدت اللقمة سائغة ، كما فعلت في العراق ، و العراق بلد نسبة الشيعة التابعين بالولاء له أكبر بكثير من اليمن ، ولا يفصلها سوء حدود بسيطة يمكنها خلالها تمرير ما تريد بدون أي رقيب في وطن منهار ـ في أواخر عهد  صدام حسين تحديدا ـ  ولها معه ثأر عظيم ، لكنها متى تدخلت؟؟ عندما أنهى الحمقى كل شيء ورثتْ هي التركة كاملة ، وكانت لقمة سائغة سهلة.


[1] - شغل صباح الأحمد الجابر الصباح منصب وزارة الخارجية من 28 يناير1963 م حتى 20 ابريل 1991م ، إضافة لمناصب أخرى . ثم عاد لشغل المنصب في 18 أكتوبر 1992م و حتى يوليو 2003 م عندما عين رئيسا للوزراء.
[2] - خلال تولي صباح الأحمد منصب وزير الخارجية و رئيس اللجنة الدائمة لمساعدات الخليج العربي قام بإعطاء المنح المالية السخية لليمن وخصوصا للجنوب ، عدا عن الوساطات السياسية و التي كان أبرزها  الوساطات التي قام بها  بين الشمال و الجنوب اليمني بخصوص الحدود بينهما ، و أيضا بين سلطنة عُمان و جمهورية اليمن الديمقراطية ( اليمن الجنوبي ) نتج عنها توقيع اتفاقية  خاصة لإعلان المبادئ التي خففت حدة التوتر بينهما ، و دعا  وزيري خارجية الدولتين 1984 م لدفعهم لإعلان انتهاء الحرب الإعلامية  بينهما و احترام حسن الجوار و أقامة علاقات دبلوماسية بينهما .
[3] - هذه المقاطعة لم تلقى رواجا كما حدث مع الدينمارك ، و مع هذا يوجد عدد من الناس مازالوا متمسكين بها.
[4] - الرعد17

الأربعاء، 3 يونيو 2015

الحرب الدينية الكاذبة 2/3



 "أن أخْوف ما أخافُ عليكم  تغيُّر الزمان ، و زَيغَةُ عالم ( ميلهُ عن الحق) و جدال منافق بالقرآن ، وأئمة مُضلُّون ، يُضلُّون الناس بغير علم"
عمر بن الخطاب ، خليفة  الدولة الإسلامية ، و ثالث حاكم لها.




بينما يبلغ حماس الجمهور الوهابي أوجه لتشجيع بلادهم و دول الخليج لدعم القضية البلوشية في الشطر  الإيراني  بحكم أنها دولة "رافضية كافرة" حسب المعتقد الوهابي ، و يتجاهل الكل الهدف الذي تسعى و رائه الحكومة السعودية من تحريضها غير المباشر للبلوش في الشطر الإيراني دون غيره ، لأن الهدف ليس رفع معاناة البلوش ـ وإلا كان أولى بهم مساعدة الشطر الباكستاني الذي يسام العذاب أن لم يكن جميع الإقليم ـ  لكن الهدف أثارة القلاقل في إيران ولكن عبر "أجساد" البلوش .

في عام 1962م شاركتْ  السعودية في حرب اليمن كحليف رئيس لملك المملكة المتوكلية[1] في اليمن الإمام "محمد البدر حميد الدين"[2] ، و هو (شيعي زيدي) ، ضد الجمهوريون الذين قادوا انقلابا عليه و كان في صف الجمهوريون أغلب قبائل اليمن (السنية) ، و قادتها كانوا من المذهب (السني) .

في تلك الحرب التي شارك فيها  سلمان بن عبدالعزيز ـ ملك السعودية الآن ـ  كجندي هو وعدد من أمراء آل سعود ، كان أبرز حلفاء السعودية (الوهابية) في الدفاع  عن مُلك المَلِك (الشيعي)  هي الحكومة الشاهنشاهية[3] الإيرانية في عهد محمد رضا فهلوي وهو (شيعي علماني) مشهور بفسقه ـ و (فارسي) عنصري ـ  الذي كانت بلاده تحتل وقتها بلوشستان[4] (السنية) و تمارس الغطرسة و التعذيب في شعب هذا الإقليم وكانت أيضا قد احتلت إقليم الأحواز[5] (العربي) ، و كان معهم في التحالف بريطانيا (المسيحية) ، و ودعم بسيط من إسرائيل (الصهيونية اليهودية الغاصبة لفلسطين العربية المسلمة) . إضافة للأردن .

وبمناسبة مشاركة السعودية (الوهابية) في محاولة أعادة ملك الإمام اليمني (الزيدي الشيعي) ضد الشعب (السني) الثائر ، يجدر بنا القول أن في نفس تلك اللحظات كانت بريطانيا (المسيحية) تحتل إقليم عدن[6] ( المسلم السني) منذ 1839 م ، لكن لم تكن هناك أي بوادر أو اهتمام حتى بالأمر ، كان محاربة المسلمون (السُّنة) أكثر أهمية للسعودية من محاربة الانجليز ( المسيحيون المحتلون) و تحرير عدن ( المسلمة السنية).

في عام 1963 م وحده ، أنفق السعوديون 15 مليون دولار لتجهيز القبائل اليمنية الموالية للملكيين بالسلاح ، و تأجير المئات من المرتزقة الأوروبيين وإنشاء محطة إذاعية خاصة بهم ، وكان يوجد بعض عناصر الحرس الوطني السعودي تقاتل في جيش الإمام اليمني .

مواقف السعودية المسيئة لليمن لم تتوقف عند ذلك الحد ،  دائما السلوك الحكومي السعودي يتصف بالعنجهية والتكبر الأعمى مع الجميع وخصوصا مع اليمن واليمنيين . أنه و حين تمت الوحدة في اليمن في 22 مايو 1991م ، السعودية كانت ضد الوحدة اليمنية[7] من البداية لكن قبلته على مضض لأن أمريكا ترغب في احتواء الشطر الماركسي من اليمن وقد كانت الفرصة مناسبة بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي و إفلاسه . لذا قامت السعودية بطرد أكثر من 800 ألف يمني من أراضيها  ، وزعمت أن السبب هو نتيجة لموقف حكومة اليمن من حرب الخليج الثانية[8] و تأيدها لصدام حسين حين غزا الكويت عام 1990م. لكن الحقيقة هي نوع من الضغط على الحكومة اليمنية بما أن السعودية لم تملك القرار في أمر اليمن وقتها.

لكن لما بدأت أزمة الحكم بين علي عبدالله صالح ( زعيم حزب المؤتمر الحاكم في الشمال) وعلي سالم البيض (زعيم الحزب الاشتراكي الذي كان الحاكم في الجنوب) عقب انتخابات إبريل 1994 م ، تدخلت دول خليجية في الصراع اليمني بين الشمال والجنوب ـ وكان لكل دولة أسبابها ـ  و من أبرز  تلك الدول هي : الكويت ، و  السعودية[9] . كان الهدف هو تذكية الصراع داخل اليمن أملاً من هذه الدول في انقسام  اليمن مرة أخرى .

لكن تصريحات كلينتون في 10 نوفمبر 1993 تؤيد بقوة وحدة اليمن حين لم تستطع السعودية منع الوحدة لأسباب كثيرة ، قامت كحل بسيط بمنع اليمنيين الذين مازالوا يعملوا في السعودية من تحويل أموالهم لليمن إمعانا في الضغط على الأزمة الاقتصادية المتعاظمة في اليمن . و قد صرفت السعودية على الجنوب اليمني الاشتراكي  أثناء خلافهُ مع الشمال  من شهر أغسطس 1993 م  إلى 7  إبريل 1994م  ، حوالي 200 مليون دولار .

 لم تهتم السعودية وقتها لا بحقن الدماء و لا بوحدة اليمن ، و لم تهتم أن الجنوب هو إقليم ملحد ، تملئه الخمارات التي تغص بأنواع شتى من الخمور منها ما هو صناعة محلية . كل ما كان يهمها هو مصلحتها السياسية التي تنص على منع  وحدة اليمن بأي شكل.


اليوم تعود الدول الخليجية  ليس لسرقة الوحدة اليمنية فقط ، وإنما أيضا لسرقة الثورة الشعبية اليمنية ، فقد قاموا بإعادة الحوثيين (الشيعة) للواجهة السياسية ، عن طريق الرئيس الذي خلعته الثورة الشعبية  ( علي عبدالله صالح) ثم بعد ذلك هددوا و أرعدوا ، واستعرضوا عضلاتهم  كحماة للثورة ، و للشرعية في اليمن ، ثم تسلل (الفرس) ليكسبوا الغنائم كما اعتادوا بعد كل حماقة يرتكبها الوهابية ، كما حدث قبلها من حماقاتهم في لبنان و العراق و سوريا و ليبيا ، هنا جفلت النعاج المستذئبة ، حين هجم الذئب الذي تجتذبه رائحة الدماء ، فتجده حاضرا عند كل جرح و عند كل رائحة دم تفوح قبل حتى أن تنتشر في الجو ، أعني الفرس . اليوم ليس هدف الحكومة السعودية و الخليجية هو أعادة الشرعية كما  يزعمون ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، إنما هي فرصة سانحة جدا لتجزئة اليمن ، ربما ليس لجنوب و شمال كما كانت قبل 22 مايو  1990 م ، و إنما لفتات و أجزاء أكثر .

لقد قام الملك سلمان بدعوة علي سالم البيض للرياض ، وهي بذلك  أول زيارة له منذ عام 1997م ، وقد وصل الرياض في 27 ابريل 2015 ، ليس هذا الغريب  بل الأغرب هو أنه وأثناء لقائه بالملك سلمان بن عبدالعزيز كان علم الجنوب حاضراً ، إذن فالصورة أبلغ من أي كلام ، و من الواضح تماما أن تمزيق اليمن هو هدفهم الكبير ، و وجود العلم في لقاء سلمان بالبيض يعني التصريح الواضح باعتراف السعودية بالجنوب كدولة حتى قبل أن يتم الأمر على أرض الواقع.

فهل مازلت تعتقد أن للسياسة دين ؟

وهل مازلت تعتقد أن للدين حُماه ؟

وهل مازلت تثق بحكومات تدعي تبني الدين كنظام سياسي أمثال (الفرس) و ( الوهابية) ؟



[1] - قامت المملكة المتوكلية اليمنية عام 1918 م  بقيادة الإمام يحيى حميد الدين وانهارت بعد ثورة 26 سبتمبر ،هربت بعدها العائلة المالكة إلى السعودية وهي متواجدة هناك إلى اليوم . كانت المملكة المتوكلية مملكة منغلقة على العالم وتبنى الإمام يحيى  سياسة انعزالية خوفاً من أن تسقط بلاده لسلطة القوى الاستعمارية المتحاربة عقب الحرب العالمية الأولى وبالذات إيطاليا وبريطانيا وكذلك لإبعاد المملكة عن التيارات القومية التي ظهرت في المنطقة العربية تلك الفترة وساعده في ذلك أن جل المجتمع اليمني على أيامه كانوا من المزارعين يعيشون في قرى مكتفية ذاتيا. منع الإمام يحيى السفارات والبعثات الدبلوماسية من دخول البلاد وأي زائر أجنبي كان بحاجة إلى إذن شخصي منه . أسس الإمام يحيى حميد الدين حكماً ثيوقراطيا زيدياً تجاهل أبناء المذاهب الأخرى مثل الشافعية والإسماعيلية واعتبر يهود اليمن ذميين.
[2] - قاد المشير عبد الله السلال انقلابا على الإمام محمد البدر حميد الدين في 26 سبتمبر1962م ، هرب الإمام إلى السعودية وبدأ بالثورة المضادة من هناك ، تلقى الإمام البدر وأنصاره الدعم من السعودية والأردن وبريطانيا وإيران وإسرائيل ، وبدأت حرب أهلية في اليمن بين الموالين للمملكة المتوكلية وبين المواليين للجمهوريّة العربية اليمنية واستمرت الحرب ثمان سنوات (1962 - 1970). انتهت بانتصار الجمهوريون.
[3] - تسمى إيران في عهد محمد رضا فهلوي باسم الإمبراطورية الشاهنشاهية ، لأنه كان قد لقب نفسه باسم شاهنشاه ، وتعني ملك الملوك باللغة الفارسية .
[4] - احتلت إيران جزء من إقليم بلوشستان عام 1928 م ، في عهد الشاه رضا فهلوي ، و أصبح ذلك جزء من إيران الشيعية العلمانية.
[5] - تم احتلال الأحواز في عهد الشاه رضا فهلوي  في أبريل 1925 م.
[6] - قامت بريطانيا باحتلال  مدينة عدن ـ كبداية ثم توسعت في احتلال الإقليم ـ في 19 يناير1839 م ، وحتى جلاء المستعمر منها في 30 نوفمبر 1967 م ، بعد 128 عاماً من الاحتلال . وذلك لأهميتها الإستراتيجية لتكون قاعدة بحرية و مستودعا للسفن البريطانية .
[7] - اليمن الجنوبي كان النظام العربي الماركسي وقد انهارت الشيوعية رسميا سنة 1989 م . فلم يجدوا أي بد من الوحدة وقد تأسست دولة الجنوب سنة 1970 م و انتهت بالوحدة مع الشمال في 22 مايو 1990 م.
[8] - كانت الوحدة اليمنية بدأت قبل الغزو العراقي بشهور قليلة ، فقد كان الغزو العراقي للكويت في تاريخ 2 إلى 4 أغسطس 1990م.
[9] - كان سلطان بن عبدالعزيز  هو الممسك بملف اليمن منذ قيام الثورة  اليمنية سنة 1962 وما تبعها من حرب أهليه بين الملكيين والجمهوريين في الشمال وما لحق بها من حرب أهليه أخرى بين الجبهة القومية وجبهة التحرير في الجنوب قبل وبعد استقلال اليمن الجنوبية عن بريطانيا 1967 . قام سلطان بن عبدالعزيز بقطع إجازته الخاصة في روما في الثلاثاء 10 مايو 1994 لمتابعة الأوضاع في اليمن.

الثلاثاء، 2 يونيو 2015

الحرب الدينية الكاذبة 1/3



"أن يكون اللص عادياً ، ليس مثل أن يكون اللص فقيهاً ، حينها يخرج اللص عن عُرفهِ ليدخل من الباب لا الشباك ، لأنه يسرق بقرآنهِ و إنجيلهِ"
عبدالرزاق الجبران ، مفكر من العراق



الكل يكذب باسم الدين ليمرر ما يريده من قرارات و سياسات و ليحقق المصالح التي يريدها ، و لعل السياسيين هم أكثر من يكذب لتمرير القرارات و لتحقيق المصالح السياسة والاقتصادية ، و لأجل هذا كل سياسي هو محتاج لعلماء دين ـ أحبذ كلمة شيوخ - ليمنحوا قراراتهِ الشرعيةَ الدينيةَ المطلوبة  بحكم أنهم مالكُو "الحقِّ الإلهيّ" في الأرضِ ، و "علماءُ السلطان" هم  أنموذج من المنافقين ، تحديدا "المنافق العليم" فمهمتهم المطلقة هي تحويل الدين لمصلحة الحاكم ، وليُّ عنق الأحكام الشرعية  لتتناسب مع ما يريده الحاكم ، فيمنحون بذلك القرار السياسي أو الاقتصادي ـ للحاكم  ـ "الشرعية" المطلوبة لتبقى صورة الحاكم "مقدسة" أمام الشعب ـ الفئة الجاهلة تحديدا ـ و لأجل أن لا يستنكر أي أحد أفعالهُ.

 لطالما كانت نكبات الأمة في العصر الحديث بسبب الفرس المتشيعين ، و الوهابية ، اللذان تجمعهما عداوة شيطانية ، وهي عداوة لها جذور تاريخية عميقة .  و كل منهما يدعي أنه "حامي الدين" ، و  يدعي أنه يمثل "الخط المستقيم و الصحيح" ، لكنه مستقيم وصحيح من وجهة نظره هو فقط ، لا من وجهة نظر الأخر ، و {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }[1]، لكن المنصف يعلم تمام العلم أن لا حكومة "إيران" تمثل الإسلام ولا حكومة "السعودية" تمثل الإسلام . و كما أن المواقف تثبت معادن الرجال ، كذلك المواقف تثبت معادن السياسيين و الحكومات . و التاريخ مليء بالشواهد التي تثبت أن هذين الفريقين ليسوا إلا أناس أهل مآرب و مصالح  يتسترون خلف الدين ليحققوها .

**

اليوم و مع احتدام الخلاف (الفارسي - الوهابي) يسعى الوهابية لتقويض إيران بكل الطرق الممكنة ، فهم لا يستطيعون مواجهة إيران مباشراً  لذا كانت من ضمن الأشياء التي أتبعتها السعودية أنها من جهة كانت سببا لانخفاض أسعار النفط عندما رفضت خفض الإنتاج ليستقر سعر البرميل ، وهددت في حال خَفَضَ المنتجون أنتاجهم بأنها ستزيد أنتاجها لتغطية النقص ، و بهذا تضمن هبوط سعر النفط و تدهور قيمته مما يؤثر بقوة على اقتصاد إيران المحتاجة للمال لإكمال مشاريعها العسكرية و العلمية . و من جهة أخرى تقوم السعودية ـ بطريقة غير رسمية ـ بتحريض الأقاليم التي تحتلها إيران على التمرد ، و من هذه الأقاليم : بلوشستان ، و الأهواز[2].

 بلوشستان[3] ـ  المحتلة من قِبَل ثلاث دول ـ  ظلت تنتفض مراراً  وتكراراً ضد هؤلاء الثلاثة المغتصبين لأرضها . لم يلتفت لها أحد ولا لمعاناة أهلها. عانى إقليم الأحواز و بلوشستان المرارة على يد الإيرانيين أيام الشاهنشاهية و بعدها ، فأصحاب العمائم لم يكونوا أفضل من الشاه في أي شيء سوى في فرط الكذب باسم الدين . و لم تتحرك السعودية لا لأجل العروبة في الأحواز ، ولا لأجل المذهب السني في بلوشستان والتي كان ـ و مازال ـ  مشطورا إلى ثلاث أقسام . البلُوش يقودون ثورة و تمرد منذ سنوات لم تهدأ إلا قليلا ، خصوصا في الشطر الباكستاني  من وطنهم ، و الذي يعتبر الأكثر قسوة و عنفاً و معاناةً من البقية .

يسعى الوهابية بطريقة غير رسمية و غير مباشرة لإثارة الفتن و الثورات ضد الفرس المتشيعون ، فهم يحرضون الأحوازيون للثورة بالرغم أن عرب الأحواز( شيعة)  في غالبيتهم ، و يحرضون البلوش في الشطر الإيراني للثورة .

الأحوازيون بحكم أنهم (عرب) و لهم علاقة وطيدة بالخليج و بالعراق ، فهم يعرفون تماما الوضع الوهابي المتعصب لمذهبه ، لذا أخذ البعض منهم يروج بأن شيعة الأحواز مختلفون عن شيعة الفرس ، و أن الحكومة الفارسية لا يهمها الدين إنما يهمها عنصرها القومي الفارسي ، وهو حق لكن أريد به استمالت النخوة الوهابية ، وهي نخوة لم تُخلق في (الدين الوهابي) أبدا و لا وجود لها فيه ، ثم بعد ذلك و بعد إعدام بعض الشباب الناشطين في الدعوة للمذهب السني في الأحواز من قِبل الحكومة الفارسية ، قام البعض من الأحوازيين بالترويج أن الشعب الأحوازي بدأ ينتقل للمذهب السني ، لذات الهدف السابق. كانت تلك مساعي بعض المناضلين من الأخوة في الأحواز لاستخدام الدين كورقة يمكن بها جذب الدعم العربي عموما ، و السعودي خصوصا ، بحكم أنها بلاد الحرمين و العدو اللدود للفرس المتشيعين ، لكن لا حياة لمن تنادي.

في بلوشستان كان الوضع مختلف بحكم أن البلوش في غالبيتهم يعتنقون المذهب السني ، لكن البلوش أناس بسطاء في معيشتهم ، طيبون في طبيعتهم ، و هم معزولون إلى حد كبير عن العالم ، إلا القلة القليلة منهم وهي غالبا تعيش في المهجر ـ في الغرب غالبا ـ و هم لا يتحدثون العربية[4] ، لذا هم غير مطلعين تماما على الوضع في الوطن العربي ، و لقد اعتقدوا لوهلة أن آل سعود يهتمون لنجدة المظلوم ، لذا سعوا بكل جهد عبر الإعلام و عبر وسائل التواصل الاجتماعي لجذب تعاطف العرب خصوصا الخليج طمعاً منهم في كسب الدعم السياسي و المالي و ربما العسكري أن أمكن لينالوا استقلالهم ، و ليتوحد إقليمهم بعد تفرق طويل.

لكن كل جهودهم كانت كما قال جحظة البرمكي :

لي صديق يحب قولي و شدوي
و  له  عـنـد ذاك وجــه  صفيق

إن تغنيتُ ، قال : أحسنتَ زدني.
و باحسـنـتَ  لا يباع  الدقـيــق

و خصوصا أن ذكر القسم الإيراني من بلوشستان ، لكن أن ذكر قسم باكستان وجد منهم فتورا ، و في الأخير تبين له ـ أي المدير لصفحات التواصل الاجتماعي ـ  أنهم ـ أي الجمهور الوهابي ـ  لا يمانعون من احتلال باكستان و أفغانستان لبلوشستان ، لأنه وكما يزعمون احتلال (مسلم لمسلم) ، لكن احتلال إيران للإقليم هو احتلال (كافر لمسلم) . بالرغم أن القسم الباكستاني هو الأشد قسوة و استخداماً للتعذيب و الإعدام العشوائي و الأسلحة الكيماوية الممنوعة ضد البلوش . و هو الشيء الذي كانت مواقع المناضلين البلوش تنشره مفصلا بالصور .

لم يفهم (الجمهور الوهابي) بسبب جهلهِ و شدة عنصريته التي تعميه أن الشعب البلوشي يهمهُ أن يعود له وطنه ، ليعيشون فيه بسلام و أمان و كرامة ، كل ما كان يهمهم أن يكون ( جسد) المناضل البلوشي (قنبلة) تفجر شوارع طهران و تثير قلق الحاكم الفارسي و تثير الرعب في إيران ، الوهابيون لا يملكون الإنسانية ، هم يحرضون على قتل أي شخص و نشر الفوضى و الرعب ، شأنهم شأن الفرس المتشيعون "كذبا"  لآل البيت رضوان الله عليهم ، لا يهمهم أن يفسدون حياة الآمنين وأن يشتت الوطن و يخرب .

البلوش القائمون على حسابات التواصل الاجتماعي فطنوا لفكرة الكراهية الوهابية بين الوهابية و الشيعة ، لذا لجئوا لمحاولة إيهام الجمهور الوهابي بأن باكستان شيعية ، أصبحوا يمارسون الكذب باسم الدين لجذب الدعم ، فالدين ليس مهما عند أي سياسي المهم هو تحقيق الهدف ، استنادا للقاعدة الميكافيلية : ( الغاية تبرر الوسيلة) أيًّا كانت الوسيلة حتى لو بالظلم و الكذب أو حتى بتزوير حقائق تخص الدين.

ماحدث أن الجمهور الوهابي و الذي يجهل تماما أي شيء عن باكستان ، صار يهاجم تلك الإدعاءات البلوشية ، لأن حكومتهم أقنعتهم بأن باكستان سنية مسلمة ، وقول الحكومة و مشائخها هو قول فصل لا ينطق عن هوى ، و بما أن الجمهور الوهابي لا يستطيع سب و شتم البلوش بأنهم شيعة لعلمهم أنهم سنة ، فقد انتقلوا للشتيمة الثانية في قائمة شتائمهم التي ورثوها عن مشائخهم وهي أن هؤلاء البلوش عملاء للسي أي إيه ، أو للموساد. عجبا لتقلب الأحوال !!

هنا نلاحظ جهل البلوش بتاريخ الوهابية و آل سعود ، ونلاحظ جهل الجمهور الوهابي ، فالجميع يظن ـ خطأً ـ أن آل سعود و الوهابية تحملهم الغيرة على الدين ، وتملئهم النخوة تجاه العروبة ، لكن التاريخ يثبت العكس تماما ، و يجهل الجميع أن باكستان و آل سعود من أشد العملاء للسي آي إيه . لكن و كما يقول المعري[5] :

و عينُ الرّضا عن كلَّ عيبٍ كليلةٌ
ولكنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدي المساويا



أشتهر أهل بلوشستان عبر التاريخ  بشجاعتهم و تسامحهم الديني ، أبرز مثال هو مشاركة البلوش في تحرير عُمان من الاحتلال البرتغالي بالرغم أن البلوش من السُنَّة ، ورغم ذلك فقد شاركوا جنبا لجنب مع جيش الإمام الإباضي ـ وكانت عُمان عنئد دولة إسلامية ـ لتحرير الأرض العُمانية . و في سبعينيات القرن العشرين شاركت كتائب من البلوش في حرب الجنوب مع الحكومة العُمانية ضد الجبهة الشيوعية في ظُفَار. لكن اليوم نجدهم يسعون لاستخدام  كل الأوراق المتاحة ليعود لهم حقهم ، ومنها الكذب باسم الدين ، ليس فقط عبر جلب التعطف السني ضد المستعمر الشيعي و لكن أيضا بإدعاء أنهم يمارسون جهادا ضد الرافضة ، و أن مناضليهم إسلاميون.



[1] - المؤمنون53 .
[2] - الأحواز :  هو إقليم واسع و غني بالنفط ، و بموقعه الإستراتيجي المهم على الخليج العربي ، و الأحواز  هي جمع لكلمة "حوز"، وهي مصدر للفعل "حاز"، بمعنى : الحيازة والتملك، وهي تستخدم للدلالة على الأرض التي اتخذها فرد وبين حدودها وامتلكها .  و"الحوز" كلمة متداولة بين أبناء الأحواز فمثلا يقولون هذا حوز فلان ، أي هذه الأرض معلومة الحدود ويمتلكها فلان  . وعند الفتح الإسلامي لفارس أطلق العرب على الإقليم كله لفظة "الأحواز"، وأطلقوا على العاصمة سوق الأحواز للتفريق بينهما. أما "الأهواز" فهو اللفظ الفارسي لعجمة لسانهم ، وإن كان هذا اللفظ قد تسرب إلى بعض الكتب العربية. وفي العهد الصفوي سماه الفرس: "عربستان" أي القطر العربي أو أرض العرب . أما "خوزستان" فهو الاسم الذي أطلقه الفرس على الإقليم و هو يعني بلاد القلاع والحصون تلك التي بناها العرب المسلمون بعد معركة القادسية ، وسمي به الإقليم مرة أخرى بعد الاحتلال الفارسي بأمر من "رضا شاه" عام 1925م . تعود جذور شعب الأحواز إلى العديد من القبائل العربية التي هاجرة إلى هذا الإقليم قبل الإسلام بسنوات بعيدة . و هم اليوم يتحدثون باللهجة الرافدية و أغلب سكان الأحواز من شيعة ،  فيما يعتنق عرب الجزر والمواني الشمالية للخليج المذهب السني ويتحدثون باللهجة الخليجية . وعبر التاريخ كان هذا الإقليم لا يشمل سيطرة الدولة الفارسية إلا نادرا و لبعض مدنه خصوصا موانيه التجارية ذات الموقع الاستراتيجي عبر التاريخ . يشكل العرب حاليا في الأحواز 95% بعد تشجيع الحكومة الإيرانية للفرس بالهجرة لإقليم الأحواز ، و تهجير العرب من الأحواز لمناطق أخرى في إيران . و تفرض اللغة الفارسية كلغة رسمية للتعلم في الإقليم . و منذ اجتياح هذا الإقليم من قبل الشاه رضا فهلوي  في أبريل 1925 م ، وهو يشهد فترات صراع وعدم استقرار بين العرب القاطنين والحكومة المركزية في طهران بين الحين و الأخر ، و قد مارس الشاه أثناء الفترات الأولى لأحتلاله للأقليم وسائل تعذيب شنيعة ضد الرافضين للوجود الفارسي في الأقليم ، ثم و رثت الثورة الإسلامية  الإقليم ضمن ما ورثته  من مملكة الشاة . . ( الملاحظ أن لفظة حوز تستخدم في سلطنة عُمان ، و  لا تزال هذه اللفظة مستعملة في بعض المناطق بنفس هذا المعنى إلى الآن ) .
[3] -بلوشستان إقليم شاسع يقع بين ثلاث دول : باكستان ، أفغانستان ، إيران ، وهي الدول التي تم تقسم هذا الإقليم بينها .  تم احتلال بلوشستان من قبل جيش الاستعمار البريطاني في عام 1839م  بعدما هزموا جيش بلوشستان . القوات الاستعمارية قسّمت بلوشستان إلى بلوشستان شرقية وغربية في عام 1871م  فيما يُعرف بخط "جولد سميث" ، ومن بعدها أقتطع الجزء الشمالي لبلوشستان وضُم إلى أفغانستان بعام 1893م (خط  دوراند) . وبعد الحرب العالمية الثانية تم إعلان الجزء الشرقي من بلوشستان دولة مستقلة ذات سيادة وذلك في 11 أغسطس 1947م . تم احتلال جزء من الإقليم  من قبل إيران في عام 1928 م ، وبالتعاون مع القوى الاستعمارية البريطانية ، و تم احتلال من قبل الجيش الباكستاني في مارس من عام 1948 م .
[4] - البلوش يتحدثون اللغة البلوشية ، و هي لغة مستقلة و لها ألفاظ مشتركة مع لغة الأوردو التي يتحدثها مسلمو الهند ، وباكستان ، والفارسية التي يتحدثها الفرس ، و بعض الألفاظ العربية بحكم العلاقات التاريخية العريقة مع العرب ، و ألفاظ تركية ، تحديدا اللغة التركية الأم التي تتحدث بها القبائل التركية في وسط آسيا. بعض البلوش في الإقليم  يتقنون العربية وهم قلة قليلة  ، و لكن كلغة أجنبية و ليست كلغة رسمية أو أم .
[5] - ينسب هذا البيت أيضا للشافعي .